سر الأحرف المقطعة في القرآن الكريم

قدم الباحث لؤي الشريف طرحاً جديداً لمعاني الحروف المقطعة في القرآن الكريم، ويعتبر هذا الطرح أقرب ما يكون للتفسير المنطقي لمعاني ودلالات الحروف المقطعة حسب البعض. وانطلق الباحث الشريف -وهو المهتم بدراسة اللغات السامية- من القول بأن أصل الأبجدية العربية مأخوذة من الأبجدية السريانية وهذا الطرح يجد له صدى عند اللغويين المحدثين وإن كان الأمر ليس حاسما، وأشار الباحث الشريف إلى أن الحروف مثل: ألم، ألر، طه، كهيعص…”ليس لها أي معنى في اللغة العربية ولكن لها معاني في اللغة السريانية التي هي أصل الأبجدية العربية”.

وهذه أمثله لهذا الطرح  “ألم“: تعني اصمت…وكان يستخدمها النبي داوود في خطبه عندما يريد قول شيء مهم وهذا مذكور في الزبور والتوراة ليومنا هذا بنفس الحروف.

ألم” لكن بالشكل العبري والسرياني، وعندما نطبق هذا المعنى على القرآن الكريم في سورة البقرة مثلا ستصبح: “اصمت” ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، وانظروا للسياق وكيف استقام المعنى.

ألر“: تعني تبصر أو تأمل بقوة، وعندما ننظر لكل الآيات التي وردت بعد “ألر” في القرآن الكريم نجد أنها احتوت على شيء يتبصر أو يتأمل فيه. ومن أعظم ما يجب أن نتبصر فيه القرآن الكريم، وانظر إلى قوله سبحانه وتعالى مثلا في سورة يونس: (ألر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) وفي سورة هود: (ألر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) وغيرهما من السور.

طه: وتعني يا رجل…الهاء حرف نداء، والطاء تعني رجل في السريانية. ويصير المعنى: يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى…فانظروا السياق وكيف استقام المعنى والرجل هو الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا المعنى ذكره الطبري في تفسيره فعن ابن عباس قال: طه: بالنبطية: يا رجل[1]. ومعلوم أن النبطية فرع من السريانية[2]، وعن سعيد بن جبير أنه قال: طه: يا رجل بالسريانية[3].

كهيعص: وتعني هكذا يعظ…(ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا)، فانظروا إلى السياق وكيف استقام المعنى إذ بعد كلمة ” يعظ” هناك موعظة عن قصة سيدنا زكرياء عليه السلام[4].

والسؤال المطروح كيف فهم سلفنا الصالح هذه الحروف؟ وما مدى قرب أو بعد هذا الطرح الجديد من الصواب؟

فأقول بأن هذه الحروف المقطعة مثل “ألم” وردت في مستهل تسع وعشرين سورة، وذكر العلماء في تأويلها تأويلات كثيرة، غالبها لا يصح ولا يستقيم معناه، والأقرب – والله أعلم- أن معناها التحدي بأن هذا القرآن المعجز مؤلفة كلماته وجمله من الحروف نفسها التي نظم بها العرب أشعارهم وألفوا بها خطبهم، فهذه الحروف هي مادة القرآن الكريم، ومع وجود هذه المادة بين أيديهم هم عاجزون عن الإتيان بمثله.

وللتعرف على أقوال المفسرين حول هذه الأحرف المقطعة والتي بلغت ثلاثين قولا، يرجع إلى ابن خالويه في كتابه إعراب القرآن[5]. وأغلب العلماء يرى أنها المتشابه الذي نهانا الله تعالى أن نخوض فيه في قوله تعالى في بداية سورة آل عمران[6]، وهذا الرأي يروى عن كثير من الصحابة والتابعين ومن الصحابة ابن عباس، وشدد ابن حزم النكير على من يخوض فيها فقال: “فحرام على كل مسلم أن يطلب معاني الحروف المقطّعة التي في أوائل السور.”[7]

بعد هذه التوطئة أعود إلى قول الباحث الشريف بأن أصل الأبجدية العربية مأخوذة من الأبجدية السريانية له ما يؤيده في دراسات اللغويين المحدثين، يضاف إلى هذا أن اللغات السامية ومنها العربية حدث بينها تلاقح وتأثير وتأثر على مر الزمن ودخلت إلى اللغة العربية ألفاظ كثيرة من لغات مختلفة، وكان هذا محل اختلاف بين العلماء المتقدمين، فيقول السيوطي بأن الأئمة اختلفوا في وقوع المعَرَّب في القرآن: “فالأكثرون ومنهم الإمام الشافعي، وابن جرير وأبو عبيدة والقاضي أبو بكر وابن فارس على عدم وقوعه فيه لقوله تعالى: (قُرآناً عَرَبياً). وشدد الشافعي النكير على القائل بذلك. وقال أبو عبيد: “إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أن “كذاباً” بالنبطية فقد أكبر القول”. وقال ابن فارس: “لو كان فيه من غير لغة العرب شيء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله، لأنه أتى بلغات لا يعرفونها”. وقال ابن جرير: “ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من تفسير ألفاظ القرآن أنها بالفارسية أو الحبشية أو النبطية أو نحو ذلك إنما اتفق فيها توارد اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد”. وقال غيره: بل كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لسائر الألسنة في أسفار لهم فعلقت من لغاتهم ألفاظ غيرت بعضها بالنقص من حروفها واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الفصيح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن. وقال آخرون: “كل هذه الألفاظ عربية صرفة، ولكن لغة العرب متسعة جداً، ولا يبعد أن تخفى على الأكابر الجلة وقد خفي على ابن عباس رضي الله عنهما معنى فاطر”.

وذهب آخرون إلى وقوعه فيه. وأجابوا عن قوله تعالى: (قُرآناً عَرَبياً) بأن الكلمات اليسيرة غير العربية لا تخرجه عن كونه عربياً فالقصيدة الفارسية لا تخرج عنها بلفظة فيها عربية[8].

وزاد السيوطي رحمه الله بعد سرد هذه الأقوال: “فهذه إشارة إلى أن حكمة وقوع هذه الألفاظ في القرآن أنه حوى علوم الأولين والآخرين ونبأ كل شيء فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن لتتم إحاطته بكل شيء. فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالاً للعرب…. قلت وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى كل أمة، وقد قال تعالى: (وَما أَرسَلنا مِن رَّسولٍ إِلّا بِلِسانِ قَومِهِ).

فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم، وإن كان أصله بلغة قومه هو”[9].

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام بعد أن حكى القول بورود الألفاظ الأعجمية عن الفقهاء والمنع من أهل العربية: “والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعاً، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية، كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال إنها عربية فهو صادق ومن قال: إنها عجمية فصادق”. وهذا هو الذي جزم به ابن جرير، ومال إلى هذا القول الجواليقي وابن الجوزي وآخرون”[10].

ويؤيد الباحث إياس محمد حرب آل خطاب في كتابه “المعتبر في بيان الإعجاز للحروف المقطعة من فواتح السور” القول بأن الأحرف المقطعة ربما جاءت بلغات غير اللغة العربية وإن كانت الحروف عربية كما في لفظة استبرق وأباريق وغيرها، فقال: “ونحن نعلم بأن الحروف المقطّعة لم تأت كخبر، ولم تأت كأمر ظاهر، ولم تأت بشيء من الغيب! فما هي بحسب هذا التفصيل؟ أهي سر من أسرار التشريع وما لا نستطيع تطبيقه لعدم فهمنا إياه؟ أم خبيئة في علم الغيب لن نعرفها إلا بعد البعث؟ أم فيها خبر عن الأمم السابقة وجاءت بلغاتهم وما اندثر من علومهم؟”[11].

والذي أميل إليه ما مال إليه السيوطي رحمه الله عند حديثه عن الكلمات المعربة في القرآن حيث قال: “فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم، وإن كان أصله بلغة قومه هو”[12]. وقد سبق القول كيف أن ابن عباس وسعيد بن جبير قد فسرا لفظة “طه” بأنها يا رجل، وهذا باللغة السريانية.

ومن تم فلا مانع من الاستفادة من اللغة السريانية وعلاقتها باللغة العربية، ولا مانع من البحث عن أصول الكلمات المسربة من اللغة السريانية أو من غيرها من اللغات. وإذا استطاع علماؤنا القدامى رضي الله عنهم معرفة الكلمات المعربة في القرآن الكريم أو في السنة النبوية، وفهم معانيها. فالبحث والتأمل والتدبر في كتاب الله تعالى لا ينقطع، والاستفادة من اللغات السامية قد يساعد في فهم معاني بعض الألفاظ، ومن بينها الحروف المقطعة كما ذهب إلى ذلك الباحث لؤي الشريف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – جامع البيان في تأويل القرآن، ابن جرير الطبري (المتوفى: 310هـ)، المحقق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420 هـ – 2000 م، 18/ 266.

[2] – 18/266https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9

[3] – تفسير الطبري، 18/266.

[4] – https://mini-facts.com/topics/10620

[5] – كتاب إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم، ابن خالويه، (المتوفى: 370هـ)، مطبعة دار الكتب المصرية (1360هـ -1941م)، 137.

[6] – ” هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ” آل عمران، 7.

[7] – انظر الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم الأندلسي (المتوفى: 456هـ)، المحقق: الشيخ أحمد محمد شاكر، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 124/4.

[8] – المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)، المحقق: التهامي الراجي الهاشمي، مطبعة فضالة – بإشراف صندوق إحياء التراث الإسلامي، المشترك بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة، 56-59.

[9] – المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب، 61-62.

[10] – المرجع نفسه، 65

[11] – القول المعتبر في بيان الإعجاز للحروف المقطعة من فواتح السور، إياس محمد حرب آل خطاب، مطابع برنتك للطباعة والتغليف – السودان – الخرطوم، الطبعة: الأولى، 2011، 23.

[12] – المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب،  61-62.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: