فريضة الصيام وفضائلها

التسمية

الصيام والتوبة

حفظ أمانة الصوم

فضائل الصوم

صوم السلف

العوام تسبقنا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

التسمية

يقال للصوم في التوراة: “حُطّةٌ” لأنه يَحُطّ الذنوب. وفي الإنجيل: “طَاب” وهي القربة؛ لأنه يقرب العبد إلى الله عزّ وجلّ. وفي القرآن: شهر رمضان؛ لأنه ترمض فيه الذنوب: أي تحرق؛ أي شهر محرق للذنوب تذوب فيه الذنوب كما يذوب الملح في الماء. فرمضان مصدر رمض إذا احترق. لذلك ارتبط اسم رمضان بداية بزمن وقوعه في الحر فسمي بذلك. ورمضان جمع رمضانات وأرمضاء بوزن أصفياء وأرمضة ورماضين[1].

و حقيقة الصوم هو صوم القلب عن الهمم الدَّنِيَّةِ والأمور الدنيوية، ثم صوم السمع والبصر واللسان عن تعدي حدود ما حرم الله عز وجل، وصوم اليد والرجل عن البطش والسعي في أسباب النهي. فمن صام بهذا الوصف فقد أدرك كنه وعمق الصوم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نوم الصائم عبادة ونفسه تسبيح»[2]. بهذا الحديث يصير المؤمن في كلّ ساعة من نهاره في ذكر الله تعالى. يقرأ القرآن ويذكر الله عز وجل وإن نام أو تنفس، فهو دائم الاتصال بمولاه لا ينقطع أبدا.

الصيام والتوبة

ومثل الصيام مثل التوبة؛ لأن الصبر من أوصافها، وإنما كانت التوبة مكفرة لما سلف من السيئات لأجل أنه صبر على ما سلف من سيء العادات. ثم جزم ترك العود إلى مثل ما سلف بصيانة جوارحه التي كانت طريق المكروهات، لذلك كان الصيام جنة من النار وفضيلة في درجات الأبرار؛ إذا صبر عليه الصائم بحفظ جوارحه من المآثم، فإذا أمرحها في الآثام كان كالتائب المتردد والناقض للميثاق، ولم تكن توبته نصوحاً، ولا كان صومه صالحاً صحيحاً؛ ألا ترى إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الصوم جنة من النار ما لم يخرقها بكذب أو غيبة»[3].

حفظ أمانة الصوم

أمر في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه فليقل: إني صائم»[4]، وقال أيضا: «الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته»[5]؛ فحفظ الأمانة من صيانة الجوارح لقوله صلى الله عليه وسلم لما تلا هذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا[6] ووضع يده على سمعه وبصره فقال: « السمع أمانة والبصر أمانة »[7]، فذلك مجاوز قوله صلى الله عليه وسلم: «فليقل: إني صائم»[8]: أي يذكره الأمانة التي حمل فيؤديها إلى أهلها.

ومن حفظ الأمانة أن يكتمها فإن أفشاها من غير حاجة فهي خيانة، لأن مودعها قد لا يحبّ أن يظهرها، وحقيقه حفظ السرّ نسيانه، وضياع السرّ أن يكثر خزانه. فحقيقة الصائم أن يكون ناسيا لصومه لا ينتظر الوقت شغلا عنه بالوقت.

فضائل الصوم

من فضائل الصوم أن يجتنب من حظوظ هذه الجوارح الشبهات من الأشياء وفضول الحلال، ويرفض الشهوات الداعية إلى العادات، ولا يفطر إلا على حلال متقللا منه؛ فبذلك يزكو الصيام ويكتمل.

ومن فضائل الصيام: التقلل من الطعام والشراب، وتعجيل الفطر وتأخير السحور. والإفطار على رطب إن كان وإلا فعلى ثمرات إن وجدها فإنها بركة، أو على شربة من ماء فإنه طهور الإفطار قبل الصلاة وهي سنة المصطفى « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على جرعة من ماء أو مذقة من لبن أو تمرات قبل أن يصلي»[9].

وفي الخبر: «كم من صائم حظه من صيامه الجوع والعطش»[10]، قيل: هو الذي يجوع بالنهار ويفطر على حرام، وقيل: هو الذي يصوم عن الطعام ويفطر بالغيبة على لحوم الناس، وقيل: هو الذي لا يغض طرفه ولا يحفظ لسانه عن الآثام. فالعبد إذا اغتاب أو سعى في معصية تغضب المولى جل وعلا في ساعة من صومه خرق صومه. ويقال «الغيبة تفطر الصائم»[11]، روي ذلك عن بشر وعن سفيان قالا: “من اغتاب فسد صومه”، وقد روي عن مجاهد أيضا مثل ذلك وزاد فيه الكذب.

وفي الحديث: «من اغتاب خرق صومه»[12] فليرقعه بالاستغفار، ويقال: “إن الله لم يفترض على العبد شيئا فرضي بدونه، وأنه يطالبه بما فرضه عليه ويحاسب على ما أوجبه”، وعفو الله يأتي على كثير من الذنوب. والمراد من الصيام مجانبة الآثام لا الجوع والعطش. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»[13].

وقال صلّى الله عليه وسلم: «من تمسك بست خصال في شهر رمضان غفر الله له ذنوبه؛ أن يحفظ ذنبه، وأن يصون نفسه، وأن يَصِلَ رحمه، ولا يؤذي جاره، ويرعى إخوانه، ويخزن لسانه»، وقال: «من هجم عليه شهر رمضان صحيحا سويا مقيما فصام شهره، وصلى ورده من ليلته، وصلى في جماعة، وشهد الجمعة، وغض بصره، وملك لسانه، وحفظ جوارحه، وبكر إلى عيده؛ فقد صام الشهر، واستوجب الأجر، وأصاب ليلة القدر، ورجع بجائزة الربّ»[14].

صوم السلف

كان السلف يتسحرون بالتمرتين والثلاث، وبالحبات من الزبيب والجرعة من الماء، ومنهم من كان يقضم من شعير دابته التماسا لبركة السحور، ويكثرون ذكر الله عزّ وجلّ باللسان والقلب، ويُقللون ذكر الخلق ويسقطون الاهتمام بهم؛ ولا يجادلون ولا يخاصمون وإن شتموا أو ضربوا؛ لأجل حرمة الصوم ولا يهتمون بعشائهم قبل محل وقته، ويرضون بيسير ما يفطر عليه مما قسم له، ويشكرون الله عز وجل كثيرا عليه.

كان أبو الدرداء يقول: يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يغبنون صوم الحمقى وسهرهم، ولذرة من ذي تقوى ويقين أفضل وأرجح من أمثال الجبال من عبادة المغترين. فكلّ محظور عليك أن تقوم به فمحظور عليك أن تسمعه، وكلّ حرام عليك أن تفعله فمكروه لك أن تنظر إليه أو يخطر ببالك. فقد سوى الله تعالى بين المستمع والقائل بقوله: ﴿ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ[15].

وروى سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أيها الناس قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك عظيم، شهر خير من ألف شهر؛ جعل الله صيامه فريضة وقيامه بالليل تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه في الرزق. ومن فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتقا لرقبته من النار. فقالوا: يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر به صائما؟ قال: يفطره ولو على مذقة لبن أو شربة ماء أو تمر، ومن سقى فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها أبدا. وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، ومن خفّف فيه عن مملوكه أعتقه الله من النار وغفر له، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بها ربكم، وخصلتان لا بدّ لكم منها؛ أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم شهادة أن لا إله إلا الله، والثانية الاستغفار. وأما الخصلتان التي لا بدّ منهما فاسألوا الله الجنة وتعوذوا به من النار»[16].

وقال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصائمين إذا أقاموا من قبورهم تنفح من أفواههم ريح المسك، ويؤتون بمائدة من الجنة فيأكلون منها وهم في ظل العرش»[17]. والصائم إذا أكل عنده فإن أعضاءه تسبح والملائكة تستغفر له.

    العوام تسبقنا

هي مقولة لأحد رجالات الدعوة يصف فئات الصائمين الثلات في رمضان؛ صيام العوام وصيام الخواص وصيام خواص الخواص. فطبعي أن لكل فئة مميزاتها كما في كتب السلف، لكن ما أصبحنا نلحظه في زماننا هو أن من كنا نلقبهم بالعوام في سائر الأيام، في رمضان يصيرون من الخواص؛ فحبّ الشهر العظيم جعلهم يختارون التأدب بآدابه؛ حيث التبكير إلى المساجد وتعميرها بشغف وشوق، وحفظ الجوارح عما يغضب المولى عز وجل، والإكثار من الصدقة وإطعام الطعام…

إذن هو السبق والتسابق في الشهر العظيم قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)[18]. من سيأخذ الجائزة؟؟؟

“فإذا كانت ليلة الفطر سميت تلك الليلة: ” ليلة الجائزة”، فإذا كان غداة الفطر يبعث الله الملائكة في كلّ البلاد، فيهبطون إلى الأرض ويقومون على أفواه السكك، فينادون بصوت يسمعه جميع من خلق الله تعالى إلا الجن والإنس، ويقولون: يا أمة محمد اخرجوا إلى ربكم يعطي الجزيل ويغفر العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله عزّ وجلّ: يا ملائكتي ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ قال: فيقول الملائكة: الهناء وسيدنا جزاؤه أن يوفى أجره، فيقول الله عزّ وجلّ:، أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان، وقيامهم رضاي ومغفرتي، قال: ويقول الله عزّ وجلّ: يا عبادي سلوني؛ فوعزتي  وجلالي لا تسألوني اليوم شيئا في جمعكم هذا لآخرتكم إلا أعطيتكم، ولا لدنياكم إلى نظرت لكم، وعزتي لأسترن عليكم عثراتكم، وعزتي لا أخزيكم ولا أفضحكم بين يدي أصحاب الخدود. انصرفوا مغفورا لكم قد أرضيتموني ورضيت عنكم، فتفرح الملائكة ويستبشرون بما يعطي الله عزّ وجلّ هذه الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان»[19].

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ـ المعجم الوسيط.

[2] – أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (3/415، رقم 3937)، والديلمى (4/247، رقم 6731) .

 [3]- إسناده حسن. سنن الدرامي للدرامي ﴿2/26﴾[ح1732]

 [4]- السنن الكبرى للنسائي ﴿2/91﴾[2526].

 [5]- أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث ابن مسعود في حديث في الأمانة والصوم وإسناده حسن .

[6] – [النساء:58].

 [7]- أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة.].

[8] – مسند الإمام أحمد: ﴿ 2/245 ﴾ح[7336].

[9] ـ أخرجه أبو داود﴿2/85﴾[18082].

 [10]- المعجم الكبير ﴿12/382﴾[ح13413].

 [11]-نصب الراية لأحاديث الهداية للحافظ بن حجر العسقلاني ﴿1/285﴾[ح381].

[12] – أخرجه الديلمي. جامع الأحاديث للسيوطي﴿14/49﴾[ح13763].

 [13]- فتح الباري لابن حجر العسقلاني ﴿2/610﴾[ح1903].

 [14]- خرجه ابن أبي الدنيا في فضائل رمضان ﴿1/23﴾[ح21].

[15] –  [النساء: 140].

 [16]- شعب الإيمان للبيهقي ﴿3/305﴾[ح3608].

[17] – أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع.

[18] ـ سورة الواقعة : 10،11،12.

[19] – شعب الايمان للبيهقي﴿3/335﴾[ح3695].

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. ما شاء الله اللهم أعنا على صيامه و صلاته و قيامه و حسن عبادتك يا ربي جزاك الله ألف خير أستاذة على هذه الكلمات وضحت شتى من الأمور التي كانت غامضة لدي شخصيا😇

  2. جزاك الله دكتورة صوفية علوي مدغري على هذا العمل
    اللهم اعنا على ذكره وشكره وحسن عبادته

  3. اللهم صل على محمد و على آله و صحبه اللهم اقبل منا الصيام و القيام و اجعلنا من عتقائك من النار و اكرم اختي صوفيا و احشرها مع زمرة العلماء الفضلاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: