طـفـلي يتعلم المشي

ربما وجدتم العنوان مثيرا للضحك، فما المثير في أن يتعلم طفل ما المشي؟ وهل يستحق الأمر كتابة مقال عنه؟ ربما كان تعلم المشي عند الأطفال بالنسبة لغالبية الناس أمرا طبيعيا، “عاديا جدا”. لكن بالنسبة لي فإن تعلم طفلي للمشي كان معجزة إلهية لا أمل من التأمل فيها.  فقد تطوعت في فترة من حياتي للعمل في مؤسسة تعنى بالأطفال المصابين بتأخر ذهني وحركي. خلال عملي في تلك المؤسسة تعلمت بشكل أساسي تقدير إعجاز الله في خلقه للإنسان، ولم أعد أنظر لأي ملكة يمتلكها الطفل على أنها “أمر عادي”. لذلك وجدتني حينما بدأ طفلي يتعلم المشي، أتأمله دون كلل وأنا أرى عموده الفقري يتعود شيئا فشيئا على المرور من وضعية المشي على أربع أطراف للمشي على القدمين. ووجدتني أتتبع خطوات ابني الأولى بانبهار شديد أمام عظمة الله في خلقه.

وشاءت الأقدار أن يوكل إلي في إطار عملي كأستاذة، مهمة تكوين الطلبة الجدد في أسس التعلم الناجح. تفاجأت وأنا أعد محاضرتي، حينما اكتشفت بأن الله قد غرس فينا فطريا كل أسس التعلم. فابني الذي لم يكمل عامه الأول يدرك أن الأساس الأول في عملية التعلم هو حب ما نتعلم. فهو يحب أن يمشي، أن يكتشف في كل يوم أرجاء المنزل الذي يحيا فيه. وكذلك المتعلم، إن لم يكن حب المعرفة في مجال تخصصه هو دافعه، فإن كل الوقت الذي يقضيه في التعلم سيكون عبارة عن جحيم لا يطاق لذلك سيفعل المستحيل ليتهرب من الدراسة.

الأساس الثاني في عملية التعلم هو المثابرة والاستمرارية. ويمكنك أن تتعلم معنى المثابرة بتأمل طفل يمشي خطوتين ويسقط، ويعاود الوقوف ليعاود السقوط، ليقف مرة أخرى بدون كلل أو ملل مثابرا، مصرا على التعلم حتى يأتي ذلك اليوم الذي تثمر فيه الاستمرارية على تعلم المشي دون السقوط بين الفينة والأخرى.

أما الأساس الثالث لعملية التعلم فهو التعلم من الخطأ. فلا وجود لعملية تعلمية دون الوقوع في الأخطاء صغيرة كانت أم كبيرة. ومشكلتنا في ثقافتنا العربية أننا نكره الأخطاء وندفع الأطفال لتجنبها خلال عملية التعلم، وعندما يقعون في الأخطاء، إن لم نلجأ للعقوبة كرد فعل نعتبره أساسيا لتصحيح الأخطاء، فإننا نتفنن في تحسيس الأطفال بأنهم ارتكبوا كبيرة من الكبائر بوقوعهم في الخطأ. فياليتنا نتيح للأطفال الحرية للتعلم من الخطأ، لأن التعلم في هذه الحالة يكون أسرع وأثبت. والدليل بسيط تعلمته مع طفلي الذي يهوى اللعب والمشي فوق السرير. المشكلة أن السرير عال، ومن شدة خوفي عليه من السقوط على رأسه حاولت تعليمه كيفية النزول من السرير على رجليه بدل الارتماء برأسه إلى الأرض لكني لم أفلح. وفي يوم، وفي لحظة غفلة مني، نزل طفلي من السرير إلى الارض مرتميا كعادته برأسه. فكانت السقطة قوية جدا، مؤلمة للغاية. لكن المفاجأة كانت أنه بعد تلك السقطة مباشرة تعلم كيف ينزل من السرير على قدميه ولم يعاود بالمرة النزول بالرأس أولا. تكفل الخطأ المؤلم بتعليمه ما عجزت عن تعليمه إياه وأنا أحاول تجنيبه الألم.

لذلك كانت دعوتي للطلبة ولنفسي وأنا أعرض أسس التعلم الثلاث التي ذكرتها: “فلنكن كالأطفال، لنتعلم بحب، بمثابرة، ولنجعل من أخطائنا سندنا لنرتقي نحو العلا”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: