منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“لا تحبس الصلة برازخ الموت”

0
اشترك في النشرة البريدية

إن مبدأ الوصل ليس مجرد قضية يترافع بشأنها في ميادين الفكر والثقافة والسياسة، بل إن حقيقتها تنكشف عن فلسفة شاملة، وعقيدة راسخة، ونظرية معتبرة في الإنسية والأخلاق الروحية، تمتد لتغطي كامل مساحات البحث الديني العقدي والأخلاقي، والبحث الفلسفي التقليدي، عبر حقول الميتافيزيقا والأنطولوجيا والأكسيولوجيا؛ إن فلسفة الوصل تبدأ معادلة عمودية تحقق صلة الإنسان بالأفق الإلهي المطلق، لتشمل كافة الأبعاد الإنسانية مجسدة في أنساق علاقية هندسية متعددة.
وكأي نظرية أو فكرة أو معتقد آخر، يوجد عبر التاريخ مؤيدون لمبدأ الوصل مثلما يوجد معارضون له، بل إن من مؤيديه غلاة أوصلوه إلى حد إلغاء النواميس المادية ظنا منهم أنهم يحسنون صنعا، كما يوجد معارضون جاحدون له غلوا في النكير حتى كادوا ينفون وجود أي امتداد غيبي لعالم الشهادة، وأغرب من ذلك أن يوجد منكرون لبعض امتدادت مبدأ الوصل حتى من داخل النسق الذي أنتجها.
لكنه مهما ارتفع الجدل في التفاصيل المرتبطة بالموضوع، فلا يمكن مطلقا دحض نظرية الوصل بناء على أسس مادية بحثة، مادامت يسندها حشد من التصورات العقدية والفلسفية ترتفع عن مجرد الظنون إلى مستوى الحقيقة الإيمانية، والمسلمة العقلية التي لا يمكن دحضها بواسطة الاختبار أو الاستدلال العقلي.
وبذلك تعيد فلسفة الوصل تعريفنا لكثير من الظواهر الطبيعية والإنسانية كالحياة والموت، وما قبل الوجود وما بعده، ومصير الإنسان، وحقيقة الروح والخلود، هذه القضايا التي شكلت أسئلة مقلقة للإنسان، ولغزا عصيا على الاستيعاب العقلاني بالنسبة لأصحاب فلسفة الفصل.
إن الاتصال بين العوالم حقيقة قائمة تدخل ضمن المدركات الإيمانية واليقينيات الإنسانية والكونية الكبرى، لا يمكن أن ينازع فيها العلم أو العقل، باعتبار أنها من المسلمات فوق عقلية، التي يعجز العقل عن تفسيرها وفق أطره وقواعده الجدلية والحجاجية.
إذ كيف يجترئ عاقل على السعي إلى نفي حقيقة الاتصال بين الإنسان وخالقه، أم كيف يمكن نفي وجود الاتصال بين الخلق ضمن هذه العوالم اتصالا روحيا تستقر حقيقته في قلب الإنسان وجوهره الروحي، فيتم إدراكه إدراكا روحيا معنويا، لا يرتفع بالعجز عن إدراكه إدراكا حسيا ماديا أو عقليا.
فيتحصل من كل ذلك أن الوصل فلسفة أخلاقية إنسية تكسب الثراء المعنوي للإنسان، وتحقق له الخلود الروحي الأبدي، الذي يتم عبره كبح هواجس الخوف من الفناء والعدم، ففي عقيدة الوصل وفلسفة العوالم المتصلة لا مجال للحديث عن سديم العدم أو فناء الإنسان والأرواح، بل هي فقط حياة دائمة أبدية لا يمنع من إدراكها حسيا وعقليا سوى كثافة الحجب التي تقف حائلا أمام مدركات الإنسان، ومن ثم كانت وظيفة الإيمان الديني واليقين الفطري منصرفة إلى إزالة هذه الغشاوة عن بصيرة الإنسان وبصره، لينطلق نحو التفكر في آلائه والتذكر في آياته.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.