فِلَسطين عِندَمَا تُحَدِّثُ أخْبَارَهَا

مؤتمر ” فلسطين تحدث أخبارها

عقد سنة 2016 مؤتمر بعنوان فلسطين تحدِّث أخبارها، في محافظة أريحا. في رحاب جامعة النجاح الوطنية وبالتعاون مع وزارتي الثقافة والحكم المحلي، جاءت أهداف المؤتمر نحو توثيق فلسطين الأرض والإنسان؛ بحيث يتولى كل مجلس محلي بلدي أو قروي توثيق ما يقع في محيطه من مادة تتصل بفروع دائرة المعارف الفلسطينية وهي الأعلام والأعيان والعلماء، وجغرافية فلسطين بما في ذلك العيون والآبار والكهوف والأشجار المعمرة والملكيات الزراعية والغطاء النباتي والحيوان والمناخ. وتاريخ فلسطين وآثارها المأثور الشعبي الفلسطيني (القولي والحركي واليدوي)، وبنك معلومات القدس.

محاور المؤتمر جاءت حول تاريخ المدن والبلديات والقرى، وأثار القرى والمدن الفلسطينية، وأعلام وأعيان وعلماء في التاريخ الفلسطيني. كذلك جغرافية المدن والقرى الفلسطينية، جغرافية الاستيطان في فلسطين، الزراعة في فلسطين (الأشجار المعمرة، الملكيات الزراعية، الغطاء النباتي، الحيوان، المناخ..الخ). أيضاً المياه في فلسطين واقع ومستقبل (البحار، الأنهار، المخزون الارتوازي الآبار والعيون والأودية)، والكهوف والمغارات في فلسطين. وتاريخ مدينة القدس الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، والمواقع التاريخية الإسلامية والمسيحية في القدس، والحكاية الشعبية من الشعر والغناء الأمثال الشعبية والزي والتراث الشعبي والعادات والتقاليد. وأوصى المؤتمر بحثِّ مؤسسات الدولة الفلسطينية على إعطاء الأهمية للمناطق المهمشة في خططها التنموية وخاصة التجمعات الصغيرة والخرب، بالإضافة إلى حث المؤسسات الرسمية في الدولة إلى خوض معركة سياسية مستمرة للسيادة على مناطق ”ج”، إضافة إلى العديد من التوصيات الهامة.

اختيار مدينة أريحا لانعقاد هذا المؤتمر لم يأت من باب الصدفة بل يعكس بجلاء الحرص الدائم لإبراز مكانتها الثقافية والحضارية، فالأغوار بعاصمتها أريحا تتربع على ما يقارب ثلث مساحة المحافظات الشمالية وتمتد من البحر الميت جنوباً حتى بيسان شمالاً. كذلك أهمية الموسوعة الفلسطينية، حيث أنها نوع من أنواع المصادر والمراجع التي تعالج الكثير من مجالات المعرفة التخصصية، وترفد الوطن بمرجعية بحثية تدور حول محور الإنسان الصامد الذي يتحدى الاحتلال بكافة ممارساته القمعية، والتي تعكس مدة ثباته وصموده. وهذا من شأنه أن يرقى بالعمل الوطني وتحديثه، وكشف ما يتميز به بالتركيز على أهم الاحتياجات في المراحل القادمة. إن ما سيحققه هذا المؤتمر سيكون أداة فعّالة في خدمة التنمية الثقافية والعلمية من جهة، ومبعث فخر واعتزاز لكل الفعاليات والقوى الإبداعية.

المؤتمر كان يعقد في الوقت نفسه في قطاع غزة نظراً لصعوية وصول مجموعة من الباحثين والمشاركين فيه الى الضفة الغربية حيث تحدث البعض عن تاريخ فلسطين الحافل بالاحداث والروايات منذ تأسيس أجدادهم الكنعانين لأول مدينة حضرية في العالم أريحا قبل 5000 عام لتنير الطريق للحضارات الأخرى، فأثرت فيها وتأثرت، والدليل على ذلك مخطوطات تل العمارنة المصرية التي حفرت في الصخر تاريخ 119 مدينة كنعانية. كذلك قرية بيت لاهيا التي تقع شمال قطاع غزة. حيث تاريخ نشأتها وعدد سكانها وأهم الشخصيات التي ولدت وعاشت فيها. ثم تحدث اخر عن الاستيطان في مدينة القدس متناولة البعد التاريخ للمدينة منذ أن أسسها اليوبوسيون الكنعانيون والغزوات التي مرت عليها. كذلك السياسة الإسرائيلية التهويدية داخل المدينة وتم تقديم إحصائيات حول البؤر الاستيطانية وعددها، الرامية لتفكيك المدينة وإفراغها من سكانها الفلسطينين لصالح مشاريعها الاستعمارية. ومدينة دير البلح التي تقع وسط قطاع غزة، ومساحتها وأهم المراحل التاريخية التي مرت عليها خاصة وأنها كانت ممرا للغزاة وفيها كثير من آثار فلسطين التي سرقت فيما بعد .ثم تحدث باحث عن أحد الشخصيات الوطنية التي تمثلت في الشهيد عبد المعطي السبعاوي تناول فيها سيرة المناضل الكبير وتأسيس جهاز الشرطة مع ياسر عرفات ورفاق دربه والحروب التي عايشها إلى أن استشهد وهو يؤدي واجبه الوطني بتفكيك صواريخ الاحتلال. ثم عرضت ورقة أخرى حول واقع المواقع التعليمية في مدينة القدس وما تواجهه من سياسيات الاحتلال وسيطرتها عليها، ودور مؤسسات التعليمية الاسلامية في القدس في مواجهة خطر الاحتلال الاسرائيلي وعرج على تاريخ تأسيس مدارس في المدينة وقدم احصائيات عن عددها، فيما اعتبر أن المؤسسات التعليمية تواجه كثير من الإشكاليات منها غياب الدعم العربي لها في مواجهة العدوان. وقدم باحث لرؤية حول المشهد الثقافي في مدينة القدس وما عانت منه وأكد أن المؤسسات وقعت فريسة للاحتلال الإسرائيلي الذي حاول منذ الاحتلال أن يضيق الخناق على المشهد الثقافي من خلال إغلاق المسارح والمراكز ومنع الفرق الفلسطينية والمثقفين من تقديم عروضهم في المدينة فيما أدى قلة الدعم المادي إلى إغلاق كثير منها في ظل غياب الدعم العربي لها، إضافة إلى سياسة الإبعاد للمثقفين المقدسين وقدم إحصائيات بعدد المراكز في القدس. قدمت ورقة أخرى لشخصية اللواء (عبد الرزاق المجايدة) وتناول فيها أهم مراحل حياة ونضال الراحل والحروب التي خاضها مع زملاءه في القيادة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي. وورقة حول شخصية (خالد حمودة) أحد أعيان قرية بيت لاهيا والذي كان من مختارها ومختار القرية حتى أصبحت مدينة، وعدد مناقب الفقيد ومعايشته للاحتلال الإنجليزي ثم الإسرائيلي، وحكمته وأصالته، وإدارته لشؤون البلدة في أحلك الظروف وترك عظيم الأثر في نفوس أهل قريته وفلسطين. وورقة حول قرية برقة المهجرة، وقدم خلاله عرض لتاريخ المدينة وإحداثياتها، وكذلك قرية بربرة المهجرة منذ عام 1948.

اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة

إذا كانت قضية فلسطين دائمًا أولى اهتمامات جامعة الدول العربية. ومنذ بدء أعمالها أخذت على عاتقها عرض القضية الفلسطينية أمام الأمم المتحدة في المدة 1946-1948. عام 1952 تبنى مجلس وزراء الجامعة العربية سلسلة من القرارات فيما يتعلق بمعاملة اللاجئين الفلسطينيين في الدول الأعضاء في الجامعة. وفي سنة 1965م تُوجت هذه الجهود بتبني بروتوكول الدار البيضاء بشأن معاملة الفلسطينيين في الدول العربية. فأين دور الجامعة بعد أوسلو؟

هناك مبدآن رئيسان أثّرا في مواقف الدول الأعضاء في الجامعة العربية حيال اللاجئين الفلسطينيين. هذان المبدآن وإن لم يكونا منسجمين بالضرورة، كانا ملائمين سياسيًّا في ذلك الوقت. كان المبدأ الأول تضامن العرب وتعاطفهم مع اللاجئين، وقد أدى نظريًّا، على الأقل إلى قرار مجلس الجامعة بمنح اللاجئين الفلسطينيين الإقامة والحق في العمل أسوة بمواطني الدول الأعضاء. وكان المبدأ الثاني الحفاظ على الهوية الفلسطينية وتأكيد بقاء وضع الفلسطينيين كلاجئين، لتجنب إعطاء دولة الاحتلال عذرًا للتنصل من مسؤولياتها عن محنتهم. ولم يبق التوازن بين هذيْن المبدأين قائمًا، وسرعان ما تحوَّل الحفاظ على هوية اللاجئين الفلسطينيين ذريعة لسنّ القوانين الجائرة بحق الفلسطينيين اللاجئين. ولم يكن غائبًا عن بال سلطات الاحتلال حجم الجريمة التي اقترفتها بطرد الفلسطينيين من أرضهم. ولم يكن غائبًا عن بالها أيضًا حجم المخاطر التي يمكن أن تهدد “دولة اليهود” في حال عودة هؤلاء اللاجئين، على الأقل على المستوى الديموغرافي.

في مقابلة مع صحيفة “هآرتس” في تموز/ يوليو 1994، أشار نائب وزير الخارجية آنذاك، يوسي بيلين، والمعروف باتخاذ موقف الحمائم في حكومة العمل الإسرائيلية، إلى أن القرار رقم 194 “مهم في رمزيته” فقط بالنسبة إلى إسرائيل والعرب، بمن فيهم الفلسطينيون. وفي حين كان بيلين يخفف من حدة القرار رقم 194، عمد رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إسحاق شامير، إلى صيغة أكثر مباشرة في التعليق على حقّ الفلسطينيين في العودة، إذ قال: إن تعبير “حق العودة” فارغ المضمون ولا معنى له. ولن يحدث ذلك أبدًا بأي طريقة أو صورة أو شكل. هناك فقط حق يهودي في العودة إلى أرض إسرائيل. وكلام شامير يعكس الصورة الحقيقية للاعتقاد الإسرائيلي فيما يتعلق بعودة اللاجئين الفلسطينيين. فالأمر يتعلق بحياة أو موت دولتهم بكل معنى الكلمة. المهم في هذا السياق أن يكون معلومًا أن المنطلق فيما يتعلق بموضوع اللاجئين واحد في السياسات الإسرائيلية وهو الرفض التام للموضوع لأسباب كثيرة، ليس آخرها البعد الديموغرافي للمسألة كما ذكرنا. ولكن البحث في مختلف تصريحات ومواقف السلطات الإسرائيلية ومواقفها بشأن حق العودة، مهما يكن جزئيًّا، يُظهر تأقلمًا أكيدًا مع ظروف الزمان الذي كانت تُطرح فيه قضية العودة للاجئين الفلسطينيين.

نظرًا إلى عدم إمكان إنكار تام لوجود هذا الحق، فقد تمّ وضع استراتيجيات مختلفة بحسب الظروف، من أجل تجنب هذا الحق، أو على الأقل من أجل تأخير وقت إثارته إلى أقصى حد، ويمكن رصد المواقف الإسرائيلية المختلفة، والحجج التي دأبت سلطات الاحتلال على التمسك بها وفق الآتي: -حجة مسؤولية النزوح: تتلخص هذه الحجة بأنه ليس لإسرائيل أي مسؤولية في نزوح الفلسطينيين، ويبدو ذلك واضحًا في كتاب وزير خارجية حكومة إسرائيل المؤقتة موشيه شاريت، إلى وسيط الأمم المتحدة بتاريخ 1 آب/ أغسطس 1948: إن الرحيل المكثف للعرب الذين هربوا من دولة إسرائيل ومن المناطق التي احتلتها القوات اليهودية، لهو نتيجة مباشرة للاعتداء العربي الآتي من الخارج.

نظرية عدم مسؤولية دولة الاحتلال عن طرد اللاجئين الفلسطينيين تكررت ذاتها على لسان ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة في السبعينيات: إن أساس مشكلة اللاجئين الفلسطينيين العرب كان رفض العرب قرار التقسيم الذي وضعته الأمم المتحدة، والحرب التي شنوها على دولة إسرائيل في اليوم الذي تلا إعلان ولادتها. إذًا، فإن المسؤولية تقع عليهم، فلو قبل العرب بالقرار، لما كان هناك مشكلة لاجئين.

حجة تبادل السكان: تنطلق هذه الحجة من المزج بين وضع اللاجئين اليهود ووضع اللاجئين الفلسطينين. الأمر الذي جعل هذا المزج ممكنًا هو استخدام اللفظة ذاتها: لاجئ، للدلالة على واقعين مختلفين. ولكن الواقع أن لفظة “لاجئ” المتعلقة باليهود تختلف عن تلك المتعلقة بالفلسطينيين. ففي الأساس لا يصح أن يُطلق كلمة لاجئ على اليهودي، لإن هذه الكلمة توحي بأن هناك هجرة قسرية نتيجة عوامل معينة أجبرت اليهود على مغادرة البلدان العربية وغير العربية التي كانوا يقطنونها. وهذا غير صحيح لأن اليهود تركوا بلدانهم بإرادتهم وتحت تأثير الإغراءات التي قدمتها سلطات الاحتلال. إن أحدًا من البلدان التي كان اليهود يسكنون فيها قبل هجرة إلى فلسطين لم يُجبر اليهود على المغادرة ولم يقم بأي عمل عدائي لطرد اليهود. ولكن، في الجهة الأخرى تأخذ كلمة لاجئ للفلسطيني دلالة مختلفة. فهو الذي أُجبر عنوة بفعل الاحتلال الإسرائيلي وعمليات القتل والتنكيل على ترك أرضه.

لقد عملت سلطات الاحتلال على المقابلة بين الصورة المثالية النموذجية للموقف الإسرائيلي الكريم المُستقبِل لليهود الآتين من أوروبا ومن بلاد أخرى، وخصوصًا البلاد العربية، والموقف الأناني للدول العربية التي ترفض القيام بالشيء نفسه حيال أشخاص من العِرق نفسه.

في ردود ممثل الاحتلال الإسرائيلي على الأسئلة التي وُجهت إليه في الجلسة التي شهدت انضمام إسرائيل إلى الأمم المتحدة، قال: إننا لا ننوي إعادة اليهود إلى العراق وسورية ومصر والمغرب واليمن، وإلى بلاد عربية أخرى… كي نستقبل لاجئين عربًا مكانهم. الواقع أنه حدث تبادل سكان بين إسرائيل والبلاد العربية.

شرط القرار رقم 194: “العيش بسلام مع جيرانهم”: لقد نص قرار الجمعية العامة رقم 194 على هذا الشرط. [فالجمعية العامة]: “وقد بحثت في الحالة في فلسطين من جديد، تقرر وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم”.

إن بداية الفقرة رقم 11 التي تبدو ظاهريًّا واضحة، تقصد اللاجئين، أي الأشخاص الذين طردوا من بلدهم والتي انتُزعت ممتلكاتهم منهم، فتعطيهم الحق في العودة إلى بلدهم “في أقرب وقت ممكن”، شرط أن يرغبوا في ذلك وأن يعيشوا بسلام مع جيرانهم.

لقد شكل نهج جنيف ومدرسته إحدى أبرز محطات التصفية التي مرت بها القضية الفلسطينية وذلك بالعمل على تصفية الصراع العربي الصهيوني على قاعدة التسليم بالمخطط الأمريكي الإسرائيلي الذي يلغي حقوق الشعب الفلسطيني على أرضه ووطنه ومحاولة تسويق المشاريع المقدمة كما في جنيف تحت شعار الواقعية والعقلانية والحكمة والممكن والمعادلة القائمة والتحالفات الدولية القائمة وأحادية المحكومية للعالم، من أجل تصفية قضية اللاجئين وخرق جميع المواثيق والقرارات الدولية وخاصة القرار 194 الذي يؤكد على حق اللاجئين في العودة إلى أرضهم وإطلاق مبادرة التوطين في البلدان التي يقيمون فيها بالوسائل المختلفة.

لا يمكن لأحد أن يستمد تفويضًا من الذين هجروا من أبناء الشعب الفلسطيني للبت بمسألة تعتبر حق فردي لا يسقط بالتقادم ولا من أصحاب الأراضي التي سيتم مصادرتها، ومن سيقوم بتعويضهم عن خسرانهم لممتلكاتهم الخاصة من أرض وبيوت وهل تم أخذ موافقتهم، والأراضي المطروحة للتأجير…؟! وهل وافق أصحاب هذه الأراضي على تأجيرها…؟!.

الوسوم
اظهر المزيد

د. محمد عريف

كاتب وباحث في التاريخ الاقتصادي الحديث والمعاصر وتاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، عضو الاتحاد الدولي للمؤرخين والجمعية المصرية للدراسات التاريخية. مشارك في عشرات المؤتمرات والندوات بدراسات سياسية واقتصادية وقانونية وتاريخية. كاتب لدى القدس العربي والحياة اللندنية والعربي الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: