“عطايا الحنان المنان في شهر الرحمة والغفران والعتق من النيران “

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد الصائمين وإمام القائمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

تحل مواسم الخير والبركات على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتتفاوت همم الناس فيها بين الإحجام والإقدام وبين التقاعس والتسابق إلى الخيرات.

من مواسم الفضل هاته شهر خصه الله بمزيد عطايا فكان خيرا من ألف شهر حتى يستدرك المُفَرِّط ويستزيد المجتهد.

فمرحبا سيدنا رمضان جئتنا وقد دار الزمان دورته، دار الزمان والإنسان يفتك بأخيه الإنسان.

مرحبا شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  “1”

1. فضل الصلاة في رمضان:

ينبغي للمؤمن أن ينتهز كل دقيقة ولحظة من هذا الشهر الفضيل فيسارع إلى الطاعات، و يحذر السيئات، فيجتهد في أداء ما افترض الله عليه ولاسيما الصلوات الخمس، فإنها عمود الإسلام وهي أعظم الفرائض بعد الشهادتين، فالواجب على كل مسلم ومسلمة المحافظة عليها وأداؤها في أوقاتها بخشوع وطمأنينة، قال عز وجل “قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ”  “2”.

إلى أن قال عز وجل: ” وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ. أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ . الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” “3”

  وصلاة الفريضة في هذا الشهر الكريم كسبعين فريضة فيما سواه ومن تقرب إلى الله عز وجل بنافلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: “خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخر يوم من شعبان قال: ” يا أيها الناس، إنه قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، فيه ليلة خير من ألف شهر، فرض الله صيامه، وجعل قيام ليله تَطَوُّعًا، فمن تَطَوَّع فيه بخصلة من الخير، كان كمن أدى فريضة فما سواه، ومن أدى فيه فريضة، كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزقُ المؤمن، من فطر صائمًا، كان مغفرةً لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن يُنتَقَصَ من أجره شيءٌ، قالوا: ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم، قال: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائمًا على مذقة لبن، أو تمرة، أو شربة ماء، وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، ومن خفف عن مملوكه فيه، أعتقه الله من  النار.” ” 4 “.

فيجب ان نُقْبِل على الله عز وجل في صلاتنا باطمئنان وخشوع لأن الاطمئنان ركن من أركان الصلاة، لا تصح بدونه، وهو الركوع في الصلاة وعدم العجلة حتى يرجع كل فقار إلى مكانه.

والخشوع تذلل العبد وخضوعه واستكانته بين يدي الله تعالى ومحله القلب.

روى مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَينِ مُقْبِلٌ عَلَيهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة” “5”.

2. فضل الصيام في رمضان:

المقصود بالصيام طاعة الله سبحانه، وتعظيم حرماته، وجهاد النفس على مخالفة هواها في طاعة مولاها، وتعويدها الصبر عما حرم الله، وليس المقصود مجرد ترك الطعام والشراب وسائر المفطرات.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: “حق الصيام هو كف الجسم عن الماديات الممنوعة شرعا، وكذا الجوارح واللسان عن المعاصي، وشغلها بالعبادة لتفضي على القلب روحانية تنسيه أثقال الأرض ليتعلق بمعاني السماء” “6”.

يقول الله عز وجل في الحديث القدسي عن هذا الصيام الكلي في ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قالَ:“قَالَ اللهُ عَزَّ و جَلَّكُل عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ “7”.

من هذا الحديث يتبين أن الواجب على الصائم الحذر من كل ما حرم الله عليه والمحافظة على كل ما أوجب الله عليه، وبذلك يرجى له المغفرة والعتق من النار وقبول الصيام، ويجب أن يكون الصيام إيمانا واحتسابا لا رياء ولا سمعة ولا تقليدا للناس أو متابعة أهل البلد ليكون مغفرة للذنوب، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِر له ما تقدم من ذنبه” “8”.

3. فضل القرآن في رمضان:

يتميز شهر رمضان الكريم عن باقي الشهور بنزول القرآن الكريم فيه جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة هي خير من ألف شهر.

فالقرآن الكريم كتاب الله فينا، كتاب هدى ويقين، ونور وحكمة، هو حبل الله فينا، أُمِر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلاوته وأن يخبرنا بذلك لنتلو القرآن فَيَصِحَّ إسلامنا لقوله عز وجل: ” إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ” “9”.

فحري بالمسلم أن يبذل من أجله ويستغل دقائق عمره لخدمته، ويتميز بعبادته لله به في رمضان لتصلح بذلك كل شؤونه وينال شفاعته يوم القيامة، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “اقرؤا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه” “10”.

وقد كان جبريل عليه السلام يدارس الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن في شهر رمضان فيكون صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة” “11”.

وفي رمضان شهر القرآن تجتمع عبادتان، عبادة الصيام وعبادة تلاوة القرآن وهما تشفعان لصاحبهما يوم القيامة، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  “الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: “فَيُشَفَّعَانِ” “12”.

4. فضل الدعاء في رمضان:

الدعاء عبادة بل هو مخ العبادة وصميمها وذلك ما جاء في حديث الترمذي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدعاء هو العبادة“، ثم قرأ: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنِّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينِ” “13” “14”.

مهجور من هجر باب ربه لا يقرعه، ولا يُنزِل به حاجته، محروم مهدد بغضب الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لم يسأل الله يغضب عليه” “15”.

ودعاء الصائم مستجاب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم” “16”.

وثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: “ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله” “17”.

فإن أفطر عند قوم قال ما رواه أبو داود من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة “18”.

5. فضل الذكر في رمضان:

الذكر هو مجموع العبادات التي تسمو بروحانية العبد وتقربه إلى الله، والدواء والعلاج الذي يطهر به العبد قلبه من معاني الغفلة ويزينه بالإيمان حتى يصبح همه الله عز وجل، به يرقى مسالك الإيمان إذ هو مصبه وملتقى شعبه ومصدر نوره، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت” “19”.

إن ذكر الله في كل الأحوال يحصل ثوابا، ولكن أمرنا أن نعظم شعائر الله لأنها من تقوى القلوب، ومن تمام تعظيمنا لذكر الله أن نذكره ونحن في أحسن أحوالنا، جالسين مطمئنين فهذا أقرب إلى السكينة متحرين أفضل الأوقات، ومنها هذا الشهر الفضيل، حيث يرتبط العبد بذكر الله تعالى ليقترب إلى ربه أكثر، وذكر الله عز وجل هو العبادة الوحيدة التي أمرنا بالإكثار منها قال تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا “20”.

فالله عز وجل لم يجعل للذكر حدا ينتهي إليه، ورمضان فرصة عظيمة للإكثار منه، وفضلا عن الأجور العظيمة المترتبة عليه فإنها عبادة يسيرة ليس فيها كبير جهد أو مشقة تُذكر، فطوبى لمن أشغله ذكر الله عز وجل عن كل ما سواه.

6. فضل الصدقة وإطعام الطعام في رمضان:

شهر رمضان المبارك من أفضل الأوقات للصدقة، حيث فيه عبادة الصيام التي تطهر النفس، وفي رمضان يضاعف الله أجر أعمال الخير أضعافا كثيرة لا يعلمها إلا هو، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سُئِلَ النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ بَعْدَ رَمَضَانَ؟ قَالَ: شَعْبانُ لِتَعْظيمِ رَمَضَانَ قِيلَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: “صَدَقَةٌ فِي رَمَضَانَ   “21”.

وتفطير الصائم في رمضان صدقة، وكذلك له أجر الصائم في صيامه، عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من فَطّر صائما كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا” “22”.

هذه العبارات كلها رموز لمعان عظيمة في شأن التكافل الاجتماعي في هذا الشهر المبارك، حين يعاني الكل مذاق الجوع والظمأ، ويكابد ما يكابده الفقير في السنة كلها، يقترب الشعور من الشعور، ويرق القلب من عمق الإحساس، فتتدفق مشاعر الرحمة والفضل والكرم والتعاون والتآزر، وتأسيس العلاقات الاجتماعية الراشدة.

7. فضل العمرة في رمضان

العمرة في هذا الشهر الكريم تعدل حجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: “جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: حج أبو طلحة وابنه وتركاني، فقال: يا أم سليم إن عمرة في رمضان تعدل حجة معي” “23”.

والخطاب عام لجميع المسلمين كما ذهب إليه العلماء في المذاهب الأربعة وما ذلك إلا فضل من فضائل الله تعالى ونعمة على عباده، بحيث جعل العمرة في رمضان بمنزلة الحجة في الثواب، وذلك لاجتماع رمضان معها وانضمامه إليها.

8. فضل ليلة القدر:

من فضائل هذا الشهر أن الله سبحانه وتعالى خصه بهذه الليلة الكريمة ليلة القدر، ليلة هي خير من ألف شهر، تُغْفَر فيها الذنوب، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه” “24”.

فرصة محددة في شهر واحد، بل في العشر الأواخر من هذا الشهر، محددة في أنها تلتمس في العشر الأواخر من رمضان، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الْتَمِسوها في العشر الأواخر من رمضان” “25”.

عشر ليال فقط يقومها الإنسان لربه، يُغفَر له فيها ما تقدم من ذنبه، أي مكسب وأي ربح، أن يخرج الإنسان في ليلة واحدة مغفور الذنوب مُكَفّر السيئات، هذه هي ليلة القدر التي “تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ” “26”.

ليلة رحمة وليلة سلام شَرَّفها الله وكَرّمَها حيث أنزل فيها أعظم كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أُنزِل فيها القرآن الكريم “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ” “27”.

إن الله سبحانه وتعالى أكرمنا بهذه الليلة لندعو ونتضرع إليه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: “يا رسول الله، أرأيت إن علمت ليلة القدر، ماذا أقول فيها؟ قال: “قولي: اللهم إنك عَفُوّ تحب العفو فاعْفُ عني”  “28”.

9. فضل صلاة التراويح:

صلاة التراويح أو قيام رمضان سنة للرجال والنساء تؤدى بعد صلاة العشاء، وهي من أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه في هذا الشهر قال الحافظ بن رجب: “واعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام، فمن جمع بين هذين الجهادين وُفِّي أجره بغير حساب”.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرّغِب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة فيقول: “من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه” “29”.

والأفضل لمن صلى مع الإمام في قيام رمضان ألا ينصرف إلا مع الإمام، لما رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم “إن الرجل إذا قام مع الإِمام حتَّى يَنْصَرِفَ كَتَبَ الله لَهُ قيام ليلةٍ”  “30”.

10. فضل الاعتكاف في رمضان:

ومن السنة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يعتكِفُ في كلِّ رمضان عَشرةَ أيَّامٍ، فلمَّا كان العامُ الذي قُبِضَ فيه اعتكَفَ عشرينَ يَومًا”  “31”.

والاعتكاف في الشرع “هو لزوم بيت من بيوت الله تعالى لعبادته صياما وقياما، ومناجاته بتلاوة كتابه وذكره عز وجل، والإقبال عليه والإعراض عن مشاغل الحياة الصاخبة تشبها بالملائكة برهة من الزمان”32”.

بالاعتكاف تزكو النفس فتكون قريبة من ربها سبحانه وتعالى فالاعتكاف مقصوده وروحه عكوف القلب على الله سبحانه والاشتغال به وحده سبحانه، والابتعاد عما يفسد القلب من شهوات المطاعم والمشارب، والمناكح، وفضول الكلام، وفضول النوم، وفضول الصحبة وغير ذلك من الأمور التي تفسد القلب وتبعده عن طاعة الله عز وجل.

وفي الختام فقد كانت هذه بعض من عطايا الرحمان في هذا الشهر الفضيل، وإلا فإن عطاياه ومننه لا تعد ولا تحصى، فهذا الشهر محطة ربانية للاجتهاد والتنافس في عمل الخيرات، وفرصة للتوبة والإنابة والصلح مع الله والرجوع إلى الله واللجوء إلى الله.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: “في رمضان تسود روحانية خاصة لولا تحويل الناس لياليه مناسبات للتخمة والعبث، فعلى جند الله أن يحافظوا للشهر المبارك بوظيفته ويستمروا السنة كلها إن استطاعوا على ذلك المستوى من الشفافية مستعينين بصوم الاثنين والخميس، والأيام البيض، ويوم عرفة لغير الحاج، ويوم عاشوراء، والستة من شوال، ويكثروا من صيام شوال والمحرم، وعليهم أن يغنموا يوما في الأسبوع في الأسر للإفطار المشترك رجاء أن يجمع الله شملهم عنده في مقعد الصدق، يفرحون عنده كما يفرحون بالفطر جماعة” “33”.

اللهم وفِّقْنا لصيامه خير صيام، وإحياء ليله بالنوافل والقيام وعمارة أوقاتنا بالقرآن، ووَفِّقْنا اللهم للإكثار من الصدقات، اللهم غَيِّر ما بأنفسنا من وهن وهوان واجعلنا من أهل العزة والإيمان.

الهوامش

  1. سورة البقرة: 185
  2. سورة المؤمنون: 1-2
  3. سورة المؤمنون: 9-10
  4. رواه بن خزيمة في صحيحه، قال فيه الحافظ الترميذي حسن.
  5. رواه مسلم، كتاب الطهارة، رقم:350   
  6. تنوير المؤمنات: ج 1، ص: 273.
  7. البخاري كتاب الصوم رقم: 1904.
  8. البخاري كتاب الصوم رقم: 1901.
  9. سورة النمل: 91-92.
  10. مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها: 798.
  11. البخاري كتاب الصوم، رقم: 1902.
  12. الإمام أحمد مسند عبد الله بن عمرو وابن العاص رضي الله عنهما رقم: 6626.
  13. سورة غافر: 60.
  14. الترميذي، كتاب التفسير، رقم 3247.
  15. البخاري في الأداب المفرد، رقم: 658.
  16. أخرجه البهيقي في شعب الإيمان فضائل الصوم، رقم: 3323.
  17. الأصبهاني في الترغيب والترهيب 1804.
  18. أبو داود، كتاب الأطعمة، رقم: 3854.
  19. البخاري، كتاب الدعوات، رقم 6407.
  20. سورة الأحزاب: 41.
  21. الترمذي 663، قال فيه غريب
  22. الترميذي، كتاب الصيام، رقم: 807.
  23. ابن حبان، كتاب الحج رقم: 3699.
  24. البخاري كتاب الصوم، رقم:1901.
  25. البخاري، كتاب فضل ليلة القدر، رقم: .2021
  26. 26.    سورة القدر:4-5.
  27. سورة القدر:1.
  28. الترميذي، كتاب الدعوات رقم: 3513.
  29. مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، رقم: 759.
  30. الترميذي كتاب الصيام، رقم: 734.
  31. البخاري، كتاب الاعتكاف، رقم 2044.
  32. إتمام المنة، عبد الله التليدي ص: 475.
  33. المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين: ص: 300.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: