منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ضوابط المعاملات المالية في الاسلام

0
اشترك في النشرة البريدية

ترتكز المعاملات المالية في الإسلام على قيم عليا وقواعد إسلامية تجعل منه اقتصادا متميزا عن غيره في منطلقاته وطبيعته ووسائله وأهدافه. وبدون أن نتفهم جليا هذه القواعد والقيم الإسلامية الحاكمة فإن أي بحث في الاقتصاد الإسلامي هو ضرب من العبث، لا ينتج أي ثمرة بل قد ينتج ثمرات مرة ضارة من التخبط والتشويش وسوء الفهم.[1]

وعموما هناك عوامل ثلاثة تحكم المعاملات المالية في الإسلام أولها : العامل الاعتقادي  الذي يؤثر في نفسية الفرد وسلوكه، فلا يمكن لأي باحث أن يدرس أي جانب من جوانب النظرية الإسلامية دون أن يحدد الأساس الإعتقادي لهذه النظرية،[2] وثانيها: العامل الأخلاقي الذي يدعم ذلك السلوك عن طريق تدعيم الذات الإنسانية بالضوابط الوجدانية ذات الإمتداد الرقابي على سلوك الفرد، وثالثها: العامل  التشريعي الذي يحكم التصرف السلوكي للفرد في علاقته مع المجتمع. وكل هذه الأسس الثلاث لا يغنى أحدهما عن الآخر ، فالأساس التشريعي يحكم السلوك الظاهري للفرد من حيث علاقته بالمجتمع ، والأساس الأخلاقي يدعم الجانب التشريعي ويحكم البواعث والغايات مما لا يمكن للتشريع أن يصل إليه .

أولا: الضوابط العقائدية

  من أسس العقيدة الإسلامية أن الإنسان كما حمل الأمانة ، أمانة التشريع ، تحمل أمانة الخلافة،  فعليه أن ينقل تطوره وتقدمه وما اكتسبه من خيرات ، وما وصل إليه من علوم إلى خلفه من بعده ، وتحمل أمانة التعمير والإنتاج ، فعليه أن يعمل من أجل الرخاء الإنساني ، ومن أجل سد حاجاته وتحقيق رغباته في إطار التشريع الذي آمن به ، ومن خلال القواعد والأسس التي وضعها الله تعالى لتنظيم مسيرته ، وهي أسس بدأت مع بدء الخليقة ، وتتابعت على يد الرسل صلوات الله وسلامه عليهم رسولا بعد رسول، حتى أتم الله التشريع وأكمله على يد محمد r قال تعالى : )اليوم  أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا( [3] وجعله خاتم  النبيئين فلا رسول بعده ولا نبي قال تعالى : ) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين.( [4]

المزيد من المشاركات
1 من 45

ومن هنا يتبين لنا أن الإنسان في ظل العقيدة الإسلامية هو أمانة ، وهو رسالة ، وهو خلافة ، وهو تعمير وهو عمل وإنتاج ، وهو في النهاية مطالب بكل ذلك ، ومحاسب عليه إن خيرا فخيرا ، وإن شرا فشرا …، وحساب الله يختلف عن حساب المخلوق، لأن حسابه دنيوي وأخروي، عميق يمتد إلى ما لا تكتشفه الحواس ولا تقع عليه الجوارح. ومن هنا يتبين وجود فرق هائل وكبير بين مباحث علم الاقتصاد في ظل الإسلام ، وبين مباحثه في ظل النظم الوضعية.[5]

ثانيا: الضوابط الأخلاقية

البعد الأخلاقي هو الجانب الثاني من الأحكام التي جاء بها الإسلام والتي يتحقق في رحابها شفافية المسلم ، ونقاوته من كل الأدران ، وترقيق إحساسه وشعوره نحو ربه ونحو نفسه ونحو خلق الله أجمعين ، والسمو بفكره وعمله إلى الدرجة التي يحب فيها  للناس ما يحبه لنفسه ، بل إلى درجة أن يؤثر الغير على نفسه وهو في أمس الحاجة إلى ما في يده، قال تعالىٍ : (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).[6]

ومما لا شك فيه أن الجانب الأخلاقي الذي يوجه إليه القرآن الكريم والسنة الشريفة في مواطن كثيرة وبقدر كبير من العناية والاهتمام يمثل أساسا هاما من الأسس التي تقوم عليها النظرية الإسلامية عامة والجانب الاقتصادي منها بشكل خاص . والنظرية التي تعتمد على أساس أخلاقي توفر فرصا للسعادة الإنسانية لا توفرها النظريات التي تقوم على التنافس القهري الذي تقوم عليه النظرية الفردية، أو الحقد الطبقي الذي تقوم عليه النظرية الماركسية.[7]

والمسلم مطالب بالتحلي بمجموعة من الصفات الخلقية نذكر منها الأمانة والصدق والوفاء والرحمة والحياء والتكافل والسخاء والعفة وصلة الرحم وطيب المطعم والمعونة على النوائب والبر بالغير والانفاق في الخير والمساهمة في المعاملة. والدين أمانة والتزام بكل الاسلام، وأخلاق التاجر المسلم وجه من وجوه عبادة الله تعالى، ولذلك أدخلت تجارة المسلمين في الاسلام أكثر الأمم التي أسلمت.ونهى الاسلام عن الطمع وبين أن الغنى الحق هو عدم الاحاجة، بخلاف الطامع الذي هو في حاجة دائمة الى المزيد.   

وعلى الجملة فالقرآن الكريم يخاطب الانسان حيثما كان، ويجمع بين التصديق والعمل والالتزامات القانونية في أخلاق الفرد والدولة والمجتمع، وفي حقوق العدو والصديق، وحياة الأسرة ونشاط السوق.[8]

ومن المؤمنين من ينقص إيمانهم لسوء خلقهم ، وغلبة الطبع الغضبي عليهم ، حتى لا تجد لهم خطأ من البر وحسن الخلق سوء الخلق العاجز لمزعج أو هم طارئين يمكن علاجه، أما صاحب الطبع الحاد فيصعب بيعه وشراءه وتعامله مع الناس،[9]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

فما كل تكسب يقبله الإسلام. ومعالجة المركب الإقتصادي الإجتماعي واستغلال المستضعفين، لا يجوز أن تذهب بنا خارج حدود الله ؛ حدود الحلال والحرام.[10] 

 ومن أشد الأوبئة الإجتماعية فتكا، أنفة الناس عن الأعمال اليدوية والكسب الكاد، وبناء الإسلام يريد قلوبا حية الإيمان، وعقولا راسخة في العلم، وسواعد خبيرة صانعة…فتحت ظل الإسلام يكرم العامل، وتكرم الأطر المسماة وسطى، وتشجع المهارات المهنية واليدوية، ويكون العمل والكسب القيمة الأولى في الإقتصاد ، يحرر العمل من طغيان رأس المال.[11]

وينبغي التشديد على أن صلة الأخلاق والقيم في الاسلام لا تنفصل شكلا وموضوعا عن العقيدة والعبادة، فهذه الصلة ليست موضوع جدال.[12]

ثالثا: الضوابط التشريعية

إن الإسلام لم يقتصر – كما فعلت الأديان الأخرى – على النصائح الأخلاقية في مجال المعاملات المالية ، بل دعم ذلك وأكمله وأيده بقواعد تشريعية ناظمة، وتحدد الحقوق وتفرض الواجبات ، كما أنه تميز عن الأنظمة الاقتصادية الوضعية بعدم الاقتصار على الإلزام الخارجي ، بل دعم قواعده الإلزامية بأسس ودوافع اعتقادية ونفسية تولد في الإنسان حوافز داخلية  لتنفيذ هذه القواعد ، وتوقظ فيه الضمير  والشعور بالمسؤولية بالنسبة لواجباته المالية.[13]

ومن أهم الضوابط التشريعية ذات العلاقة بالمعاملات المالية ما يلي:      

* تحقيق النية الصادقة وهي ابتغاء وجه الله قبل البدء في أي معاملة؛ فيجب استحضار النية الصادقة وهي أن الغاية من العمل هو الحصول على المال الحلال الطيب ليعين الإنسان على تحقيق المقاصد الشرعية.

*  الالتزام بالحلال الطيب وتجنب الحرام الخبيث؛ و يقصد بذلك أن تكون المعاملات مشروعة أي مطابقة لأحكام و مبادئ الشريعة الإسلامية و للفتاوى الصادرة عن مجامع الفقه الإسلامي في المسائل المعاصرة، و كذلك أن تكون في مجال الطيبات، و تجنب الخبائث مهما كان قدرها.

* توثيق المعاملات بالعقود والعهود، والالتزام بإبرام العقود والعهود المطابقة لشرع الله عز وجل، و القائمة على السلامة والرضا والحق والوضوح و العدل، والمستوفية كافة الشروط الواجبة.

* سلامة و استيفاء العقود والالتزام بها؛ و يقصد بذلك أن تكون العقود وما في حكمها من العهود و الوعود خالية مما يبطلها أو يفسدها حسب الأحوال، و من أمثلة ما يفسدها على سبيل المثال : الغرر والجهالة والإذعان وكافة صور أكل أموال الناس بالباطل.

* مشروعية الغاية ومشروعية الوسيلة؛ ويعني ذلك أن تكون الغاية من المعاملات مشروعة، و الوسائل التي تستخدم لتحقيقها مشروعة، وأن الوسائل التي تؤدي إلى معاملات محرمة حرام.

* حسن التعامل مع الناس؛ حيث يعتبر هذا الضابط من صور الالتزام بالأخلاق الحسنة والسلوكيات السوية مع الناس، فالدين المعاملة، و الأخلاق الحسنة تقود إلى معاملات حسنة، و الأخلاق السيئة تقود إلى معاملات سيئة.

* التيسير ورفع الحرج عن الناس؛ و يعني ذلك تسهيل المعاملات و الاختيار من بين البدائل المشروعة الأيسر منها، وذلك لرفع الحرج عن الناس.

* الضرورات تبيح المحظورات بضوابطها؛ و يقصد بذلك أنه في حالة الضرورة يحول الحرام شرعا إلى حلال، و لهذه الضرورة ضوابط شرعية ولا يجب أن تترك لهوى النفس، و أحيانا تنزل الحاجة منزلة الضرورة لأن المشقة توجب التيسير.

 

[1] – النظرية الاقتصادية من منظور إسلامي – د.شوقي أحمد دينا – ص 47-48.

[2] – مبادئ النظام الاقتصادي الإسلامي وبعض تطبيقاته – سعاد صالح إبراهيم – ص 43.

[3] – سورة المائدة – آية 3.

[4] – سورة الأحزاب – آية 40.

[5] – الاقتصاد الإسلامي، مصادره وأسسه، المال وتنميته – حسن علي الشاذلي – ص26-27.

[6] – سورة الحشر – آية 9.

[7] – مبادئ الاقتصاد الإسلامي – د. محمد فاروق النبهان- ص9 .

[8] – الاقتصاد الاسلامي، طبيعته ومجالاته – حسين غانم – ص38.

[9] – المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا – عبد السلام ياسين – ص 114.

[10] – المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا – عبد السلام ياسين- ص 249.

[11] – المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا – عبد السلام ياسين – ص 245-246.

[12] – إمامة الأمة – عبد السلام ياسين – ص 238.

[13] – مبادئ النظام الاقتصادي الإسلامي وبعض تطبيقاته – سعاد صالح إبراهيم – ص 57-58.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.