منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في المدلول السياسي لمفهوم الخطيئة من منظور باروخ سبينوزا

0
اشترك في النشرة البريدية

تقديم:

      إذا كان توماس هوبز (1588-1679) قد عد نفسه المؤسس الفعلي للفلسفة السياسية،  منكرا، في اعتزاز كبير بالنفس، أن يكون قد وُجد قبل كتابه “في المواطن” (1642) عمل يستحق أن يقارن به([1])،لِما انطوى عليه من يقين اقترب به، في اعتقاده، من يقين الرياضة، ولا عجب في ذلك بالنسبة لشخص قضى شطرا من حياته الفكرية محاولا إثبات إمكان تربيع الدائرة، فإن بعض الباحثين يرون في باروخ سبينوزا (1632-1677) صاحب الثورة الحقيقية في الواقع السياسي، بما أبان عنه من جرأة في التمرد على الأوضاع الثقافية والسياسية في عصره وفي كل عصر.([2]بل ويعتبرونه المساهم الأكبر في تحرير الفلسفة السياسية من الطابع اللاهوتي الذي مارس عليها الوصاية لفترة طويلة، وكذا من الطابع الفلسفي النظري الخالص الذي شيد بموجبه الفلاسفة نظرياتهم انطلاقا من تصور ينظر إلى ما ينبغي أن يكون عليه الناس لا إلى ما هم عليه بالفعل، ما جعلهم يقمعون صوت الانفعالات، ويعدونها رذائل وجبت محاربتها، في حين عدها سبينوزا – في منظور يقربه من ميكيافيلي- من صميم طبيعة البشر، وأن العبرة في كيفية التعامل معها، كما فطن إلى ذلك السياسيون، لا في محاربتها، كما فعل الفلاسفة.([3]

  صحيح أن بين الرجلين نقاط تقاطع عديدة، تمثلت، مثلا، في اشتراكهما معا في الافتتان بمنهج هندسي صارم في معالجة الظواهر من أبسط صورها إلى أكثرها تعقيدا، وأيًّا كانت طبيعتها: فيزياء، سياسة، أخلاق، ميتافيزيقا وغيرها،(*) وفي اعتبار العقل مفتاح الوصول إلى المعرفة اليقينية، والمخلص للإنسان من ربقة تقاليد وتصورات العصور الوسطى، ومن قبضة كنيسة ما فتئ هذيانها يسري في العقول وضباب معتقداتها يكتنف التفكير، فضلا عن انطلاقهما معا -فيما يتعلق بالسياسة- من تصور يميز بين حالة طبيعية (مفترضة) يكتنفها الخوف من الموت وتتحكم فيها الأهواء وتكون فيها الغلبة للأقوى، وبين حالة مدنية (حالة الاجتماع) اعتبرت الترياق الذي يشفي من داء الفوضى المتحكمة في العلاقات البشرية، ويضع حدا لحالات الاضطراب، ويؤسس لإقامة الدولة ويضمن سيادتها، إلا أن سبينوزا، على ما يدين به لهوبز، يختلف عنه في ما تحلى به من جرأة في القول وإقدام على النقد، غابتا عن الفيلسوف الانجليزي، الذي أظهر في كتابه “التنين” ما يشي بالتزلف للحاكم والتودد له، عندما وضعه (أي الحاكم) في وضع ينزهه عن إتيان أي فعل يمكن عده ظالما أو جائرا،([4]) وجعله فوق المحاكمة والمساءلة، يسأل الناس عن أفعالهم ولا يُسأل عما يفعل، فجعله بذلك حاكما بأمره يحوز السلطة من كل جوانبها.

لقد دفع سبينوزا بالعقل إلى أقصى مداه،([5]حيث رفض التأسيس الإلهي للدولة كما كان رائجا على أيامه، واعتبر أن الحاكم، كما النبي، ليس في ما يصدره من أحكام أو يتلفظ به من أقوال أي صبغة إلهية متعالية، بل هي مجرد أمور طبيعية تصطبغ بميله الفردي، وتتأثر بمزاجه وآرائه الشخصية.

المزيد من المشاركات
1 من 58

على أن جرأة سبينوزا في الحديث على هذا النحو بدون أي تحفظ أو خشية، والإصرار على الدفع بالعقل والمنطق إلى أقصى حدودهما، لم يَنله من جَرّائهما، كما هو معلوم، سوى الكره والطرد من جماعته، واعتباره مهرطقا وشخصا خطيرا من لدن الكاثوليك والبروتستانت على السواء، وتنكر وإساءة له من قبل بعض الفلاسفة،([6])  فضلا عن تعرضه لمحاولة اغتيال كادت تودي بحياته قبل أن يداهمه داء السل.

بيد أن كل ذلك لم ينل من عزم سبينوزا ولم يُثنه عن القول، خلافا لهوبز، بأن الدولة إنشاء تعاقدي بين طرفين بشريين كلاهما معرض للخطأ، وللوقوع في براثن الخطيئة، كما سيأتي بيانه، فالفرد بإمكانه أن يخطئ، وهو بالفعل كذلك، والدولة تخطئ بدورها ولا ذريعة لتنزيهها وعصمتها، وعلى ذلك، أصبح من الممكن محاسبتها، وعزل صاحب السيادة متى لم تأت أفعاله “وفقا لأفضل المصالح بالنسبة لرعاياه.”([7] ومتى تبين أنه لا يهتدي في قراراته وإجراءاته وفق هدي العقل، والعقل تجسده الديمقراطية، في منظور سبينوزا، بما هي “الصورة الطبيعية والأكثر توافقا مع الحقوق الفردية من كل صور الحكومة، ومن المستبعد أن تكون هناك قرارات لا عقلية في الديمقراطية، لأنه من المستحيل في الغالب أن تتفق أغلبية الناس على تخطيط غير عقلي، ومن يطع هذه الدولة يكن حرا، لأنه يعيش وفق قوانين عقلية ومخططة من أجل الصالح العام.” ([8] 

من هذا المنطلق، ارتأينا مقاربة مفهوم الخطيئة في مدلوله السياسي وفي علاقته بكل من الفرد والدولة بحسب منظور سبينوزا، مهتدين في ذلك بالتساؤلات التالية:

  • متى يمكننا الحديث عن الخطيئة، هل في حالة الطبيعة، أم في حالة المدنية، أم فيهما معا؟
  • من يسقط في الخطيئة: الفرد، أم الدولة، أم هما معا؟
  • إذا سلمنا بأن الفرد والدولة كلاهما يخطئان، فما طبيعة الخطيئة التي يمكن أن يقع فيها كل منهما؟ وهل من سبل لتلافيها؟

1. حضور مفهوم الخطيئة في المتن السبينوزي(*):

     يعد باروخ سبينوزا صاحب الفضل في خلع الرداء التيولوجي عن مفهوم الخطيئة (Le péché) وإعطائه مدلولا واقعيا وسياسيا؛ فبعد ما ظل هذا المفهوم حبيس اللسان اللاهوتي، الكنسي بالخصوص، والذي كان يرى فيه خروجا عن تعاليم الرب، عن إرادة وسوء نية، وفق ما هو مبين في التعريف الذي تضمنه معجم لالاند:

” الخطيئة: خطأ أخلاقي، باعتباره فعلا واعيا صادرا عن إرادة سيئة، وبنحو خاص باعتباره خروجا إراديا على وصايا الله.”([9] 

  حاول الفيلسوف الهولندي موقعة مفهوم الخطيئة في سياقه الواقعي، دون أن يفرد له فصلا أو محورا خاصا به في كتبه، فقد جاء حديثه عنه عابرا وخاطفا؛ كما هو الشأن مثلا في كتاب “رسالة في اللاهوت والسياسة” (Traité théologico-politique) حيث لم يتعرض سبينوزا لهذا المفهوم بشكل صريح إلا في موضعين اثنين: في الأول، حين كان بصدد تبيان الفرق بين العيش وفق العقل والعيش وفق الشهوة، حيث أراد إطلاع القارئ على أن الخطيئة لا تظهر إلا مع ظهور القوانين، يقول: “وتلك عقيدة بولس نفسها، التي لا تعترف بوجود الخطيئة قبل الشريعة.([10]وفي الموضع الثاني أعاد التأكيد على الفكرة نفسها، حيث قال: “يجب ألا نخلط بين حالة الدين وحالة الطبيعة التي يجب أن نعدها حالة لا شأن لها بالدين والقانون وبالتالي لا شأن لها بالخطيئة وانتهاك القانون.”([11] 

ولا يفيد قولنا هذا أن حضور مفهوم الخطيئة في “الرسالة اللاهوتية السياسية” قد اقتصر على هذين الموضعين فقط، بل نحن نجده حاضرا في مواضع عديدة من المؤلف ولكن بطريقة مبطنة، كما هي عادة سبينوزا في جماع مؤلفاته، حيث يبوح بنصف الحقيقة ويترك النصف الآخر لذكاء القارئ وفطنته أو يجعلها في عنق التاريخ عسى أن يكشف عنها ذات يوم.([12] أما في كتاب “علم الأخلاق” (l’Ethique)،  فقد لزمنا انتظار مرور (266) صفحة من الكتاب لكي نرى الظهور الأول لهذا المفهوم، وقد عاد سبينوزا من جديد لتأكيد الفكرة المعبر عنها أعلاه، والتي تفيد غياب الخطيئة في طور الطبيعة وحضورها فقط في طور التمدن،([13]) وهذا الحضور يجعلها، حسب سبينوزا، مرادفة للعصيان الذي ليس سوى خرق القوانين الوضعية، وشق عصا الطاعة على الدولة.

هذا، ويمثل مؤلف “الرسالة السياسية” (Traité Politique)، الذي هو آخر مؤلفات سبينوزا والذي لم يسعفه الموت في إنهائه،([14] أكثر المؤلفات دقة وصرامة في معالجة مفهوم الخطيئة، وقد خصه بعدة مقالات واضحة المعالم، ورد بعضها ضمن الفصل الثاني من الكتاب، في حين تضمن الفصل الرابع بعضها الآخر. ومن بين المضامين التي حملتها نذكر على سبيل المثال:

  •  المقالة رقم 18 ( الفصل الثاني): وفيها ينفي سبينوزا الخطيئة عن حالة الطبيعة.
  • المقالة رقم 19 (الفصل الثاني): وفيها يرفع عن مفهوم الخطيئة رداءه اللاهوتي ويمنحه مدلولا سياسيا.
  • المقالة رقم 20 (الفصل الثاني): ينتقد فيها الاستعمال الدارج لمفهوم الخطيئة، ويؤسس لاستعمال مختلف.
  • المقالات رقم: 4، 5 و6 من الفصل الرابع، عالج فيها بشكل مسترسل موضوع “خطيئة الدولة”.

إن ما يسترعي الانتباه من خلال هذا الجرد لحضور مفهوم الخطيئة في كتابات سبينوزا، يتمثل في السؤال التالي:

لماذا أصر سبينوزا على استعمال كلمة “خطيئة” رغم معرفته بخلفيتها التيولوجية واستنكف عن استعمال مفهوم أكثر تعبيرا عن العلاقات البشرية (علاقة الحاكم بالمحكومين) كمفهوم الخطأ مثلا؟ هل لأن لكلمة “خطيئة” دلالة أعمق من أن يقوى لفظ الخطأ على استيفائها، أم لأنه كان يقصد اطلاعنا على أن علاقة الحاكم بالمحكومين هي امتداد لعلاقة الله بالعباد؟

لنقف أولا عند الفروق الممكنة بين كلمتي “خطأ” و”خطيئة”:

أما “الخطأ” فنعثر له في معجم لالاند على ثلاثة تعاريف: أولا، الخطأ في معناه الإيجابي هو “فعل فكري يحكم على ما هو كاذب بأنه صادق، أو العكس، (ارتكب خطأ)”.([15] ثانيا، الخطأ في معناه السلبي هو “حالة فكرية تعد الباطل حقا، أو العكس. (إنه لعلى ضلال)”.([16] وثالثا الخطأ في معناه المحايد هو “إقرار كاذب، فاسد، زائف”.([17] 

وأما “الخطيئة” فيعرفها معجم لالاند ذاته كما يلي: هي “خطأ أخلاقي، باعتباره فعلا واعيا صادرا عن إرادة سيئة، وبنحو خاص باعتباره خروجا إراديا على وصايا الله”. ([18] 

تسعفنا المقارنة بين التعريفين في الوقوف على نقطتين، على الأقل، يختلف فيهما الخطأ عن الخطيئة؛ النقطة الأولى تتجلى في الارتباط الصريح لـ”الخطيئة” بالجانب التيولوجي (خروج إرادي على وصايا الله) وهو ما لا نعثر عليه صراحة في التعاريف المقدمة لـ”الخطأ”، النقطة الثانية لها صلة بالإرادة؛ إذ في حين تم ربط الخطيئة بالوعي المصحوب بالإرادة السيئة (فعل واعي صادر عن إرادة سيئة)، خلا تعريف الخطأ من أي ربط بين الخطأ والإرادة، سيئة كانت أو حسنة. وقد أشار لالاند في معجمه إلى هذه الفروق بين الكلمتين؛ حيث ورد في زاوية النقد أن “هذا اللفظ (الخطيئة) [ينزع] نحو الانحصار في اللسان اللاهوتي والزوال من الاصطلاح الفلسفي”. واستكمل تعريف كلمة “خطيئة” في الحاشية بملاحظات لـ(بارودي) جاء فيها “تكمن في هذه الكلمة فكرة انحراف مادي، فكرة سوء نية، مستقلة عن خطورة الفعل وعواقبه؛ إن إرادة الفاعل بالذات، أخلاقيته الحميمية، هي التي تؤخذ في الحسبان، وهذا الأمر ليس واضحا تماما في فكرة الخطأ (إذ يمكن للخطأ أن يكون غير إرادي (…) بهذا المعنى تبدو لي الكلمة ملبية لممايزة نفسية أو أخلاقية لاتزال، ربما، خارج كل اعتقاد ديني واضح”.([19]

بناء على ما سبق يبدو أن توظيف سبينوزا لكلمة “خطيئة” بدل كلمة “خطأ” له مبرراته، كما له تبعاته، أما المبررات فقد أتينا على ذكرها أعلاه، وأما التبعات فلها صلة بما أراد صاحب “علم الأخلاق” إثباته، وبالأهداف التي خطها لمؤلفاته السياسية بالخصوص، والتي من جملتها الابتعاد عن التوظيف التيولوجي للخطيئة باعتبارها تجسيدا لخروج العباد عن وصايا الله، وإلباسها لبوسا سياسيا ينتقل بها من مقام العلاقة (عبد/ إله) إلى مقام العلاقة (رعايا/حاكم) بما يمكنه من إثبات أطروحته المتمثلة في أن الفرد والدولة حين يُقْدم كل منهما على أفعال تخرق القانون بما هو تجسيد للعقل، عن وعي وبإرادة سيئة، فإنهما يسقطان في الخطيئة، وهذا ما سنحاول تبيانه باقتضاب فيما سيأتي. 

2. الفرد بين الحق الطبيعي والحق المدني:

        يشكل الحق الطبيعي لبنة أساسية في صرح الفلسفة السياسية لاسبينوزا، فهو لا يفتأ يذكره في مؤلفاته سواء منها “رسالة في اللاهوت والسياسة”، أو “علم الأخلاق”، أو “الرسالة السياسية”. وهذا الحضور للحق الطبيعي إلى جانب مفاهيم أخرى مجاورة كحالة الطبيعة وحالة الاجتماع والحق المدني …الخ، ليس بالمستحدث أو الجديد، بل نلفيه حاضرا في كتابات مختلف الفلاسفة الذين أرسوا دعائم الفلسفة السياسية في تلك الحقبة أمثال هوبس (Hobbes) ولوك (Locke) وروسو (Rousseau) حتى لا نذكر غيرهم. ويعرف سبينوزا الحق الطبيعي قائلا: “أعني بالحق الطبيعي وبالتنظيم الطبيعي مجرد القواعد التي تتميز بها طبيعة كل فرد، وهي القواعد التي ندرك بها أن كل موجود يتحدد وجوده وسلوكه حتميا على نحو معين. فمثلا يتحتم على الأسماك، بحكم طبيعتها، أن تعوم وأن يأكل الكبير منها الصغير (…) أي أن حق الطبيعة يمتد بقدر امتداد قدرتها.”([20]وهذا يعني أن الحق الطبيعي هو الحق الذي يتمتع به كل فرد في المحافظة على وجوده طبقا لقوانين الطبيعة العامة ولطبيعة من يقوم بالفعل، لذلك لاحظ سبينوزا أن الحق الطبيعي للكائن يمتد منطقيا وفعليا بامتداد قدرته ورغبته: فحيث تتوقف قدرات الكائن تتوقف حقوقه.

وبموجب هذا المبدأ، يكون لكل كائن أو موجود طبيعي حقا مطلقا في البقاء على وضعه، وحقا مطلقا على كل ما يقع تحت قدرته، ويصير صاحب الحكم في ما هو حسن وما هو قبيح، ويحرص على مصالحه بحسب ما يمليه عليه مزاجه، وينتقم لنفسه، ويجاهد للحفاظ على ما يحب، وتدمير ما يكره.([21] إنه ببساطة يسلك وفق ما تمليه عليه طبيعته، وطبيعته ليست شيئا آخر غير حريته،([22] التي تمكنه من التصرف وفق ما يراه ملائما له، ويحوز من الحقوق وفق ما تسمح به قدراته.

 ولأن الأفراد جميعهم يتمتعون بهذه الميزة في استعمال حريتهم، فإنهم يوجدون في وضع واحد “فمن لم يعرف العقل بعد، أو من لم يحصل بعد على حياة فاضلة، يعيش طبقا لحق مطلق، خاضع لقوانين الشهوة وحدها شأنه شأن من يعيش طبقا لقوانين العقل. وكما أن للحكيم حقا مطلقا في أن يعمل كل ما يأمر به العقل، أي أن يحيا طبقا لقوانين العقل، فإن للجاهل، ولمن هو خلو من أية صفة خلقية، حقا مطلقا في أن يفعل كل ما تدفعه الشهوة نحوه، أي أن يعيش طبقا لقوانين الشهوة.”([23]لذلك  يجد هؤلاء أنفسهم يسلكون في الغالب وفق سبل متعارضة، ويحتدم التناقض والصراع بينهم، وتزداد حدة الغضب والكراهية، وتبدأ بوادر القلق والخوف تسري بين صفوفهم، فيدركون أن الشقاء مصيرهم حتما إن هم ظلوا عبيدا لضرورات الحياة ولم يبادروا إلى التعاون فيما بينهم وتقديم المساعدات المتبادلة، إذ “أن منافع الحياة الاجتماعية أكثر من مضارها إلى حد بعيد. [والناس] يجدون أن في وسعهم أن يفوا حاجياتهم بسهولة أكثر متى تعاونوا وتبادلوا المساعدة، وأن الوسيلة الوحيدة لنجاتهم من الأخطار المحدقة بهم من كل جانب هي توحيد قواهم.” ([24]

  من هذا المنطلق اعتبر سبينوزا أن حفاظ الأفراد على حقوقهم الطبيعية، وتوحدهم في نظام واحد (الدولة) لم يكن أبدا نتيجة مباشرة لإعمال سابق للعقل، بل تولد عن تجربة مؤداها أن “شخصان إذا ما وحدا قوتيهما معا، سوف يحصلان على سلطة أكبر، وبالنتيجة، على حق أكبر على الطبيعة مما كانا يملكانه بشكل منفرد، كل على حدة. وهكذا كلما ازداد عدد الأفراد الذين تتضافر قواهم كلما حصلوا على حقوق أكبر.”([25] وهذه التجربة تتطلب من أجل الحفاظ عليها، الخضوع لمنطق العقل، الكفيل بالتخفيف من غلواء شهواتهم، ما دام كبحها نهائيا مستحيلا، والتقليل من تقلباتهم واختلافاتهم. وحين يتم ذلك وتنشأ الدولة يصبح الحق الذي كان لكل واحد منهم، بحكم الطبيعة، على الأشياء جميعا، منتميا إلى الجماعة، ولن يعود رهن قوتهم وشهواتهم بل رهن قوة الجماعة وإرادتها.([26] 

أما كيف قُيض لهذه الإرادة الخاصة أن تتحول إلى إرادة جماعية فذلك ما يوضحه سبينوزا بشكل جلي في مؤلف “رسالة في اللاهوت والسياسة”، حيث يرى أن الأمر ارتبط في الأصل بوعد (promesse) أخذه الأفراد على عاتقهم، يقضي بأن يجعلوا المصلحة العامة فوق مصالحهم الخاصة ومقدمة عليها، فينشأ عن هذا الوعد تحالف ينتهي بتعيين شخص ممثلا للجميع في إطار عقد يربط بين طرفين: المفوِّض وهم الجمهور الذي فوض حقه السياسي بمحض اختياره، والطرف المفوض له أي الحاكم الذي سيمنح حق تمثيل السلطة العليا. ومنذ هذه اللحظة سيصبح الوعد الذي قطعه الأفراد على أنفسهم متجسدا في الجانب الخلقي للعمل الجماعي والذي يتم إعلانه في القَسم (le serment)، أما العقد فسيجسده القانون.([27] ومنذ هذه اللحظة أيضا سيلتزم الأفراد بأن ينضبطوا لقوانين التنظيم الجماعي التي وحدها ستصبح المخولة بضمان حقوق الأفراد والاقتصاص لبعضهم من بعض وتحديد ما هو حسن وما هو قبيح، وبعبارة واحدة امتلاك سلطة إقرار قواعد العيش المشترك التي إما أن ينصاع لها الأفراد بمحض إرادتهم، مدركين أنهم ما تركوا وضعهم الأصلي إلا أملا في خير أعظم أو خوفا من ضرر أكبر، مادام قانون الطبيعة الشامل يقضي بأن الفرد يختار على الدوام ما يبدو له أعظم الخيرين وأهون الشرّين، وإما أن يذعنوا لها مكرهين خوفا من العقاب الذي ينتظر من ينصت لصوت شهواته ويصم أدنيه عن صوت الجماعة.

وههنا يكون الفرد قد استبدل الحق الطبيعي الذي يتحدد، كما أسلفنا، حسب الرغبة والقدرة، لا حسب العقل السليم، بحق مدني يفيد “حرية الفرد في المحافظة على حالته، كما حددتها وضمنتها له مراسيم السلطة العليا.” ([28])  والاستعداد للتنازل عن مركزيته وأنانيته المطلقة لفائدة العيش المشترك القائم على التساكن والاحتكام للعقل واحترام شروط السلطة الموضوعية.

3. انتفاء الخطيئة في حالة الطبيعة:

     إنه لما كان الفرد يعيش في حال الطبيعة، كما أسلفنا القول عاليه، من أجل نفسه، ويسلك وفقا لقوانينها الخاصة التي ليست غير ما يحقق له مصلحته ويجلب له النفع، كان من البدهي القول بانتفاء الخطيئة في هذه الحالة. وأنى تكون هناك خطيئة، وليس هناك إجماع في حالة الطبيعة على ما هو حسن وما هو قبيح، حيث يعنى كل واحد بما يفيده لا غير، ويقرر، وفق طبعه الخاص، ما هو حسن وما هو قبيح، معياره في ذلك مصلحته الشخصية، فضلا عن كونه غير ملزم بأي قانون لإطاعة شخص آخر غير شخصه”. ([29]

ولقد عاد سبينوزا للتذكير بهذه الفكرة من جديد وتفصيل القول فيها إلى المقالة الثامنة عشر من الفصل الثاني من مؤلف “الرسالة السياسية”، فتوصل إلى أن الخطيئة تقتضي وجود قواعد معيارية متفق عليها ومجمع حولها، بمقتضاها يمكن أن نحكم على الأفعال ونميز حسنها من قبيحها، وجيدها من رديئها، وهذا الأمر لا نلفي له وجودا في حالة الطبيعة بما أن كل واحد هو معيار ذاته، لا يرى سوى نفعه، ووحده يقرر بخصوص ما هو خير وما هو شر تبعا لما يمليه عليه مزاجه الشخصي وتفرضه طبيعته الخاصة، إذ مادام ليس هناك اتفاق جماعي على سيادة شخص ما على شيء ما، ومادام  ليس هناك تصور موحد حول ما هو “عادل” وما هو “ظالم”، فإنه ليس في استطاعة أحد أن يكره أحدا، في حالة الطبيعة، على الخضوع لقانون إلا قانونه الخاص، وحتى إذا أخطأ شخص ما فإنما يخطئ في حق نفسه وليس في حق الآخرين، إذ لا أحد مجبر على إرضاء شخص آخر عبر الحق الطبيعي إلا إذا أراد هو ذلك.([30]أضف إلى ذلك أن حق الطبيعة لا يحرم شيئا أو يمنعه، إلا ما كان خارج مقدرة الإنسان.

ولما كان الأمر كذلك، فإن كل فرد يصبح حكما على نفسه، ولهذا يصر سبينوزا على القول إنه حيث يغيب القانون يرتفع الخطأ أيضا، ومعه ترتفع مفاهيم أخرى من قبيل الشرعية واللاشرعية والعدالة واللاعدالة. وكل هذا يفيد شيئا واحدا وهو أن شروط تبلور مفهوم الخطيئة لم تتوفر بعد في حالة الطبيعة، وعليه، خلص سبينوزا إلى أن “العدل والظلم، والخطيئة والاستحقاق، هي من المعاني الخارجية وليست من المعاني المعبرة عن طبيعة النفس.”([31]  

4. ولادة الخطيئة مع ولادة الدولة:

    لما كان مفهوم الخطيئة يتضمن في تعريفه خرقا لحد ما، أو تجاوزا لقاعدة معينة، وكان هذا الخرق غير ممكن في طور الطبيعة، حيث لا حدود إلا ما ترسمه قدرة الفرد، فإنه كان من اللازم انتظار تشكل الدولة، ويحصل نوع من الاتفاق المشترك  حول ما هو خير وما هو شر، وتُسن القوانين، وتوضع القواعد المنظمة لأوضاع الأفراد/المواطنين، لكي يكون بمقدورنا أن نتحدث عن الخطيئة، التي سوف تأخذ منذئذ معنى القيام بما هو مرفوض قانونا أو يقع خارج إجماع الجماعة.([32] وبذلك يكون سبينوزا قد تمكن من إفراغ مفهوم الخطيئة من حمولته التيولوجية التي تضمنها كتاب “رسالة في اللاهوت والسياسية” ومنحه مدلولا سياسيا جعله يقترن بالقوانين رأسا، والتي وحدها من شأنها تحديد ما يخالف مضمونها وما يسايره ويعكسه. وليقترب بذلك كثيرا من منظور هوبز الذي يجعل من الدولة صاحبة القول الفصل فيما يمكن عده خطيئة أو لا.([33] 

ولقد سلك سبينوزا في تعريفه للخطيئة مسلكين اثنين يفضيان معا إلى نتيجة واحدة؛  في الأول عمد إلى تعريف “الخطيئة” بما ليست إياه، فاعتبرها “كل فعل لا يمكننا، بحسب القانون، تنفيذه أو القيام به”، ولما كانت القوانين بمعناها الوضعي غائبة في حالة الطبيعية فإن الخطيئة ترتفع بدورها في هذه الحالة وتصبح عدما. وفي المسلك الثاني قام بتعريف الخطيئة بما هي فعلا،  وهنا سنلحظ تشكل الدلالة السياسية لمفهوم الخطيئة، حيث اعتبرها “فعل أشياء ما كان ينبغي، تبعا للقوانين المشتركة، القيام بها”، وهذا التعريف يضع على المحك علاقة الفرد بالإرادة الجماعية (بالدولة)، فإقدام فرد ما على ارتكاب خطيئة وعدم اكتراثه بقوانين الدولة التي هي في نفس الوقت تجسيد للمصلحة العامة، فيه إثبات من قبله لقوته المستقلة، واعتداد بالذات ينم عن رجوع إلى حالة الطبيعة، ما يستلزم تدخل الدولة لتذكيره، عبر معاقبته،  بأنقوة الجماعة أقوى من قوته وبأن عليه الامتثال لبنود الاتفاق المتضمن في العقد الاجتماعي الصريح أو الضمني. ([34] 

 صحيح، يؤكد سبينوزا، أن الحق الطبيعي الفردي لا يختفي في حالة المدنية، إلا أنه يصبح خاضعا لرقابة الجماعة، التي بيدها تحديد كيفية الاستفادة منه على نحو لا يضر بالآخرين ولا يضر، وهذا بيت القصيد، بمصالح الدولة. أما استعمال الأفراد لحقوقهم الطبيعية بطريقة فردية مستقلة في حالة الدولة، فإنه يعد عصيانا، والعصيان خطيئة تستوجب العقاب، وعكسها الطاعة التي تعد داخل منظومة الدولة دليل استحقاق يخول للمواطن التمتع بجميع مزايا العيش المشترك، إذ بما أن الأفراد قد تنازلوا عن سلطتهم لسلطة صاحب السيادة، فإن إرادة هذا الأخير تصبح في الحقيقة تجسيدا لإرادة الفرد العاقل، الذي بعصيانه لسلطة الحاكم يكون قد خرج عن العقل وناقض ذاته ومصالحه، فيكون في معاقبة الدولة له صيانة لمصالح الفرد العاقل المجسد للمصلحة العامة لمختلف الأفراد، وفي تثمين طاعته تذكيرا بحظوة العقل وإعلاء لمبادئه التي فيها مصالح كل الأفراد.

على أن الدولة حين تتدخل لمعاقبة شخص أخل بالقوانين المتفق عليها، من أجل المحافظة على السلم داخل الدولة، فإن تدخلها، يقول سبينوزا، لا يدخل في باب سخطها عليه، لأنها لا تسعى إلى القضاء على هذا المواطن بدافع الكراهية بقدر ما تجازيه باسم الأخلاقية. ([35] 

وحتى يتأتى للأفراد تلافي العصيان، والعيش في أمن وأمان، فإنهم ملزمون بإخضاع كل تصرفاتهم وكل أفعالهم لتوجيهات العقل وحده، والذي لا يستطيع أحد معارضته صراحة حتى لا يبدو فاقدا للحس السليم، وملزمون كذلك بمجاراة الحاكم في قراراته حتى لو بدت متناقضة، ما داموا قد التزموا بالخضوع لمشيئته، أيا كانت هذه المشيئة، من جهة، ثم لأن الإنسان الذي يقوده العقل، يرغب لكي يعيش حرا في رؤية القوانين المشتركة تسري داخل الدولة التي يعيش في كنفها، من جهة أخرى.

ومخافة أن يَدَّع مدع أن سبينوزا بهذا المبدأ يحيل الرعايا إلى عبيد، بناء على تصور راسخ لدى الناس مفاده أن العبد هو من ينفذ راضخا أمر إنسان آخر، وأن الحر هو من يفعل ما يشاء، بادر صاحب “علم الأخلاق” إلى إعادة صياغة تعريف كل من العبد والحر بالشكل الذي ينسجم مع تصوره، فاعتبر أن الفرد الذي تتحكم فيه شهوته إلى حد لا يستطيع معه أن يرى أو يفعل ما تتطلبه مصلحته الحقيقية، يكون في أحط درجات العبودية، أما الحر فهو الذي يختار بمحض إرادته أن يعيش بهداية العقل وحده.

 وزيادة في إيضاح مقصوده عمد سبينوزا إلى توضيح الفروق التي تنطوي عليها معاني كل من العبد والابن والمواطن، معتبرا أن “العبد هو من يضطر إلى الخضوع للأوامر التي تحقق مصلحة سيده، والابن هو من ينفذ، بناء على أوامر والديه، أفعالا تحقق مصلحته الخاصة، وأما المواطن فهو من ينفذ، بناء على أوامر الحاكم، أفعالا تحقق المصلحة العامة وبالتالي مصلحته الشخصية.”([36] 

على هذا يعود غير ذي معنى، حسب سبينوزا، اعتبار دخول الناس في العقد الاجتماعي، وطاعتهم السلطة الممثلة لهم وقوعا في العبودية؛ فالعبد هو إما عبد للشهوة أو عبد للغير، في حين أن التنظيم الاجتماعي يحرر الأفراد من الشهوة، لأنهم يعيشون طبقا للعقل، ويحررهم من الغير لأنهم يعيشون في نظام يعامل الجميع على قدم المساواة، أو هذا ما ينبغي أن يكون، ولا يكون الاختلاف في معاملتهم إلا بمدى حرصهم على الالتزام بقوانين الدولة وتجنب الوقوع في الخطيئة التي ليست سوى مخالفة قوانين العقل.([37] 

5. هل تخطئ الدولة؟

      مما لا اختلاف فيه، أن الأفراد قد يخطئون داخل الدولة، ماداموا واقعين تحت سلطتين تكادان تتناقضان؛ سلطة الأهواء والشهوات الصادرة من داخلهم من جهة، وسلطة القوانين الزجرية الخارجية التي تملي عليهم كيف يسلكون ويتصرفون، من جهة ثانية، أو لنقل بصيغة أخرى إنهم واقعون تحت حكم قانونين متمايزين، قانون طبيعي يتصف بالخلود، وقانون إنساني ارتبط لديهم بقرار (العقد الاجتماعي). فإذا هم انصاعوا لأوامرالقانون الطبيعي وجاءت مخالفة لمضامين القانون الوضعي، سقطوا، لا محالة، في الخطيئة، فاستحقوا العقاب. بيد أنه إذا كانت خطيئة الأفراد مسألة يمكن تفهمها والتسليم بإمكانية وقوعها بناء على ما سقناه أعلاه، فإن مما لا يستساغ بسهولة، هو أن تخطئ الدولة، وأنى لها أن تخطئ وهي من يضع القوانين، ولا قانون يعلو فوقها؟

يعالج سبينوزا إمكانية سقوط الدولة في الخطيئة بشكل أكثر عمقا في الفصل الرابع من “الرسالة السياسية” وبالضبط انطلاقا من المقالة الرابعة، منطلقا في ذلك من التعريف الدارج للخطيئة والذي يرى فيها كل فعل يتم ضدا على تعليمات العقل السليم، معتبرا أنه إذا كان الأمر كذلك، فإن هذا يفترض أن الدولة ذاتها ينبغي أن تنتظم وفق قواعد العقل، إذ ذاك فقط يمكننا القول أن السلوك ضد العقل والسلوك ضد الدولة هما شيء واحد. لكن ألا يمكن لعقل الدولة أن يخالف العقل السليم، فتقع الدولة في الخطيئة بدورها؟ ثم إذا سلمنا بأن الدولة يمكنها أن تخطئ، فوفق أي قانون؟

أدرك سبينوزا في بداية خوضه في هذا الإشكال أن الدولة لا يمكن الحكم عليها بالخطيئة بناء على منظور الأفراد، بما أن هؤلاء لا يمثلون سلطة أعلى من سلطتها، ما دفعه إلى البحث عن سلطة تفوق سلطة الدولة، يكون بإمكاننا الركون إليها في حال أردنا تقييم أفعالها وسلوكاتها. وبعدما استنفد مجهودا كبيرا في البحث، وجد نفسه في النهاية يتبنى وجهة نظر هوبز حول الخطيئة والتي تمنح هذا المفهوم معنيين:

  • “معنى شاسع، حيث الخطيئة تعني كل فعل، كل قول وكل حركة للإرادة منافية للعقل الصحيح.”([38] وتفسير هذا المعنى حسب هوبز، أن كل فرد يبحث، انطلاقا من استدلالاته الخاصة، عن الوسائل التي تمكنه من تحقيق أهدافه، وفي حال أتى الفعل الذي أقدم عليه هذا الشخص مناقضا للغاية التي وجد لأجلها هذا الشيء، نقول إنه أخطأ في استدلاله، وعليه، فإننا نحكم عليه، انطلاقا من هذا الفعل الذي أقدم عليه وبناء على إرادته، بأنه قد سقط في خطيئة، كأن يقوم، في فعل صادم للقوانين، بهدم منزل غيره، مثلا. ([39] 
  • معنى ضيق، وفيه تم حصر معنى الخطيئة في العلاقة بالقوانين، حيث لا تعد كل الأفعال مناقضة للحس السليم (للعقل)، بل فقط تلك التي يمكن وضعها موضع عتاب ولوم.([40] وهوبز يضع مسألة الفصل بين الأفعال التي تقبل اللوم عقليا من تلك التي لا يمكن لومها بيد الدولة؛ فما أتى من أفعال مخالفا لما سطرته الدولة من قوانين عُد فعلا يستحق اللوم والعتاب، واعتبر خطيئة تستوجب معاقبة صاحبها، وما أتى منها منسجما مع القوانين رفع عنه اللوم ورفع عن أصاحبها العقاب.

 وإذا كان هذا المعنى الضيق يجعل أمر السقوط في الخطيئة مقتصرا على الأفراد وحدهم عند مخالفتهم للقوانين الوضعية، كما أسلفنا، فإن المعنى الواسع يجعل بالإمكان سقوط الدولة في الخطيئة بدورها، إذ ما دام من الممكن أن تأتي القوانين التي تضعها الدولة مخالفة للعقل، فإنه من الممكن أيضا أن  تسقط  الدولة في الخطيئة.([41] ومخالفة العقل هنا ليست سوى تصرف الدولة ضد ما يوافق المصلحة العامة للمواطنين، سواء ما ارتبط منها بالحرص على تطبيق القوانين المتواضع عليها، أو ما ارتبط بالمحافظة على هيبة الدولة وسمعتها؛ فالحاكم، يقول سبينوزا، مطالب بالالتزام بالقوانين المنظمة للدولة، ومطالب كذلك بضبط سلوكاته وتصرفاته بطريقة تبقي على أسباب الرهبة والاحترام للدولة، وتضمن لها كرامتها: فأن يُشاهَد الحاكم يجري، ثملا وعاريا، متأبطا أدرع فتيات ماجنات في الأماكن العامة، أو يتقمص حركات البهلوان، أو يسخر بشكل علني من القوانين التي هو من وضعها، أو يعمد إلى نهب ممتلكات المواطنين وقتلهم..الخ، كل هذه السلوكات تخلع عن الدولة هيبتها، وبدل أن يخافها المواطنون أو يهابونها، تدفعهم إلى احتقارها والزراية بها.([42]

 لهذا كان من المؤكد، بناء على ما أثبتته تجارب دول عديدة، أن الأفراد لا يلجؤون إلى ضبط سلوكاتهم وتنظيم تصرفاتهم وفق عقل الدولة، إلا إذا قدمت لهم الدولة من جهتها مؤشرات على أنها مستعدة لضبط قوانينها وتشريعاتها وفق ما يقتضيه العقل. فهذه العلاقة بين الحاكم والمحكومين، وطبيعة الصلاحيات التي ينبغي أن تخول للحاكم، شغلت تفكير سبينوزا كثيرا قبل أن يتصدى لمعالجتها في كتابه “رسالة في اللاهوت والسياسة”، ثم بشكل أكثر عمقا وصرامة في “الرسالة السياسية”، فيقوده بحثه إلى أن الدولة “تخطئ عندما تُقْدم على فعل أو تحجم عن آخر، وينجم عن ذلك انحلالها؛ في هذه الحالة يمكن أن نقول أن الدولة تخطئ بالشكل الذي يقول به الفلاسفة وأيضا الأطباء عن الطبيعة أنها تخطئ”. ([43] 

إن ما توصل إليه سبينوزا من إقرار بإمكانية سقوط الدولة في الخطيئة، يخالف ما ذهب إليه هوبز، حين نسب الخطيئة للأفراد وسحبها عن الحاكم، من منطلق أن “الحاكم بالتعريف لا يمكن الحكم عليه بأنه عادل أو غير عادل (il est injusticiable)، فهو غير ملزم بالقوانين، لأنه هو من يضعها”،([44]  فالحاكم من منظور صاحب “التنين” يسأل رعاياه عن أفعالهم، في حين لا يُسأل هو عما يفعل إلا أمام الإله. هذا الموقف دفع سبينوزا إلى التساؤل: وماذا لو كانت قوانين الدولة جائرة؟ ثم ماذا بالوسع فعله، إذا ضل الحاكم وحاد عن بنود الاتفاق الذي برمه مع المواطنين؟

يعود سبينوزا إلى فكرة سبق أن أدرجناها أعلاه، فحواها أن الدولة ليست كيانا لا متناهيا أو مطلقا، بل هي خاضعة لحدود فيزيائية وأخلاقية، ويحكمها قانون، وعليه أمسى من الممكن سقوطها في الخطيئة. لكن عن أي قانون نتحدث، وأي معنى للخطيئة يترتب عنه؟

يشير الفيلسوف الهولندي ههنا إلى ملاحظة في غاية الأهمية، مضمونها أنه إذا كان المقصود بالقانون في هذه الحالة هو القانون المدني، أو ما يمكن المطالبة به باسمه، وبالخطيئة كل ما يمنعه هذا القانون المدني ذاته، أو بمعنى آخر، إذا كنا نأخذ القانون والخطيئة هنا في معناهما العادي المتداول، فسوف نعدم أية مبررات للقول بأن الدولة تخضع للقانون، ومعها سيرتفع كل قول بأنها يمكن أن تقع في الخطيئة. في الواقع، يقول سبينوزا، إذا كانت الدولة ملزمة بصيانة بعض القواعد حفاظا على مصلحتها، والإبقاء على بعض أسباب الرهبة والاحترام، فإن ذلك لا يتم بمقتضى القانون المدني، بل بمقتضى القانون الطبيعي، بما أن شيئا من ذلك لا يمكن المطالبة به باسم القانون المدني بل باسم قانون الحرب. ويشرح سبينوزا هذه الفكرة قائلا، إن الدولة لا تلتزم بهذه القواعد إلا وفق ما  يلتزم الإنسان، في حالة الطبيعة،  بالحذر من أن يقتل نفسه بنفسه، حين يجعل من نفسه عدوة له، بدل أن يكون سيدا عليها. فالأمر لا يتعلق هنا بالطاعة، بل بحرية الطبيعة الإنسانية.([45] 

إن العقود أو القوانين التي بموجبها فوضت الجموع حقوقها لمجلس أو لشخص، ينبغي أن تنتهك إذا ما كان في انتهاكها جلب للمصلحة العامة، لأن “صحة أي عقد رهن بمنفعته، فإذا ما بطلت المنفعة، انحل العقد في الحال، ولم يعد ساريا. ومن تم يكون من الغباء أن يطلب إنسان من آخر أن يلتزم بعقد إلى الأبد، دون أن يحاول في الوقت نفسه أن يبين له أن فسخ العقد يضر من يفسخه أكثر مما ينفعه”.([46]  هذا  الانتهاك الذي يسميه سبينوزا بـ “العصيان العقلاني” يستمد مشروعيته من اعتبار مهم يرجعه إلى طبيعة القوانين ذاتها المعمول بها داخل دولة ما؛ فهذه القوانين إنما هي قواعد صيغت من أجل تنظيم شؤون الأفراد ومراعاة الصالح العام، فهي ليست قواعد غير مشروطة، بل هي محكومة بعقد. كما أنه من زاوية نظر عقلية، لا تعد القوانين جيدة لمجرد كونها قوانين، بل هي جيدة لأن الأفراد يحكمون عليها بأنها كذلك. وهذا يعطينا انطباعا أن سبينوزا يجعل العقل هو مناط الحكم في العلاقة بين الحاكم والمواطنين. وهذا الرهان على العقل هو الذي دفعه إلى رفض تدخل الأفراد بطريقة شخصية في إصلاح الخلل الذي يمكن أن يعتري القوانين، مهما كانت وجاهة تدخلهم هذا، لأن ذلك قد يسفر عن فوضى تدخل الدولة في نفق مظلم.

 من هذا المنطلق يكون احترام قانون جائر أفضل بكثير من الإقدام على انتهاكه والتحول إلى عدو. بالمقابل على الدولة، في شخص الحاكم، أن تكون على دراية بأن هناك حدا لِما يمكن أن تقبله الطبيعة الإنسانية، فالغضب العام العارم يمكن أن يؤجج نوازع المواطنين فتخلع عن الحاكم شرعيته وتسقط عنه حقه في الحكم. ولما كان الأمر كذلك كان من الواجب عليها أن تعرف كيف تؤثر في المصلحة العامة، وذلك “بتحويل الانفعال العام إلى فضيلة وطاعة، ويتم ذلك عن طريق قوانين جيدة.[لأن] القوانين الجيدة تكون في مصلحة كل مواطن، ولذلك فإنها تكون معقولة، ولأنها كذلك، فإن المواطنين لا يخشونها ولا يخافون منها. ولذلك فإن الدولة الأفضل تحصل على الطاعة، ليس عن طريق الخوف، وإنما عن طريق العقل.”([47]الدولة، يقول سبينوزا، “التي لا يحمل الرعايا فيها السلاح فقط لأنهم واقعون تحت سلطة الرعب، لا ينبغي أن نقول أنها تتمتع بالسلم، بل حري بنا أن نقول أنها تعيش في وضعية حرب مؤجلة، لأن السلم ليس مجرد غياب للحرب، بل هو فضيلة تجد أساسها في قوة الروح (…)  كما أن المجتمع الذي ليس للسلم فيه من أساس سوى عطالة الرعايا الذين يتركون أنفسهم يقادون كقطيع، والذين لم يألفوا غير العبودية، ليس في الحقيقة مجتمعا بل عزلة.” ([48] 

6. كيف  يمكن تلافي السقوط في  الخطيئة؟

يجعل سبينوزا رهانه في تلافي الخطيئة، سواء تلك التي يمكن أن تأتي من الأفراد أو التي يمكن أن تقع فيها الدولة، على العقل، إذ “كلما اهتدينا بالعقل، اخترنا من بين خيرين اثنين أعظمهما، ومن بين شرين اثنين أهونهما”، ([49] ثم إن العقل ينهانا عن السلوك بسوء نية حتى وإن اقتضى حفظ الذات ذلك، وبرهانه على ذلك ورد ضمن مؤلف الأخلاق على الشاكلة التالية:

“إذا كان العقل يأمر بذلك فهو يأمر به الجميع، (*)وبهذه الصورة فإن العقل سيأمر الجميع بوجه عام ألا يبرموا اتفاقا فيما بينهم من أجل توحيد قواهم وتأسيس حقوق عامة، إلا إذا كان هذا الاتفاق يقوم على الغدر، أي أنه سيأمرهم في الحقيقة بالتفريط في الحقوق العامة، إلا أن ذلك محال.”([50] 

جل كتابات سبينوزا تبرز حجم الثقة التي يضعها فيلسوف هولندا في العقل، بل لقد دفعه إيمانه الكبير به إلى تأليف “رسالة حول إصلاح العقل”([51] جاعلا العيش على مقتضاه معادلا للعيش في كنف الحرية والتمتع بحياة السعداء.([52] فهو الفيصل بين العبد والحر، كما أنه النبراس الذي يخول لحامله توقي المخاطر والتغلب عليها، وبه يتصرف الإنسان بحسن نية دائما وينأى عن التصرف بمكر وبسوء نية، فضلا عن أن من يعيش مهتديا بالعقل يرغب لغيره ما يرغبه لنفسه، وبالتالي يجنب نفسه شر ما طَبع حالة الطبيعة، أي الأنانية المفرطة التي تجعل الإنسان متمركزا حول ذاته، وتُصور له الغير كلهم أعداء ينبغي القضاء عليهم أو تفاديهم في أحسن الأحوال، “فالناس يفعلون بالضرورة، شريطة أن يكون عيشهم على مقتضى العقل، ما يكون بالضرورة خيرا للطبيعة الإنسانية، وبالتالي لكل إنسان، أي ما يتفق مع طبيعة كل إنسان. وعلى ذلك فإنهم يتفقون دائما بالضرورة في ما بينهم باعتبارهم يعيشون على مقتضى العقل.” ([53] ولما كان الأمر كذلك كان العقل خير ما يهتدي به الأفراد حفظا لحياتهم وصيانة لحقوقهم، وتفاديا لكل ما من شأنه أن يعيدهم سيرتهم الأولى.

لكن وبحكم أن الناس لا ينقادون جميعا بسهولة لهداية العقل، ولا يدركون أن تأسيس الدولة يجلب لهم نفعا كبيرا ويقيهم شرا أكبر، تراهم لا يسعون إلى الحفاظ عليها (الدولة)، ويعمدون إلى اتباع سبل الخداع والمكر، بل ويشقون عصا الطاعة عليها، ولا يكترثون بولائهم لها، لأن معظمهم تسيطر عليهم شهواتهم فتصم آذانهم عن صوت العقل، الأمر الذي يستوجب وجود شخص يتمتع بسلطة مطلقة تمكنه من إجبار هؤلاء بالقوة والعقاب الشديد حتى يضمن طاعتهم له وتستمر الدولة قائمة. ([54] 

وحرصا منه على تلافي كل ما من شأنه أن يقوض أركان الدولة، ويتسبب في فسخ العقد أو إعلان العصيان، ارتأى سبينوزا أن الديمقراطية، بما هي تجسيد للتعاليم السياسية للفيلسوف الذي همه أن يحمي مصالح الجميع ويضمن الحرية التي تشبع اختلافاتهم الطبيعية،([55]هي الشرط الذي يمكن أن يتكون به مجتمع إنساني دون أدنى تعارض مع الحقوق الطبيعية للأفراد، ويقضي هذا الشرط بأن تنفذ الرعية حرفيا كل ما يأمر به الحاكم، حتى لو كانت أوامره غاية في التناقض، انسجاما مع عقلنا الذي يأمرنا دوما باختيار أهون الشرين، من جهة، ولأن القرارات المتناقضة تقل عموما في النظام الديمقراطي مقارنة بأنظمة حكم أخرى، من جهة ثانية، وذلك لسببين اثنين:

  • أولهما، أنه يكاد يكون مستحيلا أن يتفق أغلبية الناس داخل مجتمع كبير على أمر ممتنع.
  • وثانيهما أن الغاية التي ترمي إليها الديمقراطية والمبدأ الذي تقوم عليه هو تخليص الناس من سيطرة الشهوة العمياء والإبقاء عليهم بقدر الإمكان في حدود العقل بحيث يعيشون في وئام وسلام.

وفي عبارة واحدة يمكن القول إن سبينوزا راهن على مبادئ الحكم الديمقراطي في التقليل من أخطاء الدولة والأفراد معا، دون غيره من الأنظمة، لاعتقاده بأنه أقربها جميعا إلى الطبيعة وأقلها بعدا عن الحرية التي تقرها الطبيعة للأفراد.([56] 

خاتمة:

      نخلص بعد هذا التعريج المقتضب على مفهوم الخطيئة لدى سبينوزا، إلى نتيجة مؤداها أن الفرد والدولة كلاهما يخطئان؛ الفرد يخطئ حين يسلك أو يتصرف عكس ما تمليه القوانين، أي ضدا على مقتضيات القانون المدني، والدولة تخطئ حين تسلك في تسييرها لشؤون رعاياها عكس العقل، أي في غير صالح المصلحة العامة والمواطنين، ومن ثم في غير صالحها. وبغية تلافي السقوط في الخطيئة من كلا الطرفين، راهن سبينوزا على نظام الحكم الديمقراطي، لأنه، في اعتقاده، يمثل أهون الشرين: حالة الطبيعة من جهة، والأنظمة الجائرة من جهة أخرى. ولأن تناقضات الحاكم فيه قليلة، طالما أنه يخشى فَقْدَ سلطته العليا، فيضطر إلى الاهتمام إلى أقصى حد بالسهر على المصلحة العامة.  ولأنه، أخيرا، النظام الذي يعيش فيه المواطنون حياتهم في تناغم وانسجام، أي يعيشون حياة إنسانية حقيقية أساسها العقل، هي أكثر من مجرد جريان الدم في العروق أو تأدية بعض الأدوار والوظائف البيولوجية، تماما كما أن الحرية هي شيء أكبر من مجرد تحرك في المجال.

ولئن اعتبر سبينوزا أن النظام الديمقراطي هو أنجع الأنظمة وأخْيَرها على الإطلاق، فإنه كان على وعي بأنه لا يوجد أي قانون يُلزم الحاكم بأن يلتزم ببنود الاتفاق المبرم مع الرعية، فمادام هؤلاء قد فوضوا له أمرهم، بموجب عقد صريح أو ضمني، فإنهم يكونون قد قرروا الخضوع لمشيئته أيا كانت طبيعتها، والأمل الوحيد الذي يبقيه سبينوزا بيدي الرعية لتلافي جور الحاكم وبطشه هو أن يصبحوا “قادرين على الدفاع عن هذا الحق دفاعا مؤكدا”([57])  حتى إذا تحول الحاكم، كما قلنا، إلى طاغية، تمكنت من نزع السلطة عنه دون أن يكون في ذلك تناقض لا مع العقل ولا مع طبيعة الأشياء، وانسجاما مع ما أقره سبينوزا في إحدى قضاياه من أنه: “لا يمكن كبح انفعال أو القضاء عليه إلا بانفعال مناقض له وأقوى منه.” ([58] 


([1]) يقول هوبز في كتاب “المواطن”:

« Si la physique est une chose toute nouvelle, la philosophie politique l’est encore bien plus. Elle n’est pas plus ancienne que mon ouvrage le De Cive. »

(Thomas Hobbes,  Le citoyen ou les fondements de la politique, tra­duc­tion de Samuel Sorbière, Paris, Garnier- Flammarion, 1982,  p 5.)

([2]) ينظر: مقدمة حسن حنفي لكتاب رسالة في اللاهوت والسياسة، (دار الطليعة،  بيروت، الطبعة الثانية 1981)، ص 11.

([3])Spinoza, Traité politique, traduit par E. Saisset, Ed. 1842, Texte numérisé par Serge Schoeffert – édition H.Diaz. , chapitre I, p 5. (http://www.spinozactnous.org)

(*)  سأنظر، يقول سبينوزا، إلى الأفعال والشهوات الإنسانية كما لو كان الأمر يتعلق بسطوح وخطوط وجوامد.

سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، (المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت، 2009)، ص 147.

وقد أراد هوبز أن يستنبط القانون الطبيعي ليس من العقل بل من الانفعالات، ما دفع ميشيل أوكشوت إلى أن يقول عنه: “لقد أراد هوبز أن يكون أوقليدس السياسة”.

 ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، تاريخ الفلسفة السياسية، الجزء الأول، ترجمة محمد سيد أحمد، مراجعة إمام عبد الفتاح إمام، (المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2005)، ص 574.

([4])Thomas Hobbes, Léviathan ou Matière, forme et puissance de l’État chrétien et civil, Edition Gallimard, 2000.

 « Il ne peut [le souverain] être accusé d’injustice par aucun de ses sujets » (p: 323.)

«  les commandements de ceux qui ont le droit de commander ne sauraient être ni censurés par leurs sujet, ni discutés. » (p : 334).

يرى بعض الباحثين الذين درسوا هوبز، أن هذا الأخير لم يظهر أبدا أي مظهر من مظاهر الخوف أو الرهبة طيلة حياته، بل كان على العكس من ذلك شجاعا مقداما حتى في أحلك الأوقات وأشدها اختبارا لشجاعة الإنسان، داعين إلى تجنب الخلط بين هوبز “الرجل الخائف” وهوبز “الفيلسوف المغامر” الذي أبدى شجاعة ملحوظة في نشر أفكار  كان يعلم أنها ستثير ضده السلطات الكنيسية والسياسية معا.

إمام عبد الفتاح إمام، توماس هوبز فيلسوف العقلانية، (دار الثقافة للنشر، 1985)، ص 44.

([5]) نشير إلى أن رغبة سبينوزا العارمة في عقلنة الدين وتخليصه من طابعه اللاهوتي المتعالي دفعت به إلى سن ديانة “نصف عقلانية” شعبية تسد الحاجات النفسية ذات الطابع اللاعقلاني لدى الحشود، وتقوم على  الخضوع للسلطة المزدوجة المتمثلة في العقل من جهة وفي الإنجيل الموحى من جهة أخرى، على شرط أن يتم إعادة تأويل النص الديني، وأن يتم التعامل مع محتواه بشكل موضوعي على غرار ما يتم في العلم.

([6]) يصف سبينوزا في إحدى رسائله كيف أن بعض الفلاسفة ممن كانوا يؤيدون أفكاره ويشجعونها، سرعان ما انقلبوا عليه، واستبدلوا حبهم له كرها تجنبا لكل شبهة يمكن أن تطالهم من تهمة الإلحاد التي شاعت بين الناس حوله، يقول: “(…) وبعض اللاهوتيين (لعلهم أول من روج هذه الاشاعة) قد اغتنموا الفرصة لرفع شكوى ضدي أمام الأمير والقضاة، ثم إن بعض الديكارتيين الأغبياء الذين عرفوا بتأييدهم لي لم يجدوا بدا، كي يتبرؤوا من كل شبهة، من الإعراب في كل مقام عن كرههم الشديد لأفكاري ومؤلفاتي.”

( سبينوزا، علم الأخلاق، ص 14).

([7]) وليم كلي رايت، تاريخ الفلسفة الحديثة، ترجمة محمود سيد أحمد، (المجلس الأعلى للثقافة، 2001)، ص 122.

([8]) وليم كلي رايت، تاريخ الفلسفة الحديثة، ص 122.

(*)  نقصد بالمتن هنا كتب سبينوزا دون رسائله.

([9]) أندري لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، المجلد الثاني، (منشورات عويدات، بيروت-باريس، الطبعة الثانية 2001)، ص 951.

([10]) سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة حسن حنفي ومراجعة فؤاد زكرياء، (دار الطليعة – بيروت، الطبعة الثانية 1981)، ص 378.

([11]) سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 389.

([12]) سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 6.

([13]) ذكر سبينوزا مفهوم الخطيئة في كتاب الأخلاق، في الصفحة (266) حيث قال: “بقي لي أن أفسر معنى العدل والظلم والخطيئة، وأخيرا معنى الاستحقاق)، لكنه لم يتناوله بقليل من التفصيل إلا في الصفحة (286) حيث قال: “وهكذا فإنه لا يمكن تصور الخطيئة في طور الطبيعة، بل يكون تصورها في طور التمدن حيث يقع الإقرار برضاء الجميع أي الأشياء حسنة وأيها قبيحة وحيث يصبح لزاما على كل شخص أن يطيع الدولة…”.

( سبينوزا، علم الأخلاق.)

([14]) شرع سبينوزا في تأليف كتاب “الرسالة السياسية”  سنة 1675، لكن القدر لم يسعفه في إنهائه، فقد كان يُفترض أن يشتمل المؤلف على 11 فصلا، لكنه توقف عند المقال الثالث من الفصل العاشر بفعل المرض الذي ألم بصاحبه، ثم بفعل الموت الذي غيبه نهائيا عن الوجود، دون أن يتمكن من إثبات وجهة نظره حول نظام الحكم الديمقراطي، ذلك النظام الذي كان يفضله عن غيره كما أعرب عن ذلك بنفسه في مؤلف “رسالة في اللاهوت والسياسة”. 

([15]) لالاند، الموسوعة الفلسفية، ص 361.

([16]) لالاند، الموسوعة، ص 361.

([17]) لالاند، الموسوعة، ص 361.

([18]) لالاند، الموسوعة، ص 951.

([19]) لالاند، الموسوعة الفلسفية، ص 951.

([20]) سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 379.

([21]) سبينوزا، علم الأخلاق، ص 277.

([22])Spinoza, Traité politique, chapitre II, article 7, p.9.

([23]) سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 37.

([24]) سبينوزا، علم الأخلاق، صص 262-263.

([25])Spinoza, Traité Politique, chapitre II, article 15, p.11.

([26])Spinoza, Traité Politique, chapitre II, article 16, p.11.

([27]) سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 380.

([28]) سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 386.

([29]) سبينوزا، علم الأخلاق، ص 268.

([30])Spinoza, Traité Politique, chapitre II, article 18, p.11.

([31]) سبينوزا، علم الأخلاق، ص 268.

([32])«Le péché ne peut se concevoir que dans un ordre social, ou le bien et le mal sont déterminés par le droit commun, et ou nul ne fait à bon droit que ce qu’il fait conformément à la volonté générale. »  (Traité Politique, chapitre II, article 19, p.12.)

وهذه الفكرة ذاتها نجدها حاضرة لدى توماس هوبز حيث يقول في كتاب “التنين”:

« On peut déduire (…) que là ou s’arrête la loi, la faute s’arrête. » 

Hobbes, Léviathan, p 440.

([33])« Il s’ensuit que c’est conformément à cette dernière [la raison de l’Etat] qu’il faut définir quelles sont les choses qui méritent véritablement d’être blâmées. De sorte qu’un péché, une coulpe, une faute ou une offense, se peut définir, ce que quelqu’un a fait, a omis, a dit, ou a voulu contre la raison de l’Etat, c’est-à-dire contre les lois »

 (Thomas Hobbes, Le Citoyen ou les fondements de la politique, traduit par Samuel Sorbière, Paris, Garnier- Flammarion, 1982,  p.145).

([34])  ينص هوبز على هذا الأمر بشكل صريح في كتابه “التنين”، حيث يقول:

« Parce qu’un souverain ayant été proclamé par le consentement  de la majorité des voix, celui qui été contre doit maintenant consentir avec les autres, autrement dit être satisfait d’entériner toutes les actions accomplies par le souverain, sinon  il sera juste que les autres l’éliminent. »

(Hobbes, Léviathan, p 294.)

([35]) سبينوزا، علم الأخلاق، ص 280.

([36]) سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 384.

([37])« On appelle péché ce qui se fait contre le commandement de la raison »

 (Spinoza, Traité politique, chapitre II, article21, p.12.)

([38])Hobbes, Le Citoyen, p.144.

([39])Hobbes , Le Citoyen, p.144.

([40])Hobbes, Le Citoyen, p.144.

([41])« L’État pèche quant il agit contre les règles de la raison. »

 (Spinoza, Traité Politique, chapitre IV, article 4, p.19.)

([42])Spinoza, Traité Politique, chapitre IV, article 4, p.19

([43])« [La cité] pèche dans le sens ou les philosophes et aussi les médecins disent que la nature peut pécher ».

([44])Hobbes, Léviathan, p 295.

 حول الاختلافات الموجودة بين سبينوزا وهوبز في ما يخص مفهوم السياسة، يمكن الرجوع إلى الرسالة التي بعث بها الفيلسوف الهولندي إلى صديقه Jarig Jelles من لاهاي بتاريخ 02 يونيو 1647.

([45])Spinoza, Traité Politique, chapitre IV, article 5, p.20.

([46]) سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 381.

([47]) ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، تاريخ الفلسفة السياسية، الجزء الأول، ص 676.

([48]) Spinoza, Traité politique, chapitre V, article 4 , p 22.

([49]) سبينوزا، علم الأخلاق، ص 331. وورد ذكرها أيضا في “الرسالة السياسية“، في الفصل الثالث، المقالة رقم 6.

(*)  نلمس ههنا حضور القاعدة الديكارتية الشهيرة التي مقتضاها “العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس.”

([50]) سبينوزا، علم الأخلاق، صص 338-339.

([51]) سبينوزا، رسالة في إصلاح العقل، ترجمة جلال الدين سعيد، (دار الجنوب للنشر، تونس، 1990).

([52]) سبينوزا، علم الأخلاق، ص 282.

([53]) سبينوزا، علم الأخلاق، ص 261.

([54]) سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 382.

([55]) ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، تاريخ الفلسفة السياسية، الجزء الأول، ص 668.

([56]) سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة،  ص 385.

([57]) سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 383.

([58]) سبينوزا، علم الأخلاق، ص 239.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.