غزوة بدر

مقدمة:

تعتبر غزوة بدر أول اختبار لقوة المسلمين، بعد هجرتهم إلى المدينة المنورة، وخروجهم لملاقاة جيوش قريش المنتصرة عليهم في مكة.

حدثت هذه المعركة بعد أن أذن الله لعباده بالقتال، ودخول عدد كبير من أهل المدينة في الإسلام بعدم بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على النصرة والجهاد، فحقق الله للمسلمين في هذه المعركة الكبرى انتصاراً عظيماً، قال الله تعالى:” ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  سورة ال عمران 123.

السياق التاريخي:

“…كانت غزوة بدر في اليوم السابع عشر من رمضان للسنة الثانية من الهجرة، وسببها أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب أصحابه للتعرض لقافلة قريش العائدة من الشام إلى مكة، ولم يكن يريد قتالا، ولكن القافلة التي كان يقودها أبو سفيان نجت بعد أن كان أرسل إلى قريش يستنفرها لحماية القافلة، فخرجت قريش في نحو من ألف مقاتل، منهم ستمائة دارع (لابس للدرع) ومائة فرس عليها مائة درع سوى دروع المشاة، وسبعمائة بعير، ومعهم القيان يضربن بالدفوف، ويغنين بهجاء المسلمين.
أما المسلمون فكانت عدتهم ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلا، وأكثرهم من الأنصار، وكان معهم سبعون جملا، وفرسان أو ثلاثة أفراس فحسب، وكان يتعاقب النفر اليسير على الجمل الواحد فترة بعد أخرى، وقبل أن يخوض المعركة، استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه، وخاصة الأنصار، في خوض المعركة، فأشار عليه المهاجرون بخوضها، وتكلموا خيرا، ثم علم الأنصار أنه يريدهم، فقال له سعد بن معاذ وهو سيد الأنصار جميعا: يا رسول الله قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، ما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، وإنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. وقال غيره مثل ذلك، فسر الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك، وقال: سيروا على بركة الله، وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، إما العير وإما النفير، ثم سار الرسول صلى الله عليه وسلم حتى وصل أدنى ماء من بدر فنزل به، فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله! هذا منزل أنزلكه الله تعالى: لا نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فأشار عليه الحباب بن المنذر أن يسير إلى مكان آخر هو أصلح وأمكن للمسلمين من قطع ماء بدر عن المشركين، فنهض الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى وصلوا إلى المكان الذي أشار إليه الحباب بن المنذر، فأقاموا فيه، ثم أشار سعد بن معاذ أن يبني للرسول صلى الله عليه وسلم عريشا وراء صفوف المسلمين، فإن أعزهم الله كان ما أحب، وإلا جلس على ركائبه ولحق بمن في المدينة، فقد تخلف عنا أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا لما تخلفوا عنك، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر أن يبنى له العريش، ولما التقى الجمعان، أخذ الرسول يسوي صفوف المسلمين، ويحرضهم على القتال، ويرغبهم في الشهادة، وقال: “والذي نفسي بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة» ورجع إلى عريشه ومعه أبو بكر، ويحرسه سعد بن معاذ متوشحا بسيفه، وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعاء، ومن دعائه: “اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة (المؤمنون المحاربون) لا تعبد في الأرض” وأطال في سجوده حتى قال له أبو بكر: حسبك، فإن الله سينجز لك وعدك، ثم حمي القتال، وانتهت المعركة بانتصار المسلمين، وقد قتل من المشركين نحو من السبعين، فيهم أشركهم أبو جهل وبعض زعمائهم، وأسر منهم نحو السبعين، ثم أمر بدفن القتلى جميعا، وعاد إلى المدينة، ثم استشار أصحابه في أمر الأسرى، فأشار عليه عمر بقتلهم، وأشار عليه أبو بكر بفدائهم، فقبل الرسول صلى الله عليه وسلم مشورة أبي بكر، وافتدى المشركون أسراهم بالمال…”
السيرة النبوية دروس وعبر، دار الوراق، مصطفى السباعي ص 79/80.

الدروس المستفادة:

  1. التأكيد على مبدأ الشورى وعدم إكراه المسلمين على مواجهة الكفار.
  2. عدم الخوف من العدو رغم قلة العدد…
  3. تحريض المؤمنين لمواجهة الكفار وبث الرعب في قلوبهم….
  4. وضع خطة لمواجهة العدو، واختيار المكان المناسب…
  5. الإيثار والمحبة بين المؤمنين، فقد كان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميليّ النبي صلى الله عليه وسلم في الركوب، فلما كان دورهم في الركوب قالوا له نحن نمشي عنك، فقال: (ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الأجرِ منكما). مسند أحمد، الصفحة أو الرقم: 6/3، صحيح.
  6.  حضور القيادة الربانية في المعركة توجيها وإرشادا وتحفيزا.
  7. حماية القائد ورعايته لأنه رمز القوة في المعركة، بناء العريش للرسول صلى الله عليه وسلم…
  8.  الدعاء وطلب المدد من عند الله، “إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ” الأنفال الآية 9
  9. الإحسان والعفو عند النصر،(قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فداء الأسرى يوم بدر ).قال تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُنْيَا وَاللَهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) )سورة الأنفال: 67(.

خاتمة:

غزوة بدرٍ درس يُجدد في فهمنا وسلوكنا، أنَّ مجد الإسلام لا يكون إلا بإحياء الجهاد في سبيل الله، ورفع راية لا إله إلا الله في جميع الميادين، فما ترك قومٌ الجهاد إلا وسلّط الله عليهم الذلّة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه “كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام ومهما نبغي العزة بغير الإسلام أذلنا الله…”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: