رمضان: فتح… وفرقان.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.

دأب المسلمون منذ الرعيل الأول من الصحابة على الاستعداد لشهر الخيرات والبركات وتهييء الآنية لتنزّل النفحات والرحمات، واستمر طقس الاستعداد هذا وتوارثه المسلمون جيلا عن جيل إلى زمان الناس هذا، إلا أن هذا الاستعداد لاستقبال الضيف الكريم طرأ عليه الكثير من التغير؛ إذ شهدت أزمنة المسلمين الأخيرة تحويرا واضحا في العناوين الرمضانية، حتى بات الاستعداد لشهر الصيام في بيوتات المسلمين لا يعني أكثر من إعداد الطعام والشراب، وفي وسائل إعلامهم غدا الاستعداد إعدادٌ لكل جديد مُلهٍ مبعدٍ عن التقوى المرجوة من أيام الصيام المعدودات.

انتكاس ونكوص شهده “الزمن الرمضاني” بين الأمس واليوم، بين استغلال للأوقات والأنفاس في جليل الأعمال المقرِّبة لجنان الرحمان، وتضييع للأوقات في سمر طويل أمام كبير الشاشات وصغيرها، بين جهد وجهاد ونصر وعزة وبين كسل وإخلاد لأرض الشهوات..

نسافر في هذه الوريقات إلى شهور رمضانية مضت من تاريخ المسلمين، بحثا عن تجارة كسدت في أسواق المسلمين، قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون﴾ [الصف:11] تجارة كانت رائجة في أسواق المسلمين زمن العزة والقوة، واستبدلت في رمضاناتنا بتجارة الطعام والترفيه..

رمضان وعاء لتنزّل النصر الإلهي:

يشهد تاريخ المسلمين أن محطاته الكبرى، وأحداثه المفصلية المغيرة لوجه البشرية؛ كان شهر الصيام المُتَوْرِخ والمتوج لها، في دلالة واضحة على ارتباط الزمن الرمضاني المبارك بعظائم الأعمال وجليل التضحيات..

بدر الكبرى (2ه)والفتح الأعظم (8ه)

شَرُف شهر رمضان بالصيام والقرآن، وشرف بأول نصر مؤزّر للفئة القليلة المؤمنة على الكثرة الكافرة الجاهلة، يوم الفرقان يوم التقى الجمعان؛ هو يوم رمضاني مشهود أعزّ الله فيه الإسلام والمسلمين وفرق فيه بين الحق وجنده والباطل وأتباعه، كان ذلك في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة؛ إذ لم يمض أكثر من شهر على نزول قوله تعالى: ” كتب عليكم الصيام…” حتى وجد المسلمون أنفسهم أمام شقيقتها ” كتب عليكم القتال…”.

وقد أسفر يوم الفرقان هذا، في أول صيام للمسلمين وأول قتال لهم، عن نصر فارق ﴿ ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون﴾ [آل عمران]. خرجوا به من وصف الذلة إلى العزّة، وغدوا كيانا مهابا مرهوب الجانب.

 وليس مصادفة أن يكون شهر الصيام موعد اللقاء الأخير بين المسلمين ومشركي مكة، ففي العاشر من رمضان من السنة الثامنة للهجرة، خرج المسلمون الصائمون في عشرة آلاف مقاتل بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصدين مكة، بعد نقض قريش معاهدة صلح الحديبية، بإمدادها حليفتها (بني بكر) بالمال والسلاح للاعتداء على (خزاعة) حليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فكان الفتح الأعظم وسقوط آخر وأهم معقل للشرك بجزيرة العرب، ودخول الناس في دين الله أفواجا… هي بركات ذاك السفر الجهادي في شهر الإيمان والنصر والعزة صحبة القائد الأعلى للقوات المجاهدة المصابرة.

فتح الأندلس: (92ه ).

وقبل أن يقفل التاريخ الهجري مئته الأولى، وفي الثامن والعشرين من رمضان السنة 92ه، كانت جيوش المسلمين بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير تطرق أبواب أروبا؛ في جيش قوامه اثنا عشر ألف مقاتل، واجه طارق ابن زياد مائة ألف من الإسبان بقيادة (لذريق). استمرت الحرب ثمانية أيام متصلة انتهت بانتصار المسلمين وتدشينهم على إثر تلك المعركة لتاريخ جديد امتدّ إلى ثمانية قرون في الأندلس.[1]

فتح عمورية … وامعتصماه. (223 ه)

تجرأ ملك الروم (تيوفيل بن ميخائيل) وأغار على (مَلَطْيَة) وما والاها، وأوقع بهم ملحمة عظيمة، قتل فيها خلقا كثيرا من المسلمين، فنكل بهم وقطع آذانهم وأنوفهم، وسمّل أعينهم وأسَر الكثير من المسلمات، استنجدت إحداهن بقولتها المشهورة: وامعتصماه.

بَلَغَ الْخَبَرُ الْمُعْتَصِمَ فاسْتَعْظَمَهُ، وَكَبُرَ لَدَيْهِ فقام بتجهيز جيش كبير في رمضان من عام 223 الهجري، لفتح عمورية، وكانت هذه الأخيرة من أصعب وأمنع المدن لدى الروم. حاصر الجيش الإسلامي المدينة حصارًا شديدًا، حتى استطاع أن يُحدث ثغرة في سورها، فاندفع الجنود داخل المدينة، وحاربوا بكل قوة وشجاعة؛ حتى سيطروا على المدينة، وانتصروا على الروم. “وكانت إناخة المعتصم على عمورية يوم الجمعة لست خلون من شهر رمضان وقفل بعد خمسة وخمسين يوما”[2]

الزلاقة (479ه)… عمر جديد للأندلس.

الزلاقة موضِع بالأندلس قريب من قرطبة شهد إحدى أهم المعارك الحاسمة في رمضان سنة تسع وسبعين وأربعمائة للهجرة بين جيش المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين وجيش الفرنجة بقيادة ألفونسو السادس.

اتفق ملوك الطوائف بعد تشديد الخناق عليهم من قبل النصارى على الاستنجاد بأمير المرابطين في المغرب “يوسف بن تاشفين” ؛ وذلك بعدما كاد نجم الأندلس أن يأفل على أيديهم؛ لما وصلوا إليه من الضعف والانهزام والاقتتال الداخلي والاستعانة بالإسبان على بعضهم البعض… جعل العدوّ يطمع فيهم ويقرّر الإغارة عليهم.

ركب ابن تاشفين البحر وهبّ لنجدة ديار الإسلام،… وكان قائد الفرنجة قد كتب له كتابًا يتهدَّده فيه فردّ عليه ابن تاشفين، على ظهر كتابه: “الذي يكون ستراه[3]، وقاد المعركة بنفسِه، وكان في الرابعة والثمانين من عمره – رحمه الله – وكتب الله فيها النصر للمسلمين في معركة خلّدها التاريخ بمداد الفخر والعزة.

عين جالوت (656ه)… سقوط مقولة الجيش الذي لا يقهر

عاث المغول في أرض المسلمين فسادا وتدميرا، أسقطوا الدولة العباسية بتدميرهم العاصمة بغداد وقتل ” الخليفة” العباسي. وواصلوا زحفهم فاستولوا على حلب ودمشق، واحتلوا بلدة “الخليل”و”غزة” من أرض فلسطين، وقتلوا الرجال، وسبوا النساء والصبيان، ولم يبق أمامهم إلا أرض الكنانة.

صباح يوم الجمعة (25 من رمضان 658هـ ) بمنطقة تدعى “عين جالوت”؛ وهي بلدة من أعمال فلسطين المغتصبة – ردها الله إلى المسلمين عاجلا – تقع بين بيسان ونابلس. انقضَّتْ قوات المغول كالموج الهائل على طلائع جيش المسلمين بقيادة السلطان “قطز” آملة أن تحقق نصرا سريعا خاطفا،كما اعتادت أن تفعل في مواجهاتها السابقة للمسلمين، غيرَ أن ثبات المظفر قطز ومن معه كان كالجبال، وكان يصرخ في أرض المعركة بأعلى صوته: “واإسلاماه!“، فعمَّت صرخته أرجاءَ المكان، وتوافدتْ حوله قواتُه، وانقضوا على الجيش المغولي الذي فوجئ بهذا الثبات والصبر في القتال، وهو الذي اعتاد على النصر الخاطف، فانهارت عزائمه، وارتد مذعورًا لا يكاد يصدق ما يجري في ميدان القتال، وفرُّوا هاربين إلى التلال المجاورة بعد مصرع قائدهم. وبذلك استطاع المسلمون إنقاذ العالم كله من همجية المغول وخطرهم.

معركة شَقْحَب أو مرج الصفر: ( شيخ الإسلام يحلف بالله على النصر)

موضع قرب دمشق، وكانت المعركة أول رمضان سنة اثنتين وسبعمائة بين المسلمين من أهل الشام ومصر مع التتار، بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ومعه شيخ الإسلام ابن تيميَّة يُشجِّعهم ويأمرهم بالجهاد ويُشارِكهم فيه، ويَعِدهم بالنصر، ويحلف لهم بالله إنهم منصورون، فيقولون له: قل: “إن شاء الله” فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا[4]، ثقةً منه بنصر الله -تعالى- وأفتاهم شيخ الإسلام بالفِطر في رمضان، وكان يدور على الأمراء والجند ومعه شيء يأكل منه ليعلموا أنه مُفطِر، فانهزم التتار هزيمة مُنكَرة.

رمضان مدرسة لإعداد المتقين والمجاهدين.

يشهد هذا التطواف السريع في ساحات الوغى أن شهر رمضان في تاريخ المسلمين كان موسما لانتصارات إسلامية حاسمة اتسمت بالعزة والكرامة والبسالة والفتح المبين…

وحديثنا عن رمضان شهر الإنجازات والانتصارات ليس غرضه سردٌ للوقائع وتذكر حالم لتاريخ البطولات، بل الغرض إبرازٌ لتوأمة وشراكة كانت معقودة بين شهر الصيام وفريضة الجهاد، شراكة تدل على أن شهر الصيام كان مدرسة لإعداد النفوس والارتقاء بالأرواح، واستدعاؤنا لهذه التوأمة هو بقصد الإحياء واليقظة والاستعداد، إذ من واجبنا أن ندرك ماذا وراء الوقائع التي شهدها رمضان وإلى أي حد يمكن أن تدفع بنا إلى اليقظة من جديد.

إن أول مرحلة من مراحل التربية الجهادية هي تعويد النفس على ترك المحبوبات والإعراض عن الشهوات، حتى إذا ما اضطرت إلى ذلك لم تجبن ولم تتأخر… ولا شك أن الجهاد في سبيل تحرير النفس من أهوائها هو مقدمة شرطية للجهاد في ساحات الوغى وميادين الحياة. ولنا في درس طالوت مع قومه فائدة وعبرة؛ لما طلبوا من نبيهم قائدا ليقاتلوا في سبيل الله ﴿ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [البقرة (246)]، أراد اختبارهم وذلك بقوله لهم:﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ [البقرة (249)]، قال الله تعالى:﴿ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ [البقرة (249)] فمن لم يصبر على شربة ماء كيف يصبر على سفك الدماء!!

 لذلك كان الصوم أبرز ما شرعه الإسلام في سبيل تربية النفس، إذ للصيام أثر نفسي عظيم على الصائم يمكنه من ضبط نفسه، وإحكام أمره، وتقييد شهواته، فهو إذ يترك بعض الأعمال المباحة يتمرن على ترك جميع الأعمال المحظورة.

إننا أمام جهاد شاق المراحل ثقيل التكاليف، ولا نجاح يرجى لنا فيه إلا برص الصفوف ولجم النفوس وفطمها عن مألوفاتها ورغيد عيشها، وشهر رمضان هو دورة تدريبية تكوينية ربانية لإعداد نماذج من معاذ بن جبل وطارق ابن زياد وصلاح الدين وابن تاشفين… إن أحسنا استغلاله وغنمنا فضله وبركاته.


[1] _ مبشرات النصر: يقول المقري في “نفح الطيب”: “ذكر عن طارق أنه كان نائماً في المركب فرأى في منامه النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ، الخلفاء الأربعة أصحابه -رضي الله عنهم- يمشون على الماء حتى مروا به، فبشره النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بالفتح، وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد.

[2] – تاريخ الطبري، محمد بن جرير الطبري، الناشر: دار التراث – بيروت، ط: 2 – 1387 هـ، ج:9، ص:70

[3] ـ عز الدين ابن الاثير/ الكامل في التاريخ/ تحقيق: عمر عبد السلام تدمري/ الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت / الطبعة: الأولى، 1417هـ / 1997/ ج 8 ص: 308.

[4] – البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، 1418 هـ – 1997 م، ج:18، ص: 27.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: