في جماليات الإحساس بصيام شهر رمضان وجلالياته

الصيام تتبع لسنن من كان قبلنا من الصالحين[1]، وربطٌ للاحِق هذه الأمة بسابقها، وانخراط في سلسلة النور الممتدة عبر الزمان، زاده القرآن الكريم جمالا وجلالا في تقديمه في أبهى حلة وأعظم منظر بقوله سبحانه: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ[2]، الصيام عبادة جماعية موحدة بين جميع العباد ما عدا ذوو الأعذار، وعند القيام بهذا الركن من أركان الإسلام تستشعر أبلغ الجمال والجلال، فهي أيام معدودات – تعدل صيام الدهر- يستلذها من له ذوق خاص لينغمس بكليته في التقرب إلى الله بالنفل من هذا الركن، يقول ابن جزي رحمه الله: “والقصد بقوله: “كما كتب على الذين من قبلكم” وبقوله تعالى: “أياما معدودات“: تسهيل الصيام على المسلمين، وكأنه اعتذار عن كتبه عليهم، وملاطفة جميلة”[3]، فعلا هو اعتذار عن كتْبِه عليهم من المسلمين، أما المؤمنون فيزدادون بهذه العبادة إيمانا إلى إيمانهم، ويزيدهم الصيام تقربا من الجلال وتطهُّرا من الطينية، وتعلقا بالربوبية.

ومن الإحساس بهذه الجمالية في الصوم أنه لا يخرج العباد عن حدود بشريتهم، إذ ذكرهم القرآن الكريم بهذه الخاصية التي اختصوا بها – ولو شاء الله لخلقهم على غير تلك الهيأة لفعل- ووجههم بأن يمارسوا ما يربطهم بالجانب الطيني كما يشاؤون، وأنه حق لهم بقوة التنزيل الذي يقول: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون [4] فحتى الاختيان معفو عنه، فجمالية أداء عبادة الصيام أرادها المولى جل وعز خالصة بدون شائبة أو التفات أو حرج.

ومن الإحساس بهذه الجمالية في الصوم أن تجد الآباء يحفزون أبناءهم الصغار عن صوم الأيام المباركة من هذا الشهر، وكله شهر مبارك، وتجدهم يحفزونهم عن صوم نصف يوم لكي يستشعروا الجمالية الخاصة بهذه العبادة الجمّة.

أما عند الحديث عن الإحساس بجلالية الصوم فالشهر كله جلال وتقرب، وما تصفيد الله تعالى للشياطين إلا ليُطلع عباده عن هذه الجلالية، وفقط في هذا الشهر يحصل هذا العرض من المولى وهذا الإقبال من العباد إليه ليوفي المتبتلين من عباده في هذا الشهر الجزاء والفضل الكبير، فالشهر بلياليه وأيامه لله تعالى من أجل أن يطهِّر عباده، جميع عباده.

ومن الإحساس بجلالية الصوم التي ذكرها القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون[5] تكبير لله عز وجل على شكر نعمه التي وهبها لخلقه بصوت واحد وبحنجرة واحدة تنادي بألِظُّوا يا ذا الجلال.

وإذا كنت بصدد حديثي عن الجمال والجلال في الصيام، فإنه والقرآن قرينان لا ينفك أحدهما عن الآخر، يقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون[6] وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر[7] فقد نال هذا الشهر الكريم هذه المكرمة العظيمة، وهذه المنحة الجليلة، إنه الزمن الذي اجتباه الله تعالى ليجعله ظرفا لإنزال الهدى والنور، من عالم الأسرار إلى عالم الناس.

“أجل، ففي هذا الشهر أشرقت شمس القرآن على العالم، ونزل جبريل ملك الوحي على قلب الرسول الكريم بأيات الله الندية على قلب الرسول الحبيب، لينطلق كالغيث ناشرا النور والخير في الأرض، بعد أن كانت مظلمة مقفرة، فحري بهذا الشهر وبهذه العبادة أن تكون منبع الجمال، فقد أودع فيها من أسرار ذي الجلال، ما تندك من شدة أنواره الجبال”[8].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– إشارة إلى قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون”.

[2]– سورة البقرة الآية 186.

[3]– التسهيل لعلوم التنزيل لأبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي (المتوفى: 741هـ) تحقيق الدكتور عبد الله الخالدي، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم – بيروت، ط 1/ 1416 هـ، ج 1 ص 97.

[4]– سورة البقرة الآية 186.

[5]– سورة البقرة الآية 184.

[6]– سورة البقرة الآية 184.

[7]– سورة القدر الآية 1.

[8]– القرآن الكريم والدعوة إلى تنمية الحس الجمالي للدكتور سعيد بن أحمد بوعصاب، مطبعة ليتوغراف طنجة، ط 1/2012. ص 90.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: