دراسة متأنية لبعض المواقف في الهجرة النبوية 2/2

بناء المسجد:

قال الزهري: ” بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم موضع مسجده، وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين، وكان مربدا لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار، كانا في حجر أسعد بن زرارة، فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين بالمربد، ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله، فابتاعه منهما بعشرة دنانير”[1].

فمن أولويات الدولة الإسلامية بناء المسجد، لأنه مكان اجتماع المؤمنين ومركز التقائهم، إذ لم تكن غاية المسجد ووظيفته الوحيدة إقامة الصلوات، بل هو محضن لتعلم العلم النافع، وملاذ للفقراء وعابري السبيل، ومقر لشورى المسلمين في كل ما ينجز لهم من شؤون دينهم ودنياهم، لذا كان حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على بناء المسجد من أول يوم ينزل بطيبة الطيبة. فإذا تقرر هذا وجب التنبه والتنبيه كذلك على أمر مهم في موقف الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم، وهو عدم قبوله هبة الغلامين اليتيمين للأرض التي عزم بناء المسجد فوقها، وذلك حرصا منه صلى الله عليه وسلم على مصلحتهما، لأنهما مازالا يافعين قد لا يعرفان مصلحتهما حق المعرفة، فلا يمكن أخذ تصرفهم هذا بمحمل الجد، لذلك رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم هبتهما، وأدى العوض عن أرضهما محافظة ورعاية للأصلح لهما، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على حسن الخلق وسموه والتي ينبغي أن تطبع تصرفات والي المسلمين وحاكمهم، حيث ينبغي أن يكون أحرص على رعاية مصالح الناس من أنفسهم، وأن يتنزه عن الطمع فيما يملكون، وأن يكون اليد الممدودة بالعون لكل من طلبها.

المؤاخاة بين الأنصار والهاجرين:

عن إبراهيم بن يحيى عن زيد بن ثابت قال: حدثنا موسى بن ضمرة بن سعيد عن أبيه قالوا: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة آخى بين الهاجرين بعضهم لبعض، وآخى بين المهاجرين والأنصار على الحق والمؤاساة ويتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام وكانوا تسعين رجلا، خمسة وأربعون من المهاجرين، وخمسة وأربعون من الأنصار[2].

في إطار بناء الدولة الإسلامية تذوب الفوارق الاجتماعية، وتزول الأنانيات الفردية وتبرز الأخوة، فهذه “المؤاخاة تأكيد “تنظيمي” للولاية الواجبة بين المؤمنين وتعميق لها. تبوأ المهاجرون والأنصار الدار والإيمان معا، فهي مواطنة على مستويين لكل منهم حقه: حق الإيمان وأخوته، وحق الدار والجوار”.[3]

ومن تتمة القول أن هذا البناء يحتاج إلى بناء أفراد المجتمع بناء سليما، وهذا يستوجب الاستقرار المادي (الاقتصادي) والاجتماعي لأفراده، الشيء الذي اعتبره الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من أولويات وأساسيات تأسيس الدولة الإسلامية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية- 2/78؛ الطبقات الكبرى، ابن سعد- 1/205.

[2] – طبقات ابن سعد- 1/205.

[3] – كتاب العدل –الإسلاميون والحكم- عبد السلام ياسين (رحمه الله) ص 608.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: