فقه الموازنات في قضايا سياسية معاصرة

ملخص:

يعلم كل مهتم بالعلم الشرعي أن للفتوى أهميتها وخطرها في آن معا. فأهميتها تتجلى في صلاحية الدين الإسلامي لكل زمان ومكان، مما يفرض على أهل كل زمان أن يجتهدوا في تنزيل الشرع الحنيف بما يناسب الزمان والمكان الذي هم فيه، وذلك يتطلب اجتهادا في الفهم واحتياطا في التنزيل حتى لا تتحول أخطاء الموقعين عن رب العالمين – والتي قد تكون نتيجة جمود أو تقصير في الفهم – إلى وسائل إيضاح يحتج بها خصوم الدين على عدم صلاحيته لكل زمان ومكان.

أما خطورتها فتتجلى في اعتبارها فهما عن الله وعن رسوله، مما يفرض على الأمة أن تؤهل من يتصدون للفتوى تأهيلا علميا، يجمع بين الفقه في الدين، والفهم للواقع الذي يتحركون فيه، وألا يتصدى للفتوى من كان خاليا من شروطها المعتبرة، وضوابطها المقررة.

ومن الأمور التي فرضت نفسها على من يتصدون للفتوى في زمننا هذا جملة من النوازل السياسية المعاصرة، مع ما يصاحبها من تحولات كبرى، وتعقيدات جمة، مع ندرة الفقه السياسي في تراثنا بسبب التهميش الذي تعرض له أهل القرآن منذ افتراق السلطان والقرآن، بعد انتهاء زمن الخلافة الراشدة، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله وعليه وسلم.

تقديم:

لقد عرف العلماء – رحمهم الله تعالى – الفقه بأنه العلم بالأحكام الشّرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية[1]، ومن هنا نعلم أن الفقه هو الأحكام الشرعية الخمسة، من واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح، فما من قول أو فعل يصدر من إنسان مكلف إلا وله حكم شرعي، وهي أحكام تؤخذ من الأدلة التفصيلية، ولأن الأدلة التفصيلية محصورة، وما يصدر عن الإنسان ليس بمحصور، فإن صدور أي فعل أو قول أو حدث يستوجب حكما شرعيا دون أن يكون هذا الحكم معروفا من قبل هو ما يسمى بالنوازل التي تستدعي من المجتهد بذل الوسع في استنباط أحكام شرعية لكل نازلة جديدة.

وقد ظهر في العصر الحديث كثير من النوازل السياسية التي استدعت استنباط أحكام شرعية لها، فتعددت الفتاوى حول النازلة الواحدة وتضاربت في ظل غياب العمل المؤسساتي والاجتهاد الجماعي، بل في غياب منهج واضح ورصين لاستنباط الأحكام الشرعية المناسبة لهذه النوازل، مما يستدعي من أهل العلم والتقوى التوقف للنظر في أسباب التضارب بين هذه الفتاوى للدرجة التي تثير الاضطراب والفوضى في أفهام وعقول طلبة العلم وعامة المسلمين.

إن هذا البحث يروم الإجابة عن بعض الإشكالات المطروحة آنفا وفق منهج علمي يزاوج بين الوصف والتحليل والنقد، وصولا لاقتراحات تتوخى الخروج من التيه وتنظيم العمل العلمي الاجتهادي وفق ضوابط ترشده وتسدده ليكون أقرب إلى المقاصد الشرعية والمصلحة الاجتماعية.

وللوصل للغاية السابقة جاء هذا البحث مصمما من مقدمة، وتمهيد، وثلاث فصول، في كل فصل عددا من المباحث، وخاتمة.

مدخل:

نزل بالمسلمين – عبر تاريخهم الممتد على مدى أربعة عشر قرنا ونيف – نكباتٌ وفتن كثيرة، ولكن أخطرها نكبتان عظيمتان، مازالت الأمة تعاني من آثارهما السلبية إلى اليوم.

الأولى: هي نكبة الانكسار التاريخي الذي حول الحكم الإسلامي من خلافة على منهاج النبوة كانت السيادة فيها للدعوة، وكانت الدولة خادمة لها ومدافعة عنها، إلى ملك عاض أصبحت السيادة فيه للدولة، تستخدم الدعوة متى تشاء، وبالشكل الذي تشاء، وتهمشها حين تشاء.

الثانية: نكبة الاستعمار الخارجي الذي احتل الأرض، وأزهق الأرواح، ولم يخرج إلا وقد أوجد البيئة المناسبة لظهور فئة مغربة، تقود الأمة إلى حيث يريد المستعمر الغربي على كل المستويات، السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية.

هاتان النكبتان كلاهما اتفق في إبعاد العلماء عن دوائر الحكم ومجالاته، وتهميش دورهم على مستوى تدبير شؤون الدولة، تنظيرا، وممارسة، ولذلك نجد في تراثنا الفقهي ندرة فيما يتعلق بأحكام السياسة، بالمقارنة مع التضخم في أحكام الطهارة، والصلاة… مع ضرورة التنبيه إلى أمرين اثنين:

1- أن علمائنا في زمن الملك العاض كانوا دائما على استعداد لإقامة الحق، يلاحظ ذلك في ثنايا كلامهم ” ومن يقرأ ما بين السطور يدرك تحت كلمات )المكنة( و )العجز( و)القدرة( و )حسب الإمكان( طلبا دائما للحق لم يستقل علماؤنا عنه، لكن أوقفهم عنه واقع حكم عاض له عصبية بها يقوى وليس مع العلماء قوة منظمة [2]“.

2- أن غياب العلماء بعد الاستعمار كان أشد وضوحا، بسبب إبعاد الشريعة عن الحياة العامة، فقد كان العلماء قبل الاستعمار حاضرين على الأقل في القضاء، والشورى، والفتوى، أما بعد الاستعمار فقد خرجنا من دائرة الملك العاض الذي كان يمثل شوكة الإسلام، إلى الملك الجبري الذي لم يعد يخفي عداءه للدين وأهله وإن تمسح به أمام الناس نفاقا وتملقا.

وقد استمر هذا الوضع إلى أن جاءت الصحوة الإسلامية حيث بدأ الناس ببركتها يعودون لدين الله أفواجا، ويرفضون كل المـِلل والنحل التي تعادي الدين، أو ترفضه، مما حد  كثيرا من قدرة خصوم الدين على المجاهرة بمعارضتهم لأحكام الدين، وأصبح كل صاحب نحلة كالاشتراكية والرأسمالية… يبحث لها عن مستند من داخل الحقل الإسلامي، كما أصبح الحكام في حاجة ماسة إلى توظيف العلماء للحصول على الشرعية السياسية.

كما أن الواقع تطور بشكل كبير جدا، ولم يعد الحكم بتلك البساطة التي كان عليها، وأصبحت النوازل السياسية المعاصرة تشهد نوعا غير مسبوق من السيولة، مما أدى إلى كثير من الضبابية في الفهم، والاضطراب في التنزيل، لأسباب متعددة.

وهكذا ظهرت بعد الاستقلال الصوري الذي حصلت عليه أغلب الأقطار الإسلامية جملةٌ من التحديات، أهمها: الدولة الوطنية، شرعية الحاكم الدينية والسياسية، الديمقراطية، الانتخابات، مشاركة المرأة السياسية، الحرية، الخروج على الحكام والتظاهر ضدهم لتحقيق مصلحة عامة أو مكاسب فئوية….

وسأذكر هنا بحول الله تعالى أربعة نماذج على سبيل التمثيل، قبل أن أتحدث عن أسباب اختلاف العلماء في التعامل مع النوازل السياسية المعاصرة، هذه الأسباب الناتجة عن معضلات في الفهم، والآيلة لمزالق في التنزيل.

الفصل الأول: نماذج من النوازل السياسية المعاصرة

المبحث الأول: الدولة الوطنية

عرف المسلمون الانقسامات الجغرافية لأسباب سياسية منذ النصف الأول من القرن الهجري الثاني عندما قامت الدولة الأموية بالأندلس، ثم الدولة الإدريسية بالمغرب الأقصى، ثم ازدادت الانقسامات واستفحلت مع توالي الأيام، حتى أصبحت تصنع بتوجيهات مباشرة من المستعمر الغربي[3].

وهكذا انتقلنا من التقسيم الثنائي المعتمد عند الفقهاء عندما قسموا العالم إلى قسمين: دار حرب، ودار إسلام، إلى دول وطنية كثيرة لا يربط بينها رابط، وأصبحت الدولة الوطنية حاكما على تصرفات المسلمين، ولها مؤسسات علمية تضم ” علماء” تجيشهم في كل مناسبة للترويج لأمور قد لا تصح شرعا، ويعتمدون في ذلك على تأويل نصوص شرعية تأويلا باطلا، أو بإيراد نصوص لا تصح، كحديث ” حب الأوطان من الإيمان الموضوع.

فالولاء للوطن لا لله، والنصرة لأبناء الوطن حتى ولو كانوا يهودا أو نصارى لا لأبناء العقيدة الإسلامية، حتى أصبح من المسلمات عند الناس أن الدين لله والوطن للجميع، شعارهم قول شاعرهم:

هبوني عيداً يجعل العرب أمة***وسيروا بجثماني على دين بَرْهَم

سلام على كفر يوحِّـد بيننا***وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم

وبقول آخر:

لا تسل عن ملتي أو مذهبي***أنا بعثي اشتراكي عربي

بل أصبح المسلمون يقتل بعضهم بعضا من أجل حدود صنعها المستعمر، وأصبحت الشهادة في سبيل الوطن من جلائل الأعمال حتى ولو بسفك دم مسلم بغير وجه حق، وهي عصبية ممقوتة شرعا، ولم تجلب سوى الخراب واقعا، كما أنها أمر دخيل على ثقافة المسلمين، فعن جبير بن مطعم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ” ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية [4]

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كنا في غزاة – قال سفيان: مرة في جيش – فكسع رجل من المهاجرين، رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ” ما بال دعوى الجاهلية ” قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال: ” دعوها فإنها منتنة [5].”

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل، فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي، يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه [6]“.

وفي نفس الباب عن ابن عمر قال : ” طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القصواء يوم الفتح، واستلم الركن بمحجنه، وما وجد لها مناخا في المسجد حتى أخرجت إلى بطن الوادي، فأنيخت، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال : ” أما بعد، أيها الناس، فإن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، يا أيها الناس، إنما الناس رجلان، بر تقي كريم على ربه، وفاجر شقي هين على ربه “، ثم تلا: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا حتى قرأ الآية، ثم قال: ” أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم [7]“. “وكل حكم يعتمد على السيف فهو عصبية. وكل طاعة لغير أهل الشورى فهو انضواء تحت راية عمية [8]“.

أما عندما يُقتل المسلمون في بلد ما، كفلسطين، أو العراق، أو سوريان أو ليبيا…فإن المسلمين في الأقطار الإسلامية الأخرى يتحولون في أحسن الأحوال إلى جمهور عريض يتابع هذه الأحداث الجسام، دون أن يحرك ساكنا، مع العلم أنه من المقرر عند الفقهاء أن” الْعَدُوَّ إذَا فَجَأَ مَدِينَةَ قَوْمٍ مَثَلًا، فَيَتَعَيَّنُ – الجهاد – عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ كَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، فَإِنْ عَجَزُوا عَنْ الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ الْعَدُوَّ [9]“،  وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره التقوى هاهنا ” ويشير إلى صدره ثلاث مرات ” بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه [10]“.

ورغم أن هذه الانقسامات – التي لم تتوقف عند الانقسام الجغرافي بل تعدته إلى اختلاف القلوب –  تتعارض مع ما كرسته الشريعة المحمدية من وحدة الأمة، ” إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[11] وعدم جواز ” تعدد السلطان “[12] ، في بلاد الإسلام،”إذ لو تعدد الرؤساء في الأصقاع والبقاع لأدى إلى منازعات ومخاصمات موجبة لاختلال أمر النظام[13]” مع اعتبار  أن ” جميع بلاد الإسلام كالبلد الواحدة[14]” فإن الواقع فرض نفسه بقوة، وأصبح الحديث عن المواطنة، وعن الدولة الوطنية من لدن العلماء وعن ” بيعة ” الحاكم “الشرعية” في هذا القطر أو ذاك أمرا مستساغا، وكأن الشرع لم يرد بغير هذا. بل أصبح الحديث عن عكسه أمرا شاذا، يستحق صاحبه أن ينعت بأقبح النعوت، كالخوارج، وعدم الوطنية، وأصحاب الفتن، أو أصحاب الفتاوى الشاذة…

إن هذا الواقع يفرض على العلماء جملة من التحديات، بدءا ببيان الحق للناس، وعدم تسويغ ما لا يسوغ شرعا، إلى العمل بجد على تغييره واستبداله بواقع جديد، يرضاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وينعم فيه المسلمون بالوحدة، والحرية، والعدل، ليتأتى لهم حمل رسالة الإسلام للعالمين، فالبشرية اليوم في أمس الحاجة إلى الدعوة المحمدية بما تتضمنه من عدل، ورحمة، ورفق، ومحبة، وهداية.

المبحث الثاني: الديمقراطية

لقد عانا المسلمون على مدى قرون طويلة من الاستبداد السياسي، لأن الحرية والعدل في بلاد المسلمين كان عمرهما قصيرا، فعن سعيد بن جمهان، عن سفينة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ” الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا “، قال: أمسك خلافة أبي بكر رضي الله عنه سنتين، وعمر رضي الله عنه عشرا، وعثمان رضي الله عنه اثنتي عشرة، وعلي رضي الله عنه ستا. قال علي بن الجعد: قلت لحماد بن سلمة: سفينة القائل: أمسك؟ قال: ” نعم [15]“.

فبمجرد تحول الخلافة الإسلامية إلى ملك عاض على يد معاوية ابن أبي سفيان – رضي الله عنه – بدأ زمن الردة السياسية، الذي فشلت الأمة الإسلامية في التصدي له كما تصدت للردة الدينية أيام أبي بكر – رضي الله عنه -، وأصبح توارث الحكم أمرا قائما لا يستطيع أحد إنكاره، فكلما مات حاكم ورث الأمة لابنه الذي قد لا يكون ناهز الحلم، وكأن الأمة قاصر لا تستطيع تدبير أمرها، بل كأنها أمة عقيم لا تستطيع أن تلد من يقوم بأمرها أحسن قيام !!!.

‏ وبذلك وقع ما حذر منه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فيما رواه مالك بن ظالم قال : سمعت أبا هريرة يقول لمروان بن الحكم: حدثني حبيبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق: ” إن فساد أمتي على يدي أغيلمة سفهاء من قريش [16]“.

ثم جاء الاستعمار الغربي فتحول الملك العاض ملكا جبريا، كما أنه تفوق على الملك العاض في القمع والاستبداد والفساد، بل تعدى كل ذلك إلى التآمر[17] مع العدو على مصالح المسلمين، ودمائهم، وبلدانهم، ومع ذلك وجد الملك الجبري من العلماء من يعطيه الشرعية، ويدعو إلى طاعته، مستدلا بجملة من النصوص الشرعية يعرضها – معرضا عن غيرها – مبتورة من السياق، محرفة في التأويل كقوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [18]“، ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة[19]“. وفي رواية المستدرك عن العرباض بن سارية، قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا : يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: ” أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن أمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة[20]“.

وعن أبي سلام، قال: قال حذيفة بن اليمان: قلت : يا رسول الله، إنا كنا بشرٍ، فجاء الله بخير، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال : ” نعم “، قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال : ” نعم “، قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: ” نعم “، قلت: كيف؟ قال: ” يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس “، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله، إن أدركت ذلك ؟ قال: ” تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع[21]“.

هذه بعض أدلتهم التي يبنون عليها الموقف الناكص عن حقيقة أن الإسلام دين العدل، والحرية، وأن البيعة الشرعية هي عقد شرعي بين الحاكم والمحكوم، يُلزم الثاني بالسمع والطاعة، كما يُلزم الأول بإقامة الدين، وإعطاء الحقوق، والاحتكام إلى الشورى، جعل أجيالا من شباب المسلمين ترى أن الدين أفيون الشعوب، وأن الخلاص من هذا الاستبداد المتسربل بسربال الدين، لن يكون إلا بترك الدين إلى غيره من الإيديولوجيات البشرية، ” كالليبيرالية، والاشتراكية، والديمقراطية”، التي تضمن للإنسان كرامته وحريته.

ولما وردت فكرة الديمقراطية إلى بلاد المسلمين وافدة من الغرب، انقسم الناس حولها طرائق قددا، فذهب قوم إلى أنها الشورى – التي جاء بها الإسلام – عينها، ولم يفرقوا في ذلك بين الشكل والمضمون، بل دعوا إليها بعجرها، وبجرها.

وذهب آخرون إلى أن الديمقراطية تناقض الإسلام، وأنها الكفر عينه الذي لا يجوز القول به، أو الدعوة إليه، إذ لا شك عندهم ” في أن النظم الديمقراطية أحد صور الشرك الحديثة في الطاعة والانقياد، أو التشريع، إذ تلغي سيادة الخالق – سبحانه وتعالى –  وحقه في التشريع المطلق وفي توجيه الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا، وتجعلها من حقوق المخلوقين [22]“، لأن من أركان الديمقراطية التي تتعارض مع الدين:

1- سيادة الشعب، بمعنى أن الشعب فوق السلط الثلاث، التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، فالشعب هو المشرع، وهو المنفذ، وهو القاضي، وبالتالي ف” أين الله ورسوله؟ !!غير موجودين…[23]“.

2- الحقوق والحريات مكفولة، ” فكل واحد حر، ففي النظام الديمقراطي حرية الردة مكفولة، ينتقل بين الأديان كيف شاء، ويسب ويلعن القرآن والسنة كيف شاء تحت مظلة القانون الديمقراطي، وفي النظام الديمقراطي تحمل المرأة من سفاح فحريتها مكفولة، وفي النظام الديمقراطي لادين ولا رجولة ولا أنوثة لا مسلم لا كافر لا بوذي لا شيء يمس الدين كلهم سواسية[24]“.

فالفريق الأول دفعه إلى القبول بالديمقراطية كما هي كراهيته للاستبداد، ومعاناته الطويلة مع القهر، والردة السياسية، ومدافعته لحكام الاستبداد، ومن انضوى تحت لوائهم من “علماء” السلطة، الذين يسوغون للحكام كل قبيح، ويتهمون كل معارض للظلم بالمروق من الدين، والتنكب عن سبيل الصالحين.

أما الفريق الثاني فإنه يقر بوجود بعض المزايا للديمقراطية مثل توافر الحريات الأساسية، ووجود انتخابات حرة ونزيهة، ووجود تعددية سياسية، والفصل بين السلط، وسيادة القانون، ولكن هذه المزايا يفسدها ويجعلها غير ذات قيمة سيادة الشعب، مما يدفعه إلى رفضها جملة، ودون البحث الجاد عن بديل، ليبقى البديل هو سيادة الحاكم المستبد، الذي يستخف بالدين عندما يروج على لسان “علماء” السلطة أن له شرعية دينية، وأن طاعته واجبة بنص القرآن والسنة، ويستخف بالناس عندما يلهيهم بانتخابات شكلية مزورة ومتحكم في نتائجها، فيضحك على أهل الدين “بالدين”، وعلى أهل الديمقراطية “بالديمقراطية”.

وهناك فريق ثالث يميز في الديمقراطية بين الشكل، والمضمون، فلا يرى مانعا ” من اقتباس آليات وحكمة وترتيبات وإدارة وأشكالا مؤسساتية من الديمقراطية المتطورة [25]“، بشرط أن نقتبس من هذه الأليات، ” ونحن ذاتنا وروحنا وعقلنا منا لا من غيرنا [26]“. بمعنى أن لا نتأثر على مستوى الروح والمضمون، فنصبح نسخة ممسوخة من الحضارة الغربية، بل نستفيد من تلك الحضارة، ” بعين ناقدة نستفيد من كتاب الله المبسوط في الكون لكل قارئ آيات الله، وبلاء الله العباد، وسنة الله في العباد [27]“.

المبحث الثالث: الانتخابات

الانتخابات أُسْلوبٌ ديمُقْراطِيٌّ يَخْتارُ بِهِ الشَّعْبُ نُوَّاباً عَنْهُ لِيَتَكَلَّمُوا باسْمِهِ وَيُدافِعُوا عَنْ مَصالِحِهِ، ولعل هذه النسبة الديمقراطية للانتخابات هي التي جعلت بعض الناس يرفضونها ويحتجون لذلك بقوله تعالى: “وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً [28]“، وقوله تعالى: “لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [29]“. وغيرها من النصوص الشرعية التي تبدو بعيدة عما يراد منعه بها، فما أبعد الدليل عن الدعوى، إلا أنهم ومع هبوب رياح الربيع العربي عادوا للقول بجواز المشاركة في الانتخابات، بل منهم من نزل وشارك ناخبا أو مرشحا.

وهناك من جوز المشاركة في الانتخابية بعد أن حاول إعطائها تكييفا شرعيا، إلا إنهم اختلفوا في تكييفها على قولين:[30]

1- أنه تزكية وشهادة، فهو شهادة من الناخب بصلاحية المرشح للولاية، وإلى هذا ذهب كثير من المعاصرين. وقد اُعترض هذا القول من وجوه منها: أنه يترتب على القول بأن الانتخاب شهادة عدم قبول شهادة النساء، واشتراط نفس الشروط المطلوبة في الشاهد كالعدالة والعلم….

2-  أنه وكالة، فالانتخاب توكيل من الناخب للمرشح لينوب عنه في ممارسة الولاية، وإليه ذهب بعض المعاصرين. وقد اعتُرض على هذا القول أيضا بكون الانتخاب مخالف للوكالة من وجوه، أهمها، عدم إمكان المنتخِب عزل المنتخَب، وكون الوكالة تكون شخصية وهذه عامة…

وقد ذهب الأستاذ فهد بن صالح إلى كون الانتخاب ليس بشهادة ولا وكالة بل هو: ” اختيار وإرادة من الناخب للمرشح الذي يريده [31]“.

إلا أن تجويز العلماء للمشاركة الانتخابية جاء عبارة عن فتوى عامة لا تراعي خصوصيات الأقطار الإسلامية، مما ترتب عليه عدم اعتبار المآل، وأدى إلى ضياع كثير من الأموال والجهود دون طائل، فنحن نرى الانتخابات تجرى في غالب بلاد المسلمين بين فترة وأخرى، يُستدعى إليها بعض الفضلاء ليكونوا جزء من الديكور الديمقراطي دون أن يمكّنوا من أي حكم حقيقي يؤدي إلى تغيير واقع الناس، وتحقيق مصالحهم، وإصلاح أحوالهم.

المبحث الرابع: الخروج على الحكام والتظاهر ضد سياساتهم

لقد “أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء[32]“، وهكذا عاش المسلمون قرونا طويلة تحت حكم استبدادي وملك عضوض، ثم جبري، لا يعرفون غيره، حتى ألفته النفوس، وتقبلته العقول، حتى كأن الإسلام لم يأت بغيره، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال فيما رواه أحمد عن نافع، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره، ثم يأتي الله بالعدل، فكلما جاء من العدل شيء، ذهب من الجور مثله، حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره [33]“.

وقد كان المسلمون الأوائل يقومون بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى قال الحسين بن علي رضي الله عنهما لمعاوية ابن أبي سفيان: ” ولا أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة[34]“، وخرج بنفسه ضد يزيد بن معاوية حتى قتل، وخرج عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما على عبد الملك بن مروان حتى قتل وصلب، وخرج سعيد بن جبير على الحجاج، ومثل هذه النماذج أكثر من أن تحصى.

إلا أن هذا الخروج المتكرر كان دائما يحقق نتيجة واحدة متكررة، هي سفك دماء هؤلاء القائمين على الظلم وبقاء الظالم كما هو، بل ربما تضاعف ظلمه وتطاول فساده واستبداده، مما دفع عددا من العلماء – من باب الموازنة بين المصالح والمفاسد أو بفهم خاص للنصوص النبوية التي تأمر بالطاعة – إلى القول بعدم جواز الخروج على الحكام ولو كانوا فاسقين، ” ما أقاموا الصلاة، سدا لذريعة الفساد العظيم والشر الكثير بقتالهم كما هو الواقع، فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه[35]“.

وقد توارث أغلب الناس هذه الفتاوى، فأصبح المتغلب بالسيف إماما بالنص، لا يجوز الخروج عليه، وأصبح له علماء يروجون وجوب طاعته، وعدم جواز الخروج عليه، وضرورة الصبر على ظلمه وفساده.

ولئن كانت هذه المواقف سائغة في زمن ابن القيم وغيره من العلماء الذين أفتوا بفتاوى في هذا الشأن السياسي تناسب الواقع الذي كانوا يعيشون فيه، فإن هؤلاء العلماء أنفسهم يرون أن “الفتوى تتغيَّر بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال وذلك كله من دين اللَّه[36]” وبذلك ألقوا المسؤولية على عاتق من يأتي بعدهم أن ينظر لدينه حسب قدرته، وبالنظر لزمانه وأحواله، لا أن يلوك فتاوى من مضى دون إدراك. ولكن طبائع الأشياء واختلاف الإرادات جعلتنا بين من يرى أن طاعة الحاكم الحالي واجب شرعي والخروج عليه حرام، وبين من يرى أن الخط ” السياسي الواضح هو أننا لا نعارض حكام الجبر معارضة الأحزاب على مستوى تدبير المعاش والاقتصاد بل نعصيهم لأنهم خرجوا عن دائرة الإسلام إلا أن يتوبوا توبة عمر بن عبد العزيز[37] “.

ولا يخفى على أحد ان الزمن الذي نعيش فيه مختلف تماما عن الأزمنة السابقة التي صدرت فيها فتاوى عدم جواز الخروج على الحاكم، ولكن لدينا وعاظ لا يفقهون هذه اللغة، ويعيشون في زمن الدولة الإسلامية في العهود الأموية والعباسية، ويستأنسون خطاب الفقهاء في اللحظات السابقة، لتنزيله في العصر الحديث، ولا يلاحظون التغيير الجذري للدولة في البناء الشكلي، وفي المضمون الداخلي. وكل ذلك يتم في غياب العقل الفقهي المقاصدي، فكانت القراءة الظاهرية – بدون فقه المذهب الظاهري – سائدة في هذه المرحلة. فما هي الأسباب التي تؤدي لاختلاف علماء هذا الزمان في أمور قد تبدو بديهية؟.

الفصل الثاني: معضلات الفهم

المبحث الأول: اختلاف فهم المفتين لنصوص الشريعة المتعلقة بهذا المجال.

لقد وصف الإمام الشاطبي – رحمه الله تعالى – الشريعة الإسلامية وصفا – جمع فيه بين جمال النص وعذوبة الأسلوب ودقة التعبير – يبين فيه رفقها بالمنتسبين إليها، وسماحتها وسعتها فقال:” يَنْطِقُ بِلِسَانِ التَّيْسِيرِ بَيَانُهَا، ويعرِّف أَنَّ الرِّفْقَ خَاصِّيَّتُهَا وَالسَّمَاحَ شَأْنُهَا؛ فَهِيَ تَحْمِلُ الْجَمَّاءَ الْغَفِيرَ ضَعِيفًا وَقَوِيًّا، وَتَهْدِي الْكَافَّةَ فَهِيمًا وَغَبِيًّا، وَتَدْعُوهُمْ بِنِدَاءٍ مُشْتَرِكٍ دَانِيًا وَقَصِيًّا، وَتَرْفُقِ بِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ مُطيعا وَعَصِيًّا، وَتَقُودُهُمْ بِخَزَائِمِهِمْ مُنْقَادًا وَأَبِيًّا، وتُسوي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْعَدْلِ شَرِيفًا وَدَنِيًّا، وتُبوئ حَامِلَهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَكَانًا عَلِيًّا، وَتُدْرِجُ النُّبُوءَةَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وتُلبس الْمُتَّصِفِ بِهَا مَلْبَسًا سَنِيًّا، حَتَّى يَكُونَ لِلَّهِ وَلِيًّا؛ فَمَا أَغْنَى مَنْ وَالَاهَا وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا، وَمَا أَفْقَرَ مَنْ عَادَهَا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا [38]“.

هذا الاختلاف الموجود بين الناس طبيعة، والمعبر عنه هنا بالضعف والقوة، والفهم والغباء،… ينعكس قطعا على فهمهم لنصوص الشريعة، فإدراكات المنتسبين للعلم متفاوتة، وقدراتهم على الفهم مختلفة، فكل واحد منهم يفهم من الشريعة بحسب قدرته وطاقته ” لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا[39]“. خصوصا في القضايا السياسية التي أُبعد عنها أهل العلم منذ أن افترق السلطان والقرآن، فأصبحت بذلك حكرا على أهل السيف، بل أصبحت في كثير من الأحيان شأنا عائليا، لهذه العائلة الحاكمة أو تلك.

وسأذكر هنا سببين من أسباب هذا الاختلاف:

الأول: اختلاف قدرات الناس في الفهم والإدراك وحسن التلقي عن الله ورسوله، ونلخص ذلك في واقعة طريفة – وإن كانت بعيدة عن المجال السياسي – بطلها فقيه مالكي، متقد الذهن، حاضر البديهة، فقد ” حَضَرَ ابْنُ رَاشِدٍ دَرْسَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ الْمُدَرِّسُ: الدَّلِيلُ لَنَا عَلَى مَالِكٍ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى حَائِلٍ أَصْلُهُ الشَّعْرُ فَإِنَّهُ حَائِلٌ، فَأَجَابَهُ ابْنُ رَاشِدٍ بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إذَا تَعَذَّرَتْ اُنْتُقِلَ إلَى الْمَجَازِ إنْ لَمْ يَتَعَدَّدْ وَإِلَى الْأَقْرَبِ مِنْهُ إنْ تَعَدَّدَ وَالشَّعْرُ هُنَا أَقْرَبُ وَالْعِمَامَةُ أَبْعَدُ فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى الشَّعْرِ فَلَمْ يَجِدْ جَوَابًا وَنَهَضَ قَائِمًا وَأَجْلَسَهُ بِإِزَائِهِ [40]“.

الثاني: اختلاف إرادات الناس بين قوي طالب للمعالي، متمسك بالعزائم، حاضرٍ في كل هول ينافح بقلمه ولسانه عن دين الله، لا يخاف في الله لومة لائم، كأنه المقصود بقول طرفة بن العبد:

إِذَا القَوْمُ قَالُوا مَنْ فَتَىً خِلْتُ أنَّنِـي *** عُنِيْـتُ فَلَمْ أَكْسَـلْ وَلَمْ أَتَبَلَّـدِ

وبين ضعيف يبتغي السلامة، ويطلب الصلاح بحسب طاقته، لا قدرة له على المواجهة، ولا طاقة له على النزال، كأنه المقصود بقول الحطيئة:

دع المكارم ولا ترحل لبغيتها *** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاســـــي

وسأضرب هنا مثالين يؤكدان هذا الكلام:

1- النموذج الأول يمكن التمثيل له بما ذكره الغزالي في كتابه الإحياء، من ” أن حطيطاً الزيات جيء به إلى الحجاج، فلما دخل عليه قال: أنت حطيط، قال: نعم، سل عما بدا لك فإني عاهدت الله عند المقام على ثلاث خصال، إن سئلت لأصدقن، وإن ابتليت لأصبرن، وإن عوفيت لأشكرن، قال: فما تقول في، قال: أقول إنك من أعداء الله في الأرض تنتهك المحارم وتقتل بالظنة، قال: فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، قال: أقول إنه أعظم جرماً منك وإنما أنت خطيئة من خطاياه، فقال: الحجاج ضعوا عليه العذاب، قال: فانتهى به العذاب إلى أن شقق له القصب، ثم جعلوه على لحمه وشدوه بالحبال، ثم جعلوا يمدون قصبة قصبة حتى انتحلوا لحمه، فما سمعوه يقول شيئاً، قال: فقيل للحجاج إنه في آخر رمق، فقال: أخرجوه فارموا به في السوق، قال: جعفر فأتيته أنا وصاحب له، فقلنا له حطيط ألك حاجة، قال: شربة ماء، فأتوه بشربة ،ثم مات، وكان ابن ثمان عشرة سنة رحمة الله عليه [41]“.

فهذا نموذج لصاحب الإرادة والإقدام، الذي لا يرضى بأقل من أن يكون للشهداء سيدا بقوله كلمة حق عند سلطان جائر.

2- وأما النموذج الثاني فيمكن التمثيل له بما ذكره الشاطبي رحمه الله تعالى من “أَنَّ قَاضِيًا مِنْ قُضَاةِ قُرْطُبَةَ  كَانَ كَثِيرَ الِاتِّبَاعِ لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى، لَا يَعْدِلُ عَنْ رَأْيِهِ إِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، فَوَقَعَتْ قَضِيَّةٌ تَفَرَّدَ فِيهَا يَحْيَى وَخَالَفَ جَمِيعَ أَهْلِ الشُّورَى؛ فَأَرْجَأَ الْقَاضِي الْقَضَاءَ فِيهَا حَيَاءً مِنْ جَمَاعَتِهِمْ، وَرَدَفَتْهُ قَضِيَّةٌ أُخْرَى كَتَبَ بِهَا إِلَى يَحْيَى، فَصَرَفَ يَحْيَى رَسُولَهُ، وَقَالَ لَهُ: لَا أُشِيرُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ إِذْ تَوَقَّفَ عَلَى الْقَضَاءِ لِفُلَانٍ بِمَا أَشَرْتُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَيْهِ رَسُولُهُ وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ قَلِقَ مِنْهُ، وَرَكِبَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى يَحْيَى وَقَالَ لَهُ: لَمْ أَظُنَّ أَنَّ الْأَمْرَ وَقَعَ مِنْكَ هَذَا الْمَوْقِعَ، وَسَوْفَ أَقْضِي لَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: وَتَفْعَلُ ذَلِكَ صِدْقًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ لَهُ: فَالْآنَ هَيَّجْتَ غَيْظِي؛ فَإِنِّي ظَنَنْتُ إِذْ خَالَفَنِي أَصْحَابِي أَنَّكَ تَوَقَّفْتَ مُسْتَخِيرًا لِلَّهِ مُتَخَيِّرًا فِي الْأَقْوَالِ، فَأَمَّا إِذْ صِرْتَ تَتْبَعُ الْهَوَى وَتَقْضِي بِرِضَى مَخْلُوقٍ ضَعِيفٍ؛ فَلَا خَيْرَ فِيمَا تَجِيءُ بِهِ، وَلَا فيَّ إِنْ رَضِيتُهُ مِنْكَ، فاستعفِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ أَسْتَرُ لَكَ، وَإِلَّا رَفَعْتُ فِي عَزْلِكَ”. فَرَفَعَ يَسْتَعْفِي فعُزِل [42]“.

فهذا نموذج للعالم الذي جعل رضى المخلوق عليه مقدم عنده على رضى الخالق، فكيف إذا كان المخلوق المطلوب الرضى حاكما يهاب ما عنده ويرغب. وقد قيل قديما:

وهل أفسد الدين إلا *** ملوك سوء ورهبانها

ومثل هذه النماذج موجودة في كل زمان ومكان، ولكنها في هذا الزمان أكثر وأخطر، لأنها تجمع قلة العلم وقلة الورع والتقوى، نسأل الله العافية.

فالذين يتمسكون بطاعة الحاكم وإن جلد ظهرك وأخذ مالك يعتمدون في ذلك نصوصا شرعية عامة، ذكرت بعضها آنفا، رغم أن الفقه يقتضي استنباط الحكم الشرعي من استقراء النصوص التي تتعلق بالموضوع، أما الأخذ بنصوص شرعية دون أخرى، دون مقتضى شرعي، ولا مرجح مصلحين ولا مقصد أخلاقي، فهو اتباع للهوى المذموم ولو بإشهار نص شرعي يتيم، ومن يفعل ذلك فقد أبعد النجعة، واستدبر الفقه، وأقبل على المخالفة لأمر الله ورسوله.

فينبغي للعالم استقراء النصوص الشرعية قبل استنباط الحكم الشرعي، ومن ذلك استحضار النصوص التي تقيد طاعة الحاكم بالمعروف، فعن علي رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فاستعمل رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب، فقال: أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطبا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارا، فأوقدوها، فقال: ادخلوها، فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضا، ويقولون: فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ” لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف[43].”

واستحضار النصوص التي تحض على النصح للحاكم، فعن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” الدين النصيحة ” قلنا: لمن؟ قال: ” لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم[44]“.

والنصوص التي تجعل الوقوف في وجه الحاكم الظالم، من أفضل الجهاد، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، أو أمير جائر.[45]

بل هناك نصوص تدعوا صراحة إلى قتال الظلمة، بل وتنفي الإيمان عمن لم ينكر منكرهم ولو بقلبه، فعن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل[46]“.

وعنه أيضا رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” سيكون أمراء من بعدي يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لا إيمان بعده[47]“.

فبأي ميزان علمي، أو مصلحي، أو مقاصدي، يتم تجاهل كل هذه النصوص، والتركيز على التي تدعوا للطاعة، مع لي أعناقها، لتظهر وكأنها تدعوا إلى طاعة مطلقة دون قيد أو شرط. إنه غياب فقه الموازنة.

المبحث الثاني: تمسك بعض المفتين تمسكا حرفيا بفتاوى لعلماء أعلام من سلفنا الصالح متعلقة بالشأن السياسي.

لقد قلنا سابقا بأن العلماء الصادقين قديما كانت لهم فتاوى في نوازل سياسية تعالج الأحداث الواقعة بحسب الأزمنة والأحوال، فإجماع” الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء[48]“، كان مبني على قواعد مصلحية ومقاصدية سليمة، فالمتغلب قديما كان مجاهد، وكانت مفاسد الخروج عليه أكبر من المنافع، أما اليوم فقد صار الجهاد تهمة، وطلب الاستقرار تدهورا على كل المستويات[49]، ولو تغيرت أحوال سلفنا الصالح من العلماء لأفتوا بعكس ما ذهبوا إليه سابقا، فلا يليق بنا في الزمن المعاصر أن نتمسك بتلك الفتاوى تمسكا حرفيا، يجمع بين البلادة في الفهم، والعجز في التفاعل مع واقعنا كما هو، فنتكأ كرها أو عجزا على فتاوى من سبق، مسوقين لها على اعتبار أن الإتباع أولى من الابتداع، لنكتشف متأخرين أننا لسنا متبعين لسلف صالح، بل نحن إلى الابتداع أقرب، فالمطلوب في هذا الزمان هو الإبداع، لأن كل المقدمات المنطقية التي بنيت عليها الفتاوى السابقة لم يعد لها وجود، فقديما كان علماؤنا يتحملون كثيرا من الظلم بقصد الحفاظ على بيضة الإسلام، أما اليوم فلم يعد لبيضة الإسلام[50] وجود، فديننا متهم بكل نقيصة[51]، ليس من قبل أعدائنا فحسب، بل من قبل حكامنا، ونخب[52] السوء فينا التي تتبوء أعلى المناصب السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والإعلامية…

ووحدة المسلمين أصبحت أثرا بعد عين، فالحدود المصطنعة أكثر عددا[53] من أهل الخير، والصلاح، والعلم، وإذا كان الاطلاع على تاريخ الأندلس أيام ملوك الطوائف يدمي القلب، فإن الوضع اليوم أشد وأنكى. فأموال المسلمين منهوبة، ودماؤهم مسفوكة، وأرواحهم مزهوقة، وأعراضهم مستباحة. يذوقون من الفقر ألوانا ومن الاستضعاف أهوالا. فماذا بقي لهم ليحافظوا عليه بالتمسك بفتاوى مضى زمانها، ورحل أصحابها وتغيرت ظروف ظهورها؟.

المبحث الثالث: اختلاف نظرتهم لمواقف كثير من السلف الصالح من بعض القضايا السياسية.

تميز الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – عمن سبقوه من الأئمة – أبي حنيفة ومالك والشافعي – بعدم خروجه على الحكام، كما روي عنه – رحمه الله تعالى – أنه قال:” ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما، برا كان أو فاجرا [54]“.

وعلى موقف الإمام أحمد الذي ضرب وعذب فلم يزد على أن أفتى بهذه الفتوى، التي تخول في ظاهرها الإمامة للمتغلب بالسيف برا كان أو فاجرا، عول أغلب من سلك هذا المسلك، كما أنك تجد المنتسبين لمذهبه من أكثر الناس تشددا في موالاة الحكام، وتسويغ أفعالهم.

إلا أن هناك من أعطى لهذه الفتوى تأويلا مختلفا تماما عما ذهب إليه أغلب من اطلع عليها، أو استند في موقفه عليها، ليصبح المعنى ب”لا شك أن شدة كراهته لمنكر المأموم والمعتصم دفعه أن يأمل الخير في قائم “عليهم” بالسيف “برا كان أو فاجرا”. وكأنه رحمه الله لشدة فجور المتسلطين يرى في مجرد الاستبدال خيرا [55]” .

وبهذا يتحول الإمام احمد من داع – عند بعض الناس – إلى الإقرار بإمامة المتغلب بالسيف، إلى محرض على حكام زمانه، يتلمس من يخرج عليهم بالسيف برا كان أو فاجرا، فالتغيير في حد ذاته راحة، حتى ولو كان الحاكم الجديد من طينة المخلوع.

وقد تعددت وتنوعت مواقف الأئمة من الصحابة فمن بعدهم بين مواجهة الطغاة ومنازلة المستبدين، وبين مبايعتهم والسكوت عليهم.

فممن خرج عليهم الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وزيد بن علي، وسعيد بن جبير، ومحمد النفس الزكية، وغيرهم كثير، رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم. فكان في مواقفهم لمن بعدهم إسوة واهتداء.

ومنهم من بايع وسكت كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وابن شهاب الزهري، وغيرهم كثير، فكان في مواقفهم لمن بعدهم حجة.

فاقتدى بعض الناس بهؤلاء، واقتدى آخرون بأولئك، وكل من اقتدى بقوم حاول تأويل مواقف من عارضوهم حتى ذهب ابن العربي في الدفاع عن يزيد – فيما فعله بالحسين وأهله –  مذهبا قصيا عندما قال:”  وما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل، المخبر بفساد الحال، المحذر عن الدخول في الفتن. وأقواله في ذلك كثيرة: منها ما روى مسلم عن زياد بن علاقة عن عرفجة بن شريح قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان “. فما خرج الناس إلا بهذا وأمثاله. ولو أن عظيمها وابن عظيمها وشريفها وابن شريفها الحسين يسعه بيته أو ضيعته أو إبله- ولو جاء الخلق يطلبونه ليقوم بالحق وفي جملتهم ابن عباس وابن عمر لم يلتفت إليهم – وحضره ما أنذر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما قال في أخيه، ورأى أنها قد خرجت عن أخيه ومعه جيوش الأرض وكبار الخلق يطلبونه فكيف ترجع إليه بأوباش الكوفة، وكبار الصحابة ينهونه وينأون عنه؟ وما أدري في هذا إلا التسليم لقضاء الله، والحزن على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقية الدهر. ولولا معرفة أشياخ الصحابة وأعيان الأمة بأنه أمر صرفه الله عن أهل البيت، وحال من الفتنة لا ينبغي لأحد أن يدخلها، ما أسلموه أبدا [56]“.

ويبقى موقف ابن العربي هذا موقفا شاذا مخالفا لما عليه أئمة الهدى والدين كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وقد سمعت من أحد أساتذة التاريخ أن المغاربة كانوا إذا مروا بقبر ابن العربي مروا سراعا، مخافة ان يخسف الله بهم، استعظاما لهذا القول.

الفصل الثالث: مزالق التنزيل.

المبحث الأول: اختلاف المفتين في فهم الواقع المعاصر:

لا يختلف العقلاء أن الوضع السياسي للزمن المعاصر معقد بشكل كبير إلى درجة قد تجعل بعض أحداثه تستعصي على الفهم، فنحن في زمن فتنة واضطراب، كما روي عن محمد بن كعب أنه جاءه رجل، فقال: إنا نجد في بعض الكتب أن لله عز وجل عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس مسوك الضأن من اللين، ويختلون الدنيا بالدين، قال الله: علي يجترئون؟ وبي يغترون؟ بعزتي، لأتيحن لهم فتنة تدع الحليم حيران، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله، ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام [57]“، فإذا أضيف إلى ذلك قلت تعاطي كثير من العلماء لما يتعلق بالسياسة الشرعية، وتعامل بعضهم مع الحكام بحسن نية تصل إلى درجة السذاجة، التي لا تليق بمن يوقعون عن رب العالمين، وهي سذاجة تنتجها أسباب متعددة، منها:

أ- القصور في فهم الواقع وسوء تقدير العواقب، مما يؤدي إلى لوك فتاوى من مضى دون إدراك.

ب- غياب المعلومة الصحيحة التي لا بد مها قبل إصدار الفتوى، بل يزيد الأمر غموضا عندما تصل المرء معلومات مضللة.

ج- الخوف من الحكام ومن بطشهم واتقاء شرهم بسبب ضعف النفس البشرية، إما خوفا على النفس، أو على الرزق…

د- الطمع فيما عند الحكام من أموال يتصرفون فيها بغير حسيب ولا رقيب، عطاء ومنعا، أو مناصب أحدثوها كالإفتاء والمشيخة والعضوية في المجالس، مما جعل بعض المنتسبين لأهل العلم يشتغلون بالتنافس على هذه المناصب بالتزلف للحكام بالباطل، وحتى بالمكايدة بين أهل العلم.

فلا حل لهذا إلا بالاجتهاد الجماعي، الذي يجمع بين المتخصص في علم الشريعة، والمتخصصين في العلوم السياسية والاقتصادية والإعلامية، وغيرها من العلوم الضرورية، في توفير المعلومة الصحيحة لاستصدار الفتوى المناسبة للنازلة محل التدارس.

المبحث الثاني: اختلاف ظروف الأقطار الإسلامية مع نزعة توحيد الفتوى.

تفرق المسلمون طرائق قددا، وأصبح لكل مجموعة منهم دولة وطنية، ونشيدا وطنيا، وعلما وطنيا، وحاكما وطنيا. ورغم تشابه هذه الأقطار في سوء الأحوال إلا أن لكل أهل بلد خصوصيات سياسية، واقتصادية، واجتماعية، ومذهبية، لا ينبغي تجاوزها، وقد كان هذا هو الشأن حتى ظهرت الفضائيات، ووسائل التواصل الاجتماعي، فأصبحتَ ترى المفتي هنا أو هناك يتصل به الناس من كل أنحاء العالم، فيجيب هذا بنفس الجواب الذي أجاب به ذاك، دون مراعاة لخصوصية هذا البلد أو ذاك، مما أدى إلى كثير من الاضطرابات بين عوام الناس، حيث يأخذ هذا بقول القرضاوي، والآخر بقول ابن باز، وكل واحد منهما يرى أنه صاحب الحق المطلق الذي لا يقبل الله غيره.

من ذلك ما وقع قريبا عندما سأل بعض المغاربة الشيخ يوسف القرضاوي على حكم القروض الربوية فأفتى لهم بجواز ذلك، بناء على مذهبه الحنفي، الذي يجوز التعامل بالربا في بلاد الكفر، وبما أنه لا يوجد في المغرب بنوك إسلامية فهو أشبه ببلد الكفر الذي يجوز فيه التعامل بالربا، مما أحدث في المغرب ضجة كبرى لسببين اثنين:

الأول: الفتوى جاءت على المذهب الحنفي بينما المغاربة عبر التاريخ مذهبهم هو مذهب إمام المدينة مالك بن أنس رضي الله عنه.

الثاني: وهو أسوأ من الأول لأن الفتوى جاءت بناء على تشبيه المغرب ببلد الكفر في الوقت الذي يزعم فيه النظام الرسمي أنه النظام الوحيد الذي مازال متمسكا “بإمارة المؤمنين” وب”البيعة الشرعية”.

المبحث الثالث: اختلاف الأنظمة السياسية الحاكمة في بلاد المسلمين ما بين متسامح واستئصالي.

تعدد الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين وتنوعها من الأمور التي تفرض مراعاة خصوصيات كل بلد عند إصدار الفتوى السياسية، فعندما نتحدث مثلا عن المشاركة السياسية أو المنافسة في الانتخابات الرئاسية، أو البرلمانية، أو البلدية، أو الاستفتاءات الشعبية، ينبغي أن نستحضر المآل، وأن نفرق بين الوسائل والمقاصد، فنجاح التجربة التركية مثلا، لا يعني نجاح التجربة المغربية لمجرد تشابه أسماء الأحزاب المشاركة في الحكم، لأن تشابه الأسماء لا يعني بالضرورة تشابه الظروف والأحوال، كما أن الانتخابات مجرد وسيلة، أما المقاصد فهي التغيير والإصلاح، فإذا تعذر تحقيق تلك المقاصد بتلك الوسائل فإن العمل بها مجرد عبث، وأفعال العقلاء تصان عن العبث.

لقد قضينا عقودا ونحن نشاهد كثيرا من الفضلاء يشاركون في الحكم، أو في الانتخابات بناء على فتاوى لمشايخ أفاضل، دون أن يحققوا مصلحة أو يحدثوا تغييرا، بل هم تغيروا، ولمصالحهم حققوا، حتى أدركت الشعوب ما غاب عن النخب العلمية، والفكرية، فجاءت الموجة الأولى من الربيع العربي التي بينت لكثير من الناس ان هذه الأنظمة تستعصي على الإصلاح، لأنها مجرد أنظمة وظيفية تعيش على خدمة المستعمر الأجنبي، واضطهاد الشعوب، والفتك بالمعارضين، ولا أدل على ذلك من وصول كثير من الفضلاء لمناصب عليا فلما استيئسوا من الإصلاح غادروا أماكنهم في صمت أحيانا، وبهمس بهذه الحقائق أحيانا أخرى.

خاتمة:

إن النوازل السياسية المعاصرة كثيرة، ومعقدة، ولا يستطيع المتابع إشاحة نظره عن كثير من المطبات التي يقع فيه كثير من التصدرين للفتوى في هذا الزمن منها:

1- غياب المنهج العلمي الرصين الذي تمثله الأقدمون، والذي يتجلى فيما يلي:

أ- المنهج الاستقرائي الذي يكاد يحيط بالنصوص الشرعية في أي موضوع، قبل التوقيع عن رب العالمين.

ب- الإحاطة بالقواعد الفقهية، والأصولية، والتي تكون حاضرة، ومؤطرة للنظر في النوازل خصوصان والحكم الشرعي عموما.

ج-  حضور النظر المقاصدي الذي يوازن بين المصالح والمفاسد، جلبا ودفعا، تحقيقا للمصلحة، وإبعادا للمفسدة، وتحملا للمفسدة الصغرى اتقاء للمفسدة الكبرى، وعدم الرضى بالمصلحة الصغرى إذا كان بالإمكان تحقيق مصلحة كبرى.

2- الفتنة، بما هي اختلاط بين الحق والباطل، اختلاطا قد يتعذر معه التمييز بين هذا وذاك.

3- تعقد الواقع وتشابك الأحداث، بشكل يجعل نظر العالم الشرعي في استيعابها قاصرا، مما يحتم عليه الرجوع للمتخصصين في شتى المجالات.

وبهذا تتأكد الحاجة إلى إبداع في الاجتهاد، يجمع بين الفهم العميق لمقاصد الشرع الحكيم، والإدراك الدقيق لواقع مضطرب، موار، وهذا أمر يحتاج إلى أفاضل متخصصين في كل المجالات، وإلى نوعية خاصة من المفتين، مما يفرض على المجتمع إنتاج علماء أفاضل، يجمعون بين الربانية، والعلم الشرعي، وسعة الأفق، وفهم الواقع، وقوة الإرادة، والعمل الجماعي المؤسسي، مصداقا لقوله تعالى:” وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[58]“.

  • الربانية: تعني هنا الورع التقوى، والعمل الخالص لله عز وجل دون الخوف من مخلوق، أو الطمع في متاع دنيوي زائل سواء كان مالا أو منصبا.
  • العلم الشرعي: يعني التضلع في علوم الشريعة أصولا وفروعا، والإلمام التام بقواعد بناء الأحكام، ومناهج استنباطها عند علماءنا السابقين – عليهم رحمة الله ورضوانه – لنستنبط أحكاما وفتاوى تناسبنا زمانا وحالا، مع الاستفادة من فتاوى الأقدمين على بصيرة، دون ترديدها ترديدا ببغاويا قد يؤدي إلى عكس المقصود الشرعي في المآل.
  • سعة الأفق: هنا أقصد به هنا أمرين اثنين:

1- عدم التفكير داخل دائرة مغلقة لحزب، أو جماعة، أو قطر من الأقطار، بل كل عمل علمي ينبغي فيه استحضار المصلحة العامة للأمة الإسلامية، دون تمييز، استحضارا يؤدي إلى جودة ترتيب الأولويات، وعدم تقديم المهم على الأهم، أو مصلحة خاصة على مصلحة عامة، أو أمر تكتيكي على أمر استراتيجي.

2- عدم الارتهان لواقع لا تبعث أحداثه المتوالية إلا على اليأس والقنوط، بل ينبغي استشراف المستقبل المشرق بإذن الله تعالى.

  • فهم الواقع: وهو أمر يبدو صعبا وشاقا، ولكنه أمر لا بد منه، وكل فتوى تصدر من شخص أو مؤسسة دون الامتلاك الكافي للمعلومات الضرورية، الصحيحة، فقد ينتج كوارث لا تحمد عقباها، ويبقى توفيق الله جل وعلا هو المعول عليه.
  • قوة الإرادة: وهو أمر ضروري لأن المجتهد الضعيف قد يورد الناس موارد السوء بحسن نية، – وقصة ابن مفلح الحنبلي مع تيمور لينك شاهدة على ذلك -، فاجتناب الإرادة القاعدة، وكذلك المتهورة، من أسباب النجاح والفلاح في الدين والدنيا.
  • العمل الجماعي المؤسساتي: وهو أمر لا بديل عنه في هذا الزمان، فالزمن الذي كان فيه فرد واحد يتصدى للفتوى قد ولى، كما أن تعقد المسائل المطروحة يحتاج إلى خبرات متعددة، تجعل العمل المؤسسي ضرورة شرعية، وحاجة واقعية، وقد تأخر كثيرا وجود مؤسسات علمية تتوفر في المنتسبين إليها الشروط الضرورية، وتعمل بضوابط صارمة، وحتى تجربة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين – ومع ضرورة التنويه بها – فإنها تعاني من اختلالات متعددة.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

لائحة المصادر والمراجع:

  • القرآن الكريم.
  • إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، المكتبة العصرية، بيروت، الطبعة الخامسة، سنة 0
  • إعلام ا موقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية، دار ابن الجوزي، الرياض، الطبعة الأولى، سنة 1423 ه.
  • الانتخابات وأحكامها في الفقه الإسلامي، فهد بن صالح بن عبد العزيز العجلان، دار كنوز اشبيليا للنشر والتوزيع، الرياض، سنة 1429 ه.
  • الجامع للحديث النبوي ” قرص مدمج”.
  • حاشية العدوي، علي الصعيدي العدوي المالكي، تحقيق أحمد حمدي إمام، مطبعة المدني، مصر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1989.
  • حاشية العطار على جمع الجوامع، لحسن العطار، دار الكتب العلمية، بيروت.
  • رجال القومة والإصلاح، عبد السلام ياسين، دار لبنان للطباعة والنشر.
  • شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني، تحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1998.
  • الشورى والديمقراطية، عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، سنة 1996.
  • العلمانية، الليبرالية، الديمقراطية، الدولة المدنية في ميزان الإسلام، جمعية الترتيل للخدمات الثقافية والدينية، الطبعة الثالثة.
  • العواصم من القواصم، ابن العربي، تحقيق الدكتور عمار طالبي، مكتبة دار التراث، القاهرة.
  • فتح الباري لابن حجر العسقلاني، المكتبة السلفية.
  • المنهاج لنبوي، عبد السلام ياسين، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، سنة 1989.
  • الموافقات، لأبي إسحاق الشاطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 2004.
  • مواهب الجليل، الحطاب، دار الرضوان للنشر، نواكشط، الطبعة الأولى، سنة 2010.
  • الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، إشراف وتخطيط ومراجعة د. مانع بن حماد الجهني، دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الرابعة، سنة 1420 ه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – حاشية العطار على جمع الجوامع، لحسن العطار، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 1، ص 57 – 59.

[2]  العدل، عبد السلام ياسين، الطبعة الأولى، سنة 2000، ص 5.

[3] – وخير شاهد على ذلك اتفاقية سايكس بيكو.

[4]  سنن أبي داود  – كتاب الأدب أبواب النوم –  باب في العصبية حديث:‏4477‏.

‏[5]  صحيح البخاري  – كتاب تفسير القرآن سورة البقرة –  باب قوله : سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم حديث:‏4625

 ‏ [6]  صحيح مسلم  – كتاب الإمارة باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر – حديث:‏3525

 ‏ [7]  صحيح ابن حبان  – كتاب الحج  باب دخول مكة –  ذكر جواز طواف المرء على راحلته حديث:‏3891

[8]  كتاب العدل، عبد السلام ياسين، ص 126.

[9]  حاشية العدوي، علي الصعيدي العدوي المالكي، تحقيق أحمد حمدي إمام، مطبعة المدني، مصر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1989، ج 3، ص 7.

[10]  صحيح مسلم – كتاب البر والصلة والآداب باب تحريم ظلم المسلم  – حديث:‏4756

[11]  سورة الأنبياء، الآية 92.

[12]  حاشية العدوي، ج2 ص 375.

[13]  شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني، تحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1998، ج 5 ص 238.

[14]  نفس المرجع، ص 377.

[15]  صحيح ابن حبان  – كتاب إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة ذكر الخبر الدال على أن الخليفة بعد عثمان بن عفان كان – حديث:‏7053.

[16]  صحيح ابن حبان  – كتاب التاريخ ذكر الإخبار عن وصف أقوام يكون فساد هذه الأمة على أيديهم – حديث:‏6821.

[17] – وهو أمر مشاهد تفضحه الصحافة العالمية، وعلى رأسها الصحيفة الصهيونية يديعوت أحرنوت.

[18]  سورة النساء، الآية 59.

‏[19]  صحيح البخاري  – كتاب الأحكام باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية حديث:‏6743.

 ‏[20]  المستدرك على الصحيحين للحاكم  – كتاب العلم وأما حديث عبد الله بن مسعود – حديث:‏298.

[21]  صحيح مسلم  – كتاب الإمارة باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر – حديث:‏3524‏.

[22]  الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، إشراف وتخطيط ومراجعة د. مانع بن حماد الجهني، دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الرابعة، سنة 1420 ه، ج 2، ص 503.

[23]  العلمانية، الليبرالية، الديمقراطية، الدولة المدنية في ميزان الإسلام، جمعية الترتيل للخدمات الثقافية والدينية، الطبعة الثالثة، ص 23.

[24]  نفس المرجع ص 24.

[25]  الشورى والديمقراطية، عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، سنة 1996، ص 293.

[26]  نفس المرجع و الصفحة.

[27]  نفس المرجع و الصفحة.

[28]  سورة النساء، الآية 140.

 [29]  سورة الفتح، الآية 25.

[30]  الانتخابات وأحكامها في الفقه الإسلامي، فهد بن صالح بن عبد العزيز العجلان، دار كنوز اشبيليا للنشر والتوزيع، الرياض، سنة 1429 ه،  ص 42 وما بعدها.

[31]  نفس المرجع، ص 46.

[32] – فتح الباري لابن حجر العسقلاني، المكتبة السلفية، ج 13، ص 7.

[33]  مسند أحمد بن حنبل  – أول مسند البصريين حديث معقل بن يسار – حديث:‏19839‏.

[34] – تاريخ دمشق لابن عساكر، ج 14، ص 206.

[35]  إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية، دار ابن الجوزي، الرياض، الطبعة الأولى، سنة 1423 ه، ج 5، ص 64.

[36] – إعلام الموقعين لابن القيم، ج 6، ص 114.

[37]  المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، سنة 1989، ص 25.

[38] الموافقات، لأبي إسحاق الشاطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 2004، ص 14.

[39]  سورة البقرة، الآية 286.

[40]  مواهب الجليل، الحطاب، دار الرضوان للنشر، نواكشط، الطبعة الأولى، سنة 2010، ج 1، ص 321.

[41]  إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، المكتبة العصرية، بيروت، الطبعة الخامسة، سنة 200، ج 2، ص 464-465.

[42]  الموافقات، ص 803.

[43] – صحيح البخاري.

[44] – صحيح مسلم.

[45] – سنن أبي داود.

[46] – صحيح مسلم.

[47] – صحيح ابن حبان.

[48] – فتح الباري لابن حجر العسقلاني، المكتبة السلفية، ج 13، ص 7.

[49] – يشهد لذلك الواقع، فالتعليم يزداد ترديا، والصحة تزداد تدهورا، وهكذا كل القطاعات. أنظر التقارير الدولية والمحلية على السواء.

[50] – فدماء المسلمين وأعراضهم واموالهم مستباحة من لدن حكامهم قبل عدوهم، والأخبار الواردة من مصر وسوريا والخليج خير دليل على ذلك.

[51] – وعلى رأسها الإرهاب.

[52] – ولا أدل على ذلك من الحرب المعلنة على البقية الباقية من الدين كالإرث، والسنة النبوية وعلى رأسها صحيح البخاري، وهلم جرا.

[53]  أقول هذا على سبيل المبالغة وإلا فالأمة ما يزال فيها من الخير والفضل والعلم ما يرجى منه كل خير وفي المدى المنظور بإذن الله تعالى.

[54]  رجال القومة والإصلاح، عبد السلام ياسين، دار لبنان للطباعة والنشر، ص 85 – 86.

[55]  نفس المرجع، ص 86.

[56]  العواصم من القواصم، ابن العربي، تحقيق الدكتور عمار طالبي، مكتبة دار التراث، القاهرة، ص 338.

[57]  تفسير سنن سعيد بن منصور  – كتاب التفسير باب تفسير سورة البقرة –  قوله تعالى : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا حديث:‏347.

[58]  سورة آل عمران، الآية 104.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: