فهم الصحابة للسنة النبوية في ضوء الرؤية القرآنية الكلية

جعل الله تعالى الإسلام خاتم الشرائع، أنزله واضحا كاملا، قرآنا كريما يتلى وسنة نبوية طاهرة تروى، ليخرج الناس من ظلمة الجهل إلى نور الهداية ليرتقوا مدارج الكمال الخلقي والمعرفي، يقول الحق سبحانه(وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)[ سورة الأنعام/ الآية 154].

هكذا فهم الرعيل الأول من الصحابة والتابعين دعوة الإسلام فسابقوا الأمم بعلمهم وحضارتهم. أدركوا أن كتاب الله تعالى هو المصدر الذي لا يماثل، منه يستقى التصور الكلي للوجود، ومنه أيضا تستمد جميع المعايير والقيم الموجهة للإنسان في صلته بغيره.

فهموا أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبع للقرآن تبين مقاصده وتفصل أحكامه، تدور حيث يدور وتقف حيث يقف، فأيقنوا أن شريعة الله تعالى الخالدة تامة ومنزهة عن النقص والاضطراب والتناقض.

ومع تعاقب الأجيال بدأت تتراجع قدرات المسلمين عن الفهم العميق لكتاب الله تعالى، فظهر بين الحين والآخر من يدعي ويزعم وجود التناقض والتعارض بين نصوص الشريعة، من هؤلاء قوم تحدث عنهم الإمام الشاطبي فقال: (لم يمعنوا النظر حتى اختلف عليهم الفهم في القرآن والسنة، فأحالوا بالاختلاف عليها تحسينا للظن…وهذا هو الذي عابه رسول الله صلى الله عليه وسلم من حال الخوارج..فوصفهم بعدم الفهم للقرآن، وعند ذلك خرجوا على أهل الإسلام. ثم لم يزل هذا الإشكال يعتري أقواما حتى اختلفت عليهم الآيات والأحاديث، وتدافعت على أفهامهم فجعجعوا به قبل إمعان النظر.)[2] و من المحدثين نجد الشيخ محمد أبو رية في كتابه “أضواء على السنة النبوية” والسيد صالح أبو بكر في كتابه “الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها” وغيرهما كثير، مؤكدين وجود أحاديث صحيحة تعارض نصوص القرآن الكريم وكل ذلك محض افتراض وباطل ما أنزل الله تعالى به من سلطان.

1-مفهوم الرؤية القرآنية

إن فهم السنة النبوية على ضوء القرآن الكريم، واستصحابها في فهم أحكامه العامة وتوجيهاته هو المطلوب وليس اجتزاء أحاديث متفرقة من سياقها العام وفهمها فهما ضيقا، يقول الدكتور لؤي صافي[3]🙁 إن السنة تتعلق بالمقام الأول بنماذج تطبيقية للرؤية القرآنية التي استنبطها رسول الله وتجلت في سلوكه ومواقفه… لذلك فإننا نشدد على ضرورة فهم الحديث وتحديد موقعه في بناء المفاهيم و الأحكام الإسلامية برده إلى الرؤية القرآنية التي ولدته، أي إلى جملة المبادئ العامة والقواعد الكلية المستمدة من كتاب الله العظيم، والمنتظمة وفق نسق يربط الفروع بالأصول ويقدم الأولي على الثانوي)[4].

استعمل الدكتور لؤي صافي مفهوم ” الرؤية القرآنية” وحدده في مجموع المبادئ الجامعة والقواعد الكلية المستمدة من كتاب الله تعالى، وأمثلة ذلك: قول الله تعالى:(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) [سورة البقرة /الآية 285] ، و قوله سبحانه: (أوفوا بالعقود)[ سورة المائدة/ الآية 1] ، و قوله عز من قائل: (و لاتزر وازرة وزر أخرى)[ سورة الأنعام /الآية 166]..وأكد فهم السنة النبوية على ضوء هذه المقاصد والمبادئ.

هذا المعنى هو ما قصده الدكتور يوسف القرضاوي قائلا: (من الواجب لكي تفهم السنة فهما صحيحا، بعيدا عن التحريف والانتحال وسوء التأويل أن تفهم في ضوء القرآن، وفي دائرة توجيهاته الربانية)[5] كلام فيه تأكيد ودعوة لإعمال الرؤية القرآنية في النصوص، ويضيف في موضع آخر بأن هذا الفهم القرآني للسنة النبوية كان مسلك الصحابة رضي الله عنهم في فهم النصوص، ويدعو فقهاء العصر إلى الاقتداء بهم فيقول: ( وأنا أعني هنا الاهتداء بهم في منهجهم  الكلي في فهم النصوص، وحسن فقههم لأهدافها، ووصل جزئياتها بكلياتها، وعدم الشذوذ عنهم)[6].

من هنا أستقي مفهوم “الرؤية القرآنية” الذي سأعتمده- إن شاء الله تعالى – في بحثي المتواضع مفتاحا ودليلا رئيسا في فهم وتحليل قضايا يبدو فيها وهم التعارض بين القرآن الكريم و السنة النبوية.

وهكذا تتجلى ضرورة إعمال الرؤية القرآنية في النصوص، كما تلقاها فقهاء الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنهم تلقتها الأجيال الأولى من سلف هذه الأمة إلى أن ظهرت المنهجية النصوصية التي عطلت علاقة تبعية السنة للكتاب، يقول الدكتور لؤي صافي: (مع تراجع الرؤية القرآنية ضمن الدوائر العلمية والفقهية برزت منهجية النصوصية التي اعتمدت على تقديم نص وتأخير نص آخر، معولة بالدرجة الأولى على نصوص الحديث التي تكاثرت في القرن الثاني والثالث الهجريين)[7]. ويوضح الكاتب نفسه سلبية هذه المنهجية النصوصية في عمل المجتهد فيقول: (إن المنهجية النصوصية تقوم على رد الأحداث إلى الأحاديث، وتحكيم نصوص مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما استجد من الأحداث، بل وتقديم الحديث الظني على القياس على حكم قرآني قطعي، و قد أدى ذيوع المنهجية النصوصية إلى توقف إعمال العقل في النص، وتراجع الاجتهاد، وتقليد السلف دون فقه للرؤية القرآنية التي حركتهم ودفعتهم إلى الفعل والترك)[8]، غير أن هيمنة الموقف النصوصي على فئة واسعة من الكتابات الفقهية منذ بداية القرن الثاني للهجرة حتى يومنا هذا لم يعطل هذه الرؤية القرآنية باعتبارها مسلكا اجتهاديا عظيما ظل حاضرا في عمل علمائنا الأفذاذ مقتدين في ذلك بأثر فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم.

من هؤلاء الإمام الشاطبي رحمه الله الذي نبه إلى ضرورة استحضار كليات الشريعة ومقاصدها العامة وقواعدها الجامعة أثناء النظر في الفروع والجزئيات، و انطلق في عمله هذا من مقدمات أساسية ذكرها في كتابه “الموافقات في أصول الشريعة” قائلا: ( لما انبنت الشريعة على قصد المحافظة على المراتب الثلاث من الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وكانت هذه الوجوه مبثوثة في أبواب الشريعة وأدلتها غير مختصة بمحل دون محل، ولا بباب دون باب، ولا بقاعدة دون قاعدة، كان النظر الشرعي فيها أيضا عاما لا يختص بجزئية[9] دون أخرى؛ لأنها كليات[10] تقضي على كل جزئي[11] تحتها؛ إذ ليس فوق هذه الكليات[12] كلي تنتهي إليه، بل هي أصول الشريعة)[13]، ويزيد في موضع آخر:( محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها، فمن أخذ بنص مثلا في جزئي معرضا عن كليه فقد أخطأ )[14].

هذه المقدمات تشير إلى ضرورة اعتبار الكليات والجزئيات في عمل المجتهد والتنسيق بينهما، فلا بد للمجتهد وهو ينظر في الفروع من الرجوع إلى المقاصد العامة في الشريعة ليكون الحكم مبنيا على الدليلين الكلي والجزئي معا، وهذا مسلك اجتهادي عظيم.

من هنا يرى الإمام الشاطبي أن القرآن الكريم مشتمل على كليات تشريعية عامة بينتها السنة وتجلت في سلوك رسول الله صىلى الله عليه وسلم ومواقفه، يقول رحمه الله: (تعريف القرآن للأحكام الشرعية أكثره كلي لا جزئي؛ وحيث جاء جزئيا فمأخذه على الكلية: إما بالاعتبار أو بمعنى الأصل، إلا ما خصه الدليل مثل خصائص النبي صىل الله عليه وسلم. ويدل على هذا المعنى أنه محتاج إلى كثير من البيان، فإن السنة على كثرتها وكثرة مسائلها إنما هي بيان للكتاب… وإذا كان كذلك فالقرآن على اختصاره جامع، ولا يكون جامعا إلا والمجموع فيه أمور كليات)[15].

يتضح أن السنة النبوية جاءت لتبين مقاصد القرآن وكلياته العامة، ومن ثم فإن النظر في الأحكام الجزئية التي تضمنتها السنة يتم من خلال الرجوع إلى كليات الشريعة المبثوثة في القرآن الكريم، وبمعنى آخر إعمال القرآنية في النصوص الشرعية.

ومن أمثلة ذلك أن الدليل الظني إذا لم يكن راجعا إلى أصل قطعي يعضده؛ هل يقبل أم يرد؟ يجيب: (وإن لم يرجع وجب التثبت فيه ولم يصح إطلاق القول بقبوله)[16]، فحديث الآحاد إذا استند إلى قاعدة مقطوع بها فهو مقبول لأن ذلك يعني أنه جزئي تحت معنى قرآني كلي، وأما إذا لم يستند الخبر إلى قاعدة قطعية فلا بد من تقديم القرآن عليه.

خلاصة كلام الإمام الشاطبي رحمه الله التنبيه إلى أهمية انتظام العلاقة بين المقاصد الكلية للقرآن الكريم والأحكام التفصيلية التي جاءت بها السنة المطهرة، فلا يعول الفقيه في استنباط الأحكام على نصوص الحديث النبوي بحجة صحة السند وسلامة المتن دون النظر في المبادئ العامة للقرآن الكريم وتوجيهاته.

أؤكد في ختام هذا المبحث على ضرورة ربط نصوص الحديث النبوي بالمقاصد العامة للقرآن الكريم أي فهمها وفق الرؤية القرآنية بعيدا عن المنهجية النصوصية التي تقوم على أساس المثلية بين الكتاب السنة في الأمر والنهي وتشدد على اتباع السنة والتشبث بنصوص اجتزأت من سياقها العام مع غياب فقه كتاب الله تعالى.

فهل نقبل بعد هذا البيان أحكاما مستمدة من نصوص نبوية مجتزأة من سياقها العام بحجة أن السنة صنو الكتاب؟ أم نعمل على ربط نصوص الحديث النبوي بأصول القرآن وفهمها وفق الرؤية القرآنية؟

2- فقهاء الصحابة والرؤية القرآنية

فهم الصحابة رضوان الله عليهم أن كتاب الله تعالى هو أصل الأصول و المصدر الذي لا يضاهى، وأن السنة النبوية تبع للقرآن؛ تفصل أحكامه وتبينها وتدور حيث يدور وتقف حيث يقف، لذلك لم يترددوا في رد جملة من الأحاديث، ليس لأن السنة لا يحتج بها بل لأنها  تعارض مبادئ القرآن وتناقض مقاصده. وتعلموا من صحبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم أن اتباع سنته الشريفة لا يستوجب تطبيقا حرفيا في بعض الحالات وإنما تدرك بالنظر إلى مقاصد فعله صلى الله عليه وسلم وخصوصية الظرف وسياق الحال. فضربوا لمن بعدهم نماذج في إعمال الرؤية القرآنية و فقه السنة النبوية. وأمثلة ذلك:

المسألة الأولى:الاختلاف في ولد الزنا

أخرج الحاكم في مستدركه قال: (بلغ عائشة رضي الله عنها أن أبا هريرة يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ولد الزنا شر الثلاثة … فقالت عائشة: رحم الله أبا هريرة أساء سمعا فأساء إصابة. أما قوله لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا أنها لما نزلت (فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة) [سورة البلد/ آية 11-12.] قيل يا رسول الله ما عندنا ما نعتق إلا أن أحدنا له جارية سوداء تخدمه وتسعى عليه فلو أمرناهن فزنين فجئن بالأولاد فأعتقناهم، فقال رسول صلى الله عليه وسلم:  لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن آمر بالزنا ثم أعتق الولد. وأما قوله: ولد الزنا شر الثلاثة فلم يكن الحديث على هذا إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من يعذرني من فلان، قيل يا رسول الله مع ما به ولد الزنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو شر الثلاثة والله عز وجل يقول: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) [سورة الأنعام /الآية 166]))[17].

قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)[18].

إن اعتراض عائشة أم المؤمنين على حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرجع لأمرين:

أولا: الخطأ في السمع وليس لضعف ثقة الراوي أبي هريرة رضي الله عنه، يتضح ذلك من قولها: (رحم الله أبا هريرة أساء سمعا).

ثانيا: مخالفة الحديث للأصل القرآني(لاتزر وازرة وزر أخرى) هو ما عبرت عنه (بقولها فأساء إصابة). فنبهت على أن ورود الحديث كان لواقعة خاصة؛ يقول الإمام الطحاوي رحمه الله (فبان لنا بحديث عائشة رضي الله عنها أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكره عنه أبو هريرة… إنما كان الإنسان بعينه كان منه من الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم  ما كان منه مما صار به كافرا شرا من أمه ومن الزاني الذي كان حملها به منه)[19].

كان نهج عائشة رضي الله عنها في مسألة ولد الزنا  مجسدا للرؤية القرآنية فقد كانت ( لا تأخذ أحدا بجريرة غيره، فكل شخص يتحمل خطيئته لا يتحملها غير، فولد الزنا لا يحمل من جريمة أبويه شيئا. لذا أجازت عتقه في الكفارات، وأجازت إمامته)[20].

المسألة الثانية: الاختلاف في تقسيم أرض السواد

أرض السواد هي الأرض التي فتحها المسلمون عنوة شرق نهر دجلة من العراق وخراسان، وقد اختلف الصحابة بشأنها بعد فتحها؛ قال القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم: “إن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه استشار الناس في السواد حين افتتح، فرأى عامتهم أن يقسمه وكان بلال بن رباح من أشدهم في ذلك، وكان رأي عمر رضي الله تعالى عنه أن يتركه ولا يقسمه فقال: اللهم اكفني بلا لا وأصحابه ومكثوا في ذلك يومين أو ثلاثا أو دون ذلك، ثم قال عمر رضي اله تعالى عنه: إني وجدت حجة؛ قال الله تعالى في كتابه: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون. والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم)[21] فكانت هذه عامة لمن جاء من بعدهم، فقد صار هذا الفيء بين هؤلاء جميعا فكيف نقسمه لهؤلاء وندع من تخلف بعدهم بغير قسم فأجمع على تركه وجمع خراجه”.[22].

ونقل القاسم بن سلام موقفا مشابها لعمر بن الخطاب في تقسيم أرض مصر بين المقاتلة فقال: (لما افتتحت مصر بغير عهد قام الزبير فقال: يا عمرو بن العاص اقسمها …فقال: لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إلى عمر، فكتب إليه عمر أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة)[23].

يظهر من الروايتين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خالف الرأي الداعي إلى تقسيم الأراضي المذكورة اتباعا لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم في أرض خيبر وخالف بذلك رأي الصحابة الداعين إلى تقسيم الأراضي المذكورة، لكنه وجد لرأيه في الآية التي ذكرها أصلا قرآنيا اهتدى إليه بتوفيق من الله فجعلها مدار حكمته كما يقول القاسم بن سلام: “ليس فعل النبي صلى الله عليه وسلم براد لفعل عمر بن الخطاب، ولكنه اتبع آية من كتاب الله تبارك و تعالى فعمل بها، واتبع عمر رضي الله عنه آية أخرى فعمل بها)[24].

إن موقف عمر بن الخطاب يدل على استحضار الرؤية القرآنية التي اكتسبها بالنظر في معاني القرآن الكريم وفهم مقاصده ومبادئه، وفقهه لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم التي كان رضي الله عنه  أحرص الناس على إتيانها، إنه الرأي القائم على تداول الانتفاع بثروات الأرض بين كل أفراد أمة الإسلام كي لا يكون دولة بين الفئة المقاتلة فقط. هذا ما صرح به القاضي أبو يوسف قائلا: “والذي رأى عمر رضي الله عنه من الامتناع من قسمة الأرضين بين من افتتحها عندما عرفه الله ما كان في كتابه من بيان ذلك توفيق من الله كان له فيها صنع وفيه كانت الخيرة لجميع المسلمين وفيما رآه من جمع خراج ذلك، وقسمته بين المسلمين عموم النفع لجماعتهم، لأن هذا لو لم يكن موقوفا على الناس في الأعطيات و الأرزاق لم تشحن الثغور وتقو الجيوش على السير في الجهاد)[25].

والرأي ذاته للقاسم بن سلام في صنيع عمررضي الله عنه هذا “أراه أراد أن تكون فيئا موقوفا للمسلمين ما تناسلوا يرثه قرن بعد قرن، فتكون قوة لهم على عدوهم”[26].

المسألة الثالثة : الاختلاف في الطيرة من المرأة والفرس والدار:

أخرج الإمام أحمد في مسنده “أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول دائما:  إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار فقال: فطارت شقة منها في السماء وشقة منها في الأرض فقالت، والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول ولكن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في المرأة والدار والدابة، ثم  قرأت عائشة (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب)إلى آخر الآية [سورة الحديد/ الآية 21]..)[27]، قال الحافظ الهيثمي رحمه الله: “رجاله رجال الصحيح”[28].

وقد جاء هذا الإنكار على وجه آخر عند أبي داوود الطيالسي قال: ( … فقالت عائشة لم يحفظ أبو هريرة لأنه دخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قاتل الله اليهود يقولون: إن الشؤم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس: فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله)[29]. القول في المسألة كالقول في سابقتها( ولد الزنا).

فمرة أخرى ترد أم المؤمنين عائشةرضي الله عنها رواية أبي هريرة رضي الله عنه لمعارضتها للأصل القرآني (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب..)؛ وكأن أبا هريرة رضي الله عنه غاب عنه مقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخصوصية الظرف، فنبهت أم المؤمنين رضي الله عنها على أنه لم يدرك شطر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه سمع آخره وفاته أوله الذي جاء مبينا للمقصود وهو (كان أهل الجاهلية يقولون…)في رواية أحمد رحمه الله، و( قاتل الله اليهود يقولون..) في رواية الطيالسي رحمه الله فظهر من حديثها أن الشؤم من الثلاثة كان في أول الإسلام خبرا حكاه رسول الله عما كانت تعتقده العرب قبل الإسلام لكن القرآن الكريم أبطله. وهذا ما توصل إليه الإمام الزركشي رحمه الله حين قال: (رواية عائشة في هذا أشبه بالصواب إن شاء الله لموافقته نهيه عليه الصلاة والسلام عن الطيرة نهيا عاما وكراهتها … واستدراكها على أبي هريرة في هذا من جنس استدراكها على ابن عمر في البكاء على الميت بمعنى أن ذلك كان في واقعة خاصة لا على العموم )[30].

خلاصة:

إن المتأمل في فهم فقهاء الصحابة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ودلالته، والمدقق في اجتهاداتهم يلاحظ أن الصحابي كان يرد الحديث أحيانا وإن كان الراوي صحابيا والسبب في ذلك كما يقول الدكتور وهبة الزحيلي إن: (هذا الإنكار أو التوقف من الصحابة ليس لأن السنة لا يحتج بها، و إنما أنكروا أو توقفوا لأمور اقتضت ذلك من وجود معارض أو فوات شرط…)[31]

يستنتج – إذن – من المسائل المذكورة أن فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم لم يفهموا أن اتباع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم يطلب بطريق التطبيق الحرفي لقوله وفعله صلى الله عليه وسلم دون النظر في المبادئ والقواعد الكلية القرآنية التي وجهت فعله صلى الله عليه وسلم؛ أي إعمال الرؤية القرآنية، وفي هذا المعنى يقول الدكتور لؤي صافي: ( لم ينتهجوا في فهم أقواله نهجا نصوصيا، بل كانوا دائما ينظرون في مقاصد فعله وخطابه، ويربطونه بقواعد القرآن الكلية، فإذا تبين أن قوله أو فعله بيان مطلق لكتاب الله لا يتقيد بقيود الزمان والمكان ولا يتعلق بأحوال خاصة اتبعوه دون تغيير أو تحوير، كما فعلوا عندما اتبعوه في صلاته وصيامه وحجه. أما إذا تبين لهم أن قوله أو فعله متعلق بتطبيق قواعد الكتاب وكلياته وفقا لخصوص الزمان والمكان اجتهدوا في تحقيق الكليات التي سعى لتحقيقها، والعمل بالمقاصد التي دعته إلى قول أو فعل وإن أدى ذلك إلى مخالفة ظاهر قول رسول الله وفعله.)[32].

وهكذا يتضح أن منهج فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم في قبول الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على الآتي:

  • اعتبار القرآن الكريم المصدر الأصلي والسنة النبوية تبع له، تدور في فلكه ولا تتخطاه.
  • مع صدق الراوي وقرب عهدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم يوقنون أن الحكم بسلامة المتن يتطلب علما بالقرآن الكريم و إحاطة بدلالاته.
  • إعمالهم الرؤية القرآنية شكل حصانة لأحكام الدين من أن يمسها الاضطراب والتناقض.

من هنا يمكن القول إن تحكيم فقهاء الصحابة للرؤية القرآنية في الروايات المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم في إبراز سنته عليه الصلاة والسلام صافية واضحة، واعتبارها تبعا للقرآن ومصدرا ثانيا للتشريع لأن عصرهم كان بداية جمع الحديث النبوي وتمحيص الرواية وتحقيقها. والله أعلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر هذا البحث في مجلة “منار الهدى”، العدد 14، خريف 2009، من ص 69 إلى ص 81.

[2]  كتاب الاعتصام للشاطبي – دار الكتب العلمية، بيروت – ط2/1995- الجزء2/ ص482

[3]  –  ولد بدمشق، عميد مركز البحوث بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا ومدير تنفيذي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي سابقا. من مؤلفاته: تحدي الحداثة و العقيدة والسياسة بالإضافة إلى بحوث ودراسات في دوريات علمية. ينظر كتب إعمال العقل من النظرة التجزيئية إلى الرؤية التكاملية. ص: 1.

[4]  – إعمال العقل من النظرة التجزيئية إلى الرؤية التكاملية – د.لؤي صافي  ص: 119.

[5]  – كيف نتعامل مع السنة النبوية معالم وضوابط للدكتور يوسف القرضاوي ص: 93.

[6]  – كيف نتعامل مع القرآن الكريم. د. يوسف القرضاوي ص: 411.

[7]  – إعمال العقل ص: 147.

[8]  – المرجع نفسه ص: 149/150.

[9]  – الجزئية هي الحكم على بعض أفراد الحقيقة من غير تعيين كقولنا بعض الحيوان إنسان.  يراجع: شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول. شهاب الدين القرافي ص: 28.

[10]  – الكلية هي  الحكم على كل فرد فرد بحيث لا يبقى فرد. كقولنا كل رجل يشبعه رغيفان غالبا، فالحكم صادق باعتبار الكلية دون الكل. يراجع تنقيح الفصول … ص: 28. و يعرفها أبو الأجفان: أداة للتعبير عن قواعد فقهية، وصفة يحكم بها على جميع أفراد الموضوع في مجال صوغ القضايا الفقهية التي يراد ضم والجزئيات العديد إليها. يراجع كتاب الكليات الفقهية للإمام المقري؛ تحقيق  أبو الأجفان – قسم الدراسة ص:43.

[11]  – الجزئي هو الذي يمنع تصوره من الشركة فيه. يراجع شرح تنقيح الفصول ص:27.

[12]  – الكلي هو  الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه سواء امتنع وجوده ، كالمستحيل أو أمكن ولم يوجد كبحر من زئبق أو وجد ولم يتعدد كالشمس. يراجع شرح تنقيح الفصول. ص:27.

[13]  –  الموافقات مج 2 – 3/ 3– 4.

[14]  – المصدر نفسه مج 2 – 3/5.

[15]  – الموافقات مج 2 – 3/274-275.

[16]  – المصدر نفسه مج2- 3/11.

[17]– المستدرك على الصحيحين للإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري- كتاب العتق- رقم 2855-2/234. ومشكل الآثار لأبي جعفر الطحاوي- باب بيان مشكل ماروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ولد الزنا شر الثلاثة-رقم 930- مج1. 1/268 . رواه بسند آخر الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في السنن الكبرى- كتاب الإيمان- باب ما جاء في ولد الزنا 10 /57.

[18] -المستدرك على الصحيحين 2/233. وفيه أن الذهبي قد سلمه في التلخيص.

[19] – مشكل الآثار. مج 1. 1/268.

[20]  موسوعة فقه عائشة أم المؤمنين حياتها وفقهها  للشيخ سعيد فايز الدخيل  ص:348.

 [21]  سورة الحشر الآيات 8-9-10.

[22]  كتاب الخراج لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم ص: 153 .

[23]  كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام، كتاب فتوح الأرضين صلحا وسننها وأحكامها، باب فتح الأرض تؤخذ عنوة، وهي من الفيء والغنيمة جميعا. ص:66-67.

[24]  المصدر نفسه. ص:69.

[25]  كتاب الخراج، ص:32

[26] – كتاب الأموال، ص:68

[27] –  مسند الإمام أحمد. 6  / 246

[28]  – مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 5/104.

[29] – مسند أبي داوود الطيالسي للحافظ سلمان بن داوود بن الجار ود الفارسي. 7 / 215

[30] – الإجابة على ما استدركته عائشة على الصحابة ؛ الإمام بدر الدين الزركشي ص:105 – 106 .

[31] – أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي. 1 /466.

[32] – إعمال العقل من النظرة التجزيئية إلى الرؤية التكاملية للدكتور لؤي صافي؛ ص:152- 153

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: