حقوق الإنسان بين قصور المبدأ وسوء التطبيق وضرورة التجديد

 تمهيد

لقد أصبح شعار ” حقوق الإنسان ” في السنين الأخيرة مطلبا ملحا في الخطاب السياسي العالمي – باعتباره أساس الديمقراطية ومضمونها ومعناها – حتى تحول إلي أنشودة العالم يعيشها البعض ويحلم بها البعض الآخر.

إذا كانت مسألة حقوق الإنسان تحتل هذه الأولوية الكبرى والأهمية القصوى في الثقافة السياسية العالمية، فإنه يجدر بنا أن نحدد موقفنا بدقة – نحن المسلمين -: هل المسألة لا تعنينا وبالتالي فنحن محايدون؟ أم نحن تبع وإمعة متلقون عن غيرنا؟ أم لنا رسالة متميزة في الموضوع؟

للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها، أحاول أن أقوم بقراءة نقدية سريعة في المرجعية العليا لحقوق الإنسان: الإعلان الأممي لسنة 48 لإبراز بعض تناقضاته ثم أنتقل إلى الجانب التطبيقي لحقوق الإنسان على مستوى الغرب لأختم عن الأفق الجديد الذي نقترحه على العالم في موضوع حقوق الإنسان.

المحور الأول: حقوق الإنسان النشأة والسياق

يعتبر الكثير من الحقوقيين الإعلان الأممي لسنة 48 حصيلة تراكمات نضال شعوب العالم من خلال محطات تاريخية كوثيقة إعلان الاستقلال الأمريكي سنة 1776 م وإعلان الثورة الفرنسية 1789 م وغيرهما.

و جاء ذلك في سياق الرد على الأوضاع المأساوية التي كانت تعيشها الإنسانية (التعذيب + العبودية + العنصرية… )

لكن الوقوف على السياق التاريخي للإعلان الأممي والظروف التي أفرزته والخلفية الفكرية والفلسفية لواضعي الإعلان من شأنه أن يكشف عن تناقضات مبدئية أريد لها أن تبقى طي الكتمان وعلى هامش النسيان.

فقد جاء إعلان 48 ليعبر عن الآمال والطموح التي تراود قادة العالم يومئذ إثر خروجهم من كابوس الحرب المدمرة للإنسانية التي خلفت ملايين الضحايا، إنها آمال الكبار يملونها على العالم، وقد اعترفوا في الديباجة أن ” تجاهل حقوق الإنسان واحتقارها دفعا إلى أعمال وحشية يشمئز منها الضمير الإنساني “.

كما أعلنوا أن أعلى مطالب الإنسان هو ” ظهور عالم تكون فيه الكائنات البشرية حرة في التعبير والاعتقاد متحررة من الإرهاب ومن البؤس ” كل ذلك يعبر عن فرحة الخروج من أزمة الحرب المدمرة إلى فضاء التطلعات للمثل العليا.

1 – التناقض في المبدأ قبل التطبيق:

يبدو التناقض في الإعلان الأممي منذ ديباجته حيث جاء فيها: ” ليبذل كل الأفراد وكل المنظمات الاجتماعية المستوحية لهذا الإعلان جهودهم في التعليم والتربية لينموا احترام هذه الحقوق والحريات وليؤمنوا الاعتراف بها، وتطبيقها العالمي والفعلي بإجراءات تدريجية على الصعيد القومي والدولي، سواء وسط شعوب الدول العضوة نفسها أو وسط الشعوب التي تحت سيطرتها “.

فالتطبيق الفعلي والإجراءات التدريجية وضعت إطارين مختلفين، ورتبت درجتين متميزتين لإنسانتين غير متساويتين: إنسانية مسيطرة وأخرى مسيطر عليها.

فلا تناقض إذا بين النوايا المعلنة منذ خمسة عقود ونيف، وبين التطبيقات والإجراءات العالمية الفعلية المتجلية في: طرد العرب من فلسطين، وتثبيت أقدام الشتات اليهودي فيها، ومحرقة بغداد، ودمار الشيشان، ومجازر البوسنة والهرسك الرهيبة، وهي تطبيقات تبين أن الاستعمار الذي أعلن هذه الحقوق هو نفسه قبل إعلانها، بل هو الآن أشد ضراوة.

ففي البند الثاني نجد تصنيفا استعماريا صرفا للأوطان: أوطان مستقلة وذات السيادة، والأخرى مسود عليها غير مستقلة وتحت الوصاية، يقول البند: ” لكل إنسان حق التمتع بكل الحقوق والحريات بدون تمييز عرقي أو لوني أو … أو أي مكانة أخرى أو وضعية سياسية أو قانونية أو دولية أو وطنية “.

الوضعية السياسية والقانونية والدولية والوطنية لا تمنع من الخضوع لبنود الإعلان، فالعالم في تلك النوايا كان وما يزال عالمين اثنين كما أسلفت أحدهما سيد مستقل والآخر مسود تحت الوصاية، والإنسان إنسانان: إنسان سيد أعطى لنفسه كل الحقوق ومنها احتكار خيرات الأرض على حساب أزيد من 82% من ساكنة العالم، وإنسان مسود لا يهم إن نكل به وشرد في فلسطين، أو قتل وذبح في البوسنة والهرسك، أو مات جوعا في أدغال أفريقيا أو أزهقت روحه غي حروب أهلية تحت إشراف الإنسان الأبيض السيد.

وهنا يحق لنا أن نتساءل عن الخلفية الفكرية والثقافية والفلسفية للإنسان الغربي: واضع حقوق الإنسان.

 2 – الجذور النفسية والفكرية لثقافة حقوق الإنسان:

لا شك أن البحث في الجذور النفسية والفكرية الثقافية للإنسان الغربي المتأله في الأرض وبواعثه وخلفية جبروته، يساعدنا كثيرا في معرفة حقيقة الثقافة العالمية الصائلة الآن المنادية لحقوق الإنسان، كما يساعدنا ذلك على الوقوف على البنية الفكرية والخلفية الفلسفية للمغربين من أبناء جلدتنا، فمن يعرف الأصل أولى أن يعرف النسخة.

فمن المعلوم أن فكرة حقوق الإنسان بمفهومها السائد الآن نشأت وتطورت في البيئة الأوروبية، وفي ظل تجارب مجتمعاتها وثقافاتها وخصوصياتها، وما عاشته من مخاضات عبر تاريخها.

فهناك هزات فكرية حاسمة في تاريخ أوربا أثرت تأثيرا بليغا وحاسما في صياغة الفكر الغربي والثقافة الغربية عموما، ومنها حقوق الإنسان، نذكر منها:

أ – فلسفة التنوير وما كانت تمثله من هزة فكرية وسياسية في أوربا في القرن الثامن عشر الميلادي، بعد أن مهدت لها ثقافة عصر النهضة بإيطاليا، فقد كانت فلسفة التنوير بقيادة فولتير وديدرو وروسو مهيمنة على الفكر الأوروبي الفلسفي الأدبي السياسي، وكان لب فلسفة التنوير فضح القران الأنكد بين الكنيسة والأرستقراطية، ذلكم القران الذي جعل أوربا وفرنسا تحديدا تعيش في ظلام دامس من الخرافة والوهم الكنسي وخديعة صكوك الغفران بقيادة رجال الدين خدمة الأرستقراطية.

وبانتشار الفكر الفلسفي السياسي المحرر تقلص نفوذ الكنيسة وهجر فكرها وكفر بعقيدتها، ونتج عن ذلك كله عداء منطقي لكل ما هو كنسي أرستقراطي، تجسد ذلك عمليا في الثورة الفرنسية عام 1789 م التي أطاحت بالوهم الكنسي وبالملكية، فكان ذلك نهاية عهد الظلامية الكنسية الاستبدادية، وبداية عصر الحريات والجمهوريات والديمقراطية وازدهار العلوم وانتصار البورجوازية.

ب – فكر حاسم آخر وثورة مؤثرة أخرى في تاريخ أوربا الفكري والسياسي، إنه فكر ماركس وأنجلز الذي كشف ظلم البورجوازية، وعلم منطق التسلسل التاريخي للاستغلال، وسمى الدين الكنسي أفيون الشعوب، ثم ثورة لينين فستالين باعتبارها التطبيق العملي للماركسية.

فالثورتان وما تولد عنهما من فكر وفلسفة معلمتان بارزتان في فكر الإنسان الأوربي، هذا الفكر الذي أصبح يرتبط فيه مفهوم الحداثة والعصرنة والديمقراطية بفصل الدين عن الدولة على ضوء فضيحة الكنيسة.

ويعد فصل الدين عن الدولة القاسم المشترك بين جميع التيارات الفكرية والسياسية والمذاهب الفلسفية المتفرعة عن فلسفة التنوير، وإن اتخذ أشكالا متنوعة ودرجات مختلفة، وهو الضمان لحقوق الإنسان في وعي الإنسان الغربي انطلاقا من الهزات الفكرية والسياسية التي عرفتها أوربا كما أسلفت.

من القضايا التي أصبح يتأسس عليها الفكر الغربي بعد التطورات الفكرية والسياسية السابقة، ما يمكن تسميته بالمسلمة الدوابية القائمة على النظرة الأحادية للإنسان وللحياة: النظرة التي تختزل الإنسان في جملة من الشهوات والغرائز يجب العمل على إشباعها وتوظيف الاقتصاد والسياسة والعلم لتلبية طموحات الإنسان وشهواته في أفق زمني محدود: الدنيا، ويقصى من دائرة الاهتمام والحياة أي وظيفة أخرى للإنسان في هذا الوجود، وأي أفق آخر غير أفق الدنيا المحدود، وهذا ما نجمله في الجهل بالله وباليوم الآخر وبحقيقة الإنسان، وتعد هذه المسألة نتيجة حتمية لتغييب مفهوم الآخرة ومقتضياته في حياة الإنسان.

والقضية الثانية في الفكر الغربي: ما يتعلق بتأليه العقل البشري عند الإنسان الغربي، ومن تبع مسلكه، بمعنى جعله مصدر التشريع وتقدير المصلحة العامة بلا معقب، ولا شيء يعلو على المصلحة التي تهدف إلى إشباع شهوات الإنسان الديموقراطي ورفاهيته، والنتيجة العملية لهذا المبدأ إفساد البيئة والأخلاق وإبادة الشعوب بالحروب وغيرها.

ولعل النتائج الباهرة التي حققها العقل الإنساني في مجال العلوم الحديثة دفعت الإنسان الغربي إلى الافتتان بالعقل البشري إلى حد التأليه، مع العلم أن إبداع العقل في هذا المجال العلمي الحيوي إنما هو رهين بمدى إيمان هذا العقل بالأسباب التي وضعها الله في الكون، وإلا فمن كفر بها تستعصي عليه تلك العلوم.

المحور الثاني: واقع حقوق الإنسان بالغرب

للحديث عن حقوق الإنسان في الغرب يتعين منهجيا التمييز بين الأمور التالية:

1 – حقوق الإنسان على مستوى واقع الغرب الداخلي:

حيث تصبح حقوق الإنسان واقعا معيشيا يتمتع فيه الإنسان الغربي المواطن بكافة حقوقه الدنيوية لا يخشى عليها تعسف الحاكم ولا انتهاكات السلطة، فهي مسيجة بدستور أسهم هو في وضعه، وصيغ على مرأى ومسمع منه، وهكذا كانت كرامته مصونة وحريته مكفولة ومعيشته الكريمة مضمونة دون أن يمن عليه أحد.

وحق للإنسان الغربي بعد ذلك أن ينطلق وظهره محمي نحو المشاركة الإيجابية في بناء مستقبل أمته، وتعزيز مسيرة الحضارة الإنسانية بالاكتشاف العلمي والابتكار الصناعي والإنجاز الحضاري.

ومن المؤسف أن يكون واقع حقوق الإنسان الذي يعيشه الإنسان الغربي مجرد حلم ما زال يداعب خيال النخبة المثقفة في بلادنا المتخلفة، ومطلبا عزيزا ممتنع التحقق.

2 – حقوق الإنسان في سياسة الغرب الخارجية:

إذا انتقلنا إلى مجال السياسة الخارجية والعلاقات الدولية للدول الغربية، فإن الحديث عن شعار ” حقوق الإنسان ” يتحول إلى حديث عن وسيلة جديدة للهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية في يد الدول الكبرى، وغطاء سياسي تستعمله قوى الاستكبار العالمي للتدخل في بلاد المستضعفين، وخصوصا منهم من يحاول المساس بمصالح الكبار، أو التفلت من هيمنتهم، كما حصل في أفغانستان والعراق وبانما مثلا، وبعبارة أخرى فإن حقوق الإنسان ودعوى حمايتها في العالم هو إحياء للحركة الاستعمارية، لكن في طبعة جديدة مزيدة وغير منقحة.

ومما يكشف حقيقة شعار حقوق الإنسان في سياسة الغرب الخارجية، ويثبت زيفه وخداعه وفراغه من مضمونه الإنساني ازدواجية المعايير التي تتعامل بها دول الغرب مع قضايا شعوب العالم، فالأحداث تظهر كل يوم أن الإنسان غير الإنسان عند هذه الدول، فإنسان واحد من عالم المستكبرين تصيبه شوكة في أحد ثخوم العالم تقوم الدنيا ولا تقعد من أجله، أما قتل وتشريد أطفال ونساء فلسطين والعراق والبوسنة والهرسك مسألة لا أهمية لها.

فالتمييز عندهم قائم على أسس ثابتة ألا وهي اللون والقومية والانتماء الجغرافي والدين، ولنا شواهد في فلسطين المغتصبة والعراق المحرقة والبوسنة والهرسك المذبحة والشيشان المخربة وقضية السود بأمريكا وغيرها.

فإثارة قضية حقوق الإنسان في بلد ما من بلدان العالم المتخلف لا تستند في العمق إلى الانتهاكات الحقيقية لكرامة الإنسان المتنامية أصلا في هذه البلدان، بقدر ما تستند إلى مدى احترام هذا البلد أو ذاك لمصالح الكبار واستجابته وإذعانه لمطالبهم.

3– حقوق الإنسان على مستوى المجتمع المدني:

و فيه يجب التمييز بين جهتين:

أ – جمعيات ومؤسسات التنصير التي تعمل تحت غطاء حقوق الإنسان في البلدان الإسلامية وغير الإسلامية الفقيرة، وهي حركة تنصيرية تستغل الأوضاع المأساوية التي تعيشها الإنسانية بسبب الحروب الأهلية أو الكوارث الطبيعية لتقدم المساعدات المشروطة: الخبز لمن ينبذ دينه ويعتنق الصليب، وغالبا ما تنشط هذه الجمعيات التي تقدم نفسها أنها إنسانية بين فقراء المسلمين ويتاماهم، وهذا خرق سافر لحقوق الإنسان، واستغلال بشع لمأساته ترتكبه هذه الجمعيات التنصيرية يجب فضحه.

ب – جمعيات حقوق الإنسان غير الحكومية:

وهي الجمعيات التي تدافع بصدق عن حقوق الإنسان بدافع المروءة الإنسانية، وتنا ضل ليكون الإنسان إنسانا واحدا، لا يستعبد الإنسان أخاه ولا يضعه تحت الوصاية، لكنها غير قادرة على تغيير مجرى التاريخ.

ولعل ما تمثله هذه الجمعيات من مروءة إنسانية وضمير أخلاقي يؤهلها لأن تكون المحاور المنتظر للإسلام في أفق صياغة ميثاق بين بني الإنسان لإنسانيتهم يتأسس على نداء المروءة الكبرى: حقوق الإنسان.

المحور الثالث: الأفق الجديد لرسالة حقوق الإنسان من منظور إسلامي

الحديث عن الأفق الجديد لرسالة حقوق الإنسان يعني أن هذه الرسالة في حاجة إلى اكتمال وتجديد، والقول بإكمال رسالة حقوق الإنسان وتجديدها من منظور إسلامي يعني أن للمسلمين ما يميزهم عن غيرهم في مجال حقوق الإنسان، فهل لنا في الموضوع أصالة؟

1 – أصالة حقوق الإنسان في الإسلام:

صحيح أن ليس في تاريخنا تاريخ سلفنا الصالح حقوق الإنسان مناشدة لفظية وحمولة إيديولوجية، ولكن تكريم الإنسان وتحريره من العبودية وكشف الظلم عنه ديننا وعقيدتنا، والتكريم القرآني للإنسان كما في قوله عز وجل: (ولقد كرمنا بني آدم)1 . إعلاء لمطمح الإنسانية بالإنجازات العملية لا بالمشاحنات الكلامية.

فالإسلام ينظر إلى الإنسانية على أنها من رحم واحدة وأننا سنسأل عن الرحم الآدمية هل أدينا حقها، كما نفهم من قوله عز وجل: (واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام) 2 .

كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكد وحدة الإنسانية بوحدة أصلها حين قال : “كلكم لآدم وآدم من تراب” 3، وكذلك حين قال في دعائه عليه الصلاة والسلام: “اللهم ربنا رب كل شيء ومليكه أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة“4.

و قد أمرنا الله عز وجل أن نبر بهذه الرحم الآدمية وتلك الأخوة الإنسانية حين قال سبحانه: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) 5.

لا أريد أن أخوض في تفاصيل الحقوق التي كفلها الشارع الحكيم للإنسان من حيث هو إنسان، وإنما أسعى لإبراز حقيقة أن البلاغ القرآني للإنسان هو وحده القادر على تجاوز حالة البتر التي تعاني منها شريعة حقوق الإنسان على المستوى العالمي.

2 – حق الإنسان الأسمى أساس كل الحقوق:

إن البلاغ القرآني للناس يرفع مطمح الإنسانية إلى حقها الأزلي الثابت الذي لا تكون الحقوق المتعارف عليها دوليا إلا حلقات من سلسلته، ولا قيمة لكل تلك الحقوق المتعارف عليها إن انقطعت دون حقه الأخروي الأسمى: حقه أن يكون عبدا لله عاملا للقائه، آملا في جزائه خائفا من عقابه، متحررا من عبودية غيره.

وحرمان الإنسان من هذا الحق الأسمى يجعله منحبسا في أفق البيئة الأرضية والمستقبلية المحدودة ومعذبا في الأرض بكفره، وبهاجس الخوف من المصير المجهول بعد الموت، وينتظره في الآخرة الضنك إن كان من أبناء الدنيا المترفين، أما إن كان من المستضعفين مشغولا ببؤسه مغمى عليه بكفره فهي معيشة الضنك في الدنيا وفي الآخرة.

ويرتب البلاغ القرآني واجبين مقدسين في ذمة المومنين تجاه الإنسان في الحالتين السابقتين: واجب إسماع البلاغ القرآني ونذارته وبشارته للإنسان المترف المحروم من حقه في معرفة ربه شفقة به ورحمة وخوفا عليه من العذاب الأخروي.

وواجب الجهاد من أجل رفع الظلم عن الإنسان المستضعف باعتبار الظلم عائقا له عن سماع كلمة الله.

3 – مبدأ التكامل في حقوق الإنسان

إن ما يميز نداء الإسلام لحقوق الإنسان أنه نداء بما يحقق التكامل والانسجام في دائرة العدل والإحسان، فالحقوق المندرجة تحت قاعدة العدل في أفق هذه الدنيا معركة لا نهرب منها وهي المقدمة اللازمة للحقوق المندرجة تحت قاعدة الإحسان وهي الغاية الأخروية، فالأولى مقدمة للأخرى، ولا تعارض بينهما، فالدنيا متصلة بالآخرة وهي الطريق إليها، فكل حق من حقوق الدنيا يقرب الإنسان من غايته الأخروية يصبح بهذا المقتضى حقا شرعيا، وكل حق من حقوق الدنيا يلهيه عن آخرته فهو حظ من حظوظ النفس.

لذلك فإن ما ينادي به الضمير الإنساني الآن من حقوق، ومنها حق الشعوب في تقرير مصيرها والحقوق المدنية والسياسية والثقافية والاقتصادية وحقوق المرأة والطفل والعمل والصحة والتعليم والسكن وحقوق المرضى والعجزة وغيرها دين عندنا إن قسناه بمعاييرنا ووزناه بصنوج ميزاننا.

4 – مبدأ التعاون في مجال حقوق الإنسان

إن حقوق الإنسان بما هي صيحة ضمير صادق ونداء مروءة شريفة يبذل في الدفاع عنها وتثبيتها الفاضلون من نظرائنا في الخلق في جمعيات عالمية ومحلية الجهود المحمودة المشكورة، ومع هؤلاء يجب أن نتعاون ونتحاور، لأن ما يجمعنا كثير وإن اختلفت البواعث.

فمبدأ التعاون والوفاق مع جمعيات حقوق الإنسان الوطنية والدولية ثابت مهما اختلفت المنطلقات، لأن الأهداف توحدنا كالغيرة على الضعيف وكراهية الظلم، فباعثها عندهم المروءة، وعندنا الدين والمروءة معا، هم يناضلون ونحن نجاهد، هم في طموحهم السياسي المحدود بأفق الدنيا، ونحن في ركاب الشرع، والهدف رفع الظلم على الإنسان بضمان كرامته وسلامته البدنية والنفسية وحريته وحقوقه المدنية والسياسية وغيرها، وتثبيت سيادة الشعب في تقرير مصيره وسياسته وفي انتخاب حكامه وتبديلهم، ومراقبتهم، نتعاون في كل ذلك ونتحاور لننتهي إلى الشورى بآليات الديموقراطية، ونعزز حقوق الإنسان ونثبت كرامته، كما نسعى لتحقيق مطلبنا العزيز ألا وهو الاستقرار والسلام العالميين، لأن لنا رسالة نبلغها للعالمين وهي رسالة رفق لا عنف وصدق لا نفاق وترغيب لا ترهيب واختيار لا إكراه، لذلك لا بد من مناخ عالمي يساعد على ذلك وهو السلام.

والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1)الإسراء من الآية 70.

2) النساء من الآية 1.

3) مسند الربيع من حديث جابر بن زيد، وبلفظ آخر عند الترمذي في سننه في كتاب التفسير، وعند البيهقي في شعبه.

4) سنن أبي داود باب ما يقول الرجل إذا سلم، والسنن الكبرى للنسائي / كتاب عمل اليوم والليلة ومسند أحمد من حديث زيد بن أرقم، ومسند أبي يعلى من حديث زيد بن أرقم.

5) الممتحنة من الآية 8.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

د.محماد رفيع

أستاذ الدراسات الأصولية والمقاصدية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز- فاس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: