قصة يوسف عليه السلام: نموذج للأدب القصصي الهادف:

تعتبر قصة يوسف عليه السلام كما صورتها السورة أحسن تصوير، نموذجا للقصة الأدبية الحديثة بكل أركانها من سرد وحبكة وأحداث وشخصيات وزمان ومكان، وبالتالي استحقت أن تكون ” أحسن القصص” باستدعائها لشخصيات حقيقية تتفاعل وتتصارع من الجزء إلى الكل لتصل في النهاية إلى ذروة الكمال، مؤكدة على أهمية الابتلاء بالمعاناة والتجلد بالصبر من أجل التمكين، وفي ذلك رسائل مهمة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم والجماعة التي آمنت به.

تصور الصورة القصة شخصية يوسف عليه السلام كبطل للقصة بكل ملامحها وخلجاتها وتقلباتها وهي تتدرج في سلم الابتلاء، وتتنقل في رحلة المعاناة المتعددة الأشكال، ابتداء من معاناة كيد الإخوة وغيرتهم، ومعاناة الجب وظلماته، ومعاناة الرق والتنقل في أسواق النخاسة وهو الكريم ابن الكرام، ومعاناة فراق الأهل والأحباب، وابتلاء المراودة الجنسية وقد تهيأت له كل أسباب ارتكابها، ومعاناة السجن وغياباته، ثم ابتلاء التمكين والسلطان، والنجاح في إدارة أزمة اجتماعية كادت أن تودي بحياة الكثير جوعا، وأخيرا ابتلاء المشاعر النبيلة بلقاء الإخوة والأحباب، والعفو عنهم.

كما يترجم السياق السردي ابتلاء ومعاناة الشخصية الثانية في القصة، شخصية يعقوب الأب المحب، معاناة فراق المحبوب، يوسف، ثم أخيه بنيامين، وحزنه الأعظم الذي أدى به إلى فقدان البصر.

وحين تصل العقدة السردية إلى نهايتها، تبدأ القصة في دفع الشخصيات الخاطئة والمسببة في المعاناة إلى التوبة والتعقل والرشد (امرأة العزيز، إخوة يوسف ) محررة القارئ الكريم من صدمة العقدة، وألم الأحداث، لتصل به في النهاية إلى متعة السرد بوصال الشخصيتين الأكثر ابتلاء ومعاناة، وتكريمهما أعظم تكريم، وذلك بربط أول القصة بآخرها: رؤيا غامضة تفك رموزها باستحقاق النبوة والتمكين، مع التحرر من كل مغريات النفس والشهوات والالتجاء إلى الله عز وجل أن يتوفاه مسلما ويلحقه بالصالحين.

حقا إن القصة نموذج حي ودرس ذكي للأدباء قصد التتلمذ والنسج على المنوال.

اظهر المزيد

محمد فاضيلي

قاص وأديب مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: