منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جنة الحياة

0
اشترك في النشرة البريدية

و نحن في سن الطفولة، كثير منا كان يعتقد، أنه عندما يكبر سيحقق كل ما يتمناه ، و كل ما يراه عند من هم أكبر منه سنا ،  وسيعيش في نعيم خالص.

تلك احلام الطفوله، لها من الفوائد الجمة، في تكوين شخصيه الانسان و طموحه، ما لا يمكن إنكاره.

لكن كثير منا، تستمر معه تلك الأماني، المحلقة في سماء المثالية فترة طويله من عمره، يرفض إخضاعها للواقع، يعظمها، يقدسها و ينتظر تحققها يوما ما مكتملة دون نقص،  و يحتفظ بنفس المنطق في حياته، فيبقى ينتظر أن تتوفر له نعم الحياه مكتمله، حتى يعيش السعاده كما يتخيلها.

ينتظر حبا بلا ألم ، صحة بلا سقم، غنى بلا تعب و لا نقص، رفعة دون تضحية، أخذ دون عطاء، حكمة دون خطأ ولا عناء ، فرح دون حزن … إلخ

و منا من يعتقد أن السعادة في توفر بعض الكماليات، و أنه إن أدرك ما يشتهيه  منها،  ستتحقق له السعاده الكامله، فيبذل في سبيل ذلك الكثير من الوقت و الجهد و الموارد، حتى اذا ما أدركها، اكتشف انها ليست هي كل السعاده التي يبحث عنها.

المزيد من المشاركات
1 من 13

بل من الناس من يضيع ما في يده، من ممتلكات وامتيازات ونعم و فترات من عمره، من اجل بلوغ نزوة يعتقد انها سر سعادته، فما إن  يدركها حتى يكتشف انه أخطأ الطريق.

و هذا ما يسبب كثير من الاضطرابات النفسية، و الاجتماعية، و الشخصية، لكثير من الناس، قد تؤدي إلى عاهات نفسية مستديمة و صدمات طويلة الأمد، و انهيارات نفسية خطيرة، و فقدان الحافز في الحياة.

فما الخطأ الفكري أو التصوري الذي نرتكبه في حياتنا و الذي يجعلنا ضحية لمثل هذه الصدمات و الانهيارات ؟ و كيف يمكننا تجنب ذلك؟

من صفات الجنة، أن السعاده فيها متكامله الأركان، أبدية الزمان، لا نقائص فيها، هذا الوصف غير متوفر في حياة الانسان،  فالطفل ينعم باللعب واللهو،  لكنه في نفس الوقت، لا يستطيع أن يحقق كثير من الأشياء التي يحبها و يتمنى الوصول اليها، و قد تكون في متناول من هم أكبر منه بسهولة.

والشاب قد ينعم بالقوة والشجاعة … ،  لكن غالبا ما تجد إمكانياته الماليه لا تأهله لبلوغ ما يريد، فان توفرت الامكانيات الماليه، فقد تعوزه مؤهلاته العاطفيه أوالوجدانيه او الاجتماعيه او العلمية، لبلوغ ما يعتقد أنه يحقق له السعادة الكاملة، فتجده ينتظر اليوم الذي تتوفر له كل الإمكانيات، لكي ينعم بالسعاده، لكنه كلما أدرك شيئا، فَقَدَ غيره، أو اعترضته تحديات أخرى لم تكن بالحسبان.

فمن الناس من يفرط في أشياء ثمينة يملكها، في سبيل بلوغ ما يتوهم أن فيه سعادته الكامله، فقد يبيع أرضا من أجل بلوغ نزوة ، وقد يهدر ثروة، من أجل بلوغ مكانة اجتماعية، و قد يفرط في كرامة، من أجل بلوغ سلطة ما، يعتقد أنه ببلوغها تكتمل له سعادة الحياة.

و قد يفارق شريك حياته الذي قضى معه ردحا من الزمن، اعتقادا منه, أن مع غيره ستكتمل له متعة الحياة، فاذا به يكتشف أن غيره ككل البشر بعيوبه واخطائه ونزواته وطباعه.

فكثير من الناس يُفرِّط في الخير الموجود، من أجل بلوغ نعيم مُتَوَهم مفقود، و لا يعطي نفسه فرصة اكتشاف سبل سعادته فيما هو موجود.

وحتى إن أدرك نصيبا مما يصبو إليه، أدرك معه مشاكله و صعوباته و مشاقه، مما قد يفقده لذته و سعادته به ، فيدرك أخيرا، أنه لم يدرك جنته الخالصة التي كان يتوهم وجودها.

ذلك أنه لا توجد جنة و لا سعاده مكتمله في الأرض، إنما هو تدبير وسعي وعمل، ويسر وعسر، و اجتهاد و كَبَد، و قبضٌ و بسط، و لكل شيء اذا ما تم نقصان.

وعليه، إذا استطعنا أن نتعامل بهذا المنطق مع الحياه، نستطيع بذلك تجاوز كثير من المنغصات، وندرك طمانينة البال، فَنُسلِّم بأن الحياة، يوم لك ويوم عليك، ويوم تُساء، ويوم تسر،

و غايه ذلك، أن يُختَبَر صبرك، و حلمك،و شكرك و قوتك و حكمتك في التعامل مع الاحداث و الأشخاص والافعال من حولك.

لابد أن ندرك، أن تركيبة هذه الحياة، مبنية  على مبدئي تكامل الاضداد وتناسلها، ففي كل ما نراه خيرا، يوجد فيه أو يتولد منه شيء مما نكره (شر )، و في كل ما نراه شرا، يوجد شيئ من الخير، أو يتولد منه خير. قال الله تعالى “عسى أن تكرهوا شيئا و يجعل الله فيه خيرا كثيرا”

و سبب تصنيفنا للأشياء خيرا أو شر، إنما هو راجع إلى موقعنا و موقفنا منها ، و تركيزنا على جانب من جوانبها أكثر من غيره، و عدم قدرتنا على النظر إليها من فوق.

و من القواعد المهمة في هذه الحياة ، أن قيمة الأشياء لا تعرف إلا بأضدادها، فالحزن لا يمكن أن نعرفه إلا اذا عرفنا السروره قبله ، ولا نعرف هذا الأخير، ولن نستمتع به، إلا اذا عشنا الحزن قبله، فلولا الحزن ما عرف السرور، ولولا السرور ما عرف الحزن، ولولا المرض، ما عرفنا نعمه العافيه والشفاء، ولولا وخوفنا من المرض، لما سعينا للبحث عن الوقاية و العلاج، فهو شر يدفعنا الى خير، ولولا الفاقة  لما سعينا إلى نعمة الاكتساب و المال، و لولا مواقف الضعف، لما سعينا إلى اكتساب القوة و المنعة.

فخلاصة القول أن ما نحبه و نتمناه، هو بالضروره ملازم، او نتيجة لما نكره ولا نتمناه، و”إن مع العسر يسرا” هناك دائما مع العسر المنبوذ، يسر محبوب، و العكس صحيح،

فلابد أن نكتسب مهارة التعامل مع وجهي الحياة، و نربي الأجيال عليها حتى نستطيع ادراك الاستقرار النفسي و اطمئنان البال.

إن اكثر الناس صمودا في هذه الحياة، هو من تساوى عنده وجهيها، حلوها ومرها،  فلا يغتر بنعيمها فيطمئن له وينسى اصله، ولا يخشى جحيمها فيرتعب منه و ينهار ويستسلم له، فمن بلغ هذا المبلغ فقد أدرك الحكمه و بلغ جنة الأرض.

ومن مبادئ هذه الحياة أيضا أنها لا تستقر على حال، و لا وجود فيها لدوام الحال ، فمن كان اليوم معسرا فقيرا، قد يصير غدا موسرا غنيا (المقصود بالغنى الكفاف و عدم الحاجة)، ومن كان اليوم قويا قد يا يصير غدا ضعيفا… وهكذا،

وكل ذلك مرتبط بسعي الانسان وكيفيه تعامله مع الاقدار شديدها و لطيفها ففي الأخير ليس ليس للانسان الا ما سعى وان سعيه سوف يرى،

ليس المقصود من هذه المقاله الدعوه الى الى الركون و الاستسلام و التواكل على الاقدار، بالعكس إنما هي دعوة للسعي و بذل الجهد في بلوغ المعالي، لكن جهد و سعي بنضج و قوة و تحمل و قدرة على مواجهة كل ما يعترض من صعوبات و تحديات و انتكاساتات بنفسية قوية مطمئنة، مؤمنة بقواعد هذه الحياة ذات الأوجه المتعددة

و دون غرور و لا ضعف، و لا استسلام لما قد يعترضه من مواقف النقص والضعف و  قله الحيله وضعف القدره،  فانما ذلك هو من متلازمات الحياه، تضعف اليوم وتعجز اليوم، لكنك حتما تتقوى غدا وتقدر. وقد تكون اليوم قويا قادرا لكنك حتما في يوم ما، في زمن ما، ستضعف وقد تعجز وقد تحتاج لغيرك.

فليعمل كل منا، بحكمه وتخطيط وتدبير، وفق ما هو عليه اليوم، دون أن ان ينسى، ولا ينبغي له ان ينسى ما قد سيكون عليه غدا، فكم من واحد مر بلحظات قاسية و انكسارات كبيرة فاستطاع  نسيانها وتجاوزها والتعامل معها أو وجد من يساعده على ذلك، فإذا به بعد فترة من الزمن، يدرك ما لم يدركه غيره ، ولو انه تعامل معها بقنوط واستسلام، لأهلك نفسه و ما بلغ بغيته

وكم منا مر بلحظات قوه وشموخ  فنسي ما قد يكون عليه غدا، و لم يعمل له و لم يحتسب له حسابا، فاذا به بعد غنى الأيام صار إلى أفول وضعف، فلم يشفع له ما كان عليه من قوه وشموخ من قبل،

وعليه الحياه ينبغي ألا توهننا بسبب لحظات ضعفنا فيها، ولا تغرنا في اوقات قوتنا و استغنائنا فيها، ولن تجتمع لنا فيها السعادة الكامله المكتمله الدائمه الابديه،  فليعمل منا كل لغده دونه ان يتأثر بيومه ما استطاع،

فالحياة هي عبارة عن مراحل و دورات، دورة الذكاء العقل و الحكمة، دورة الغنى و المال و الجاه  دورة الصحة و القوة و العافية ، و هكذا ” تلك الأيام نداولها بين الناس”

 

إن نظرتنا العاطفية المفرطة (في بعض الأحيان) لذواتنا و للناس و الأشياء من حولنا، و تركيزنا على قيمة الأشياء و اهتمامنا المفرط بها ، دون التركيز على  قيمة ذواتنا و ضعف اقتناعنا بمؤهلاتنا و مكتسباتنا الذاتية ،  لهي من أهم الأسباب التي تجعنا بشكل لا شعوري، نعتقد بارتباط سعادتنا بأشياء معينة، أو مرحلة من مراحل عمرنا ، فنعلق الاستمتاع بحياتنا على أشياء أو ظروف نعتقد أن فيها سر سعادتنا.

       يجب أن نقتنع بالحقيقة التي طالما تجاهلناها، و هي أن سر السعاده فينا وليس فيما في أيدينا، وأن الحياة قائمه على مبدئي وجود الشيء و ضده في نفس الوقت ، فينبغي التعامل مع الاشياء واضدادها بنفس الطمأنينة، وان الحياة دواره، لا تدوم على حال لأحد،

   وان الاكثر نجاحا فيها من يستقبلون أوقات البسط واليسر، بالابتهاج و الشكر والتدبير الحكيم، ويستقبلون أوقات القبض والعسر والصعوبات، بالصمود وعدم الانهيار و الاستسلام ثم بالتخطيط والتدربير.

      فقيمة الانسان في ذاته قلبه و عقله و جسمه و روحه , و ليس في علاقاته و اتصالاته و ممتلكاته و ظروفه, كل قيمة مضافة تمنح للإنسان نتيجة لهذه الأشياء فهي وليدة نظرة الآخر اليه و هي في ذهن الغير فقط , و ليست قيمة حقيقية في صاحبها

 

قال الامام الشافعي :

وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي *** فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ

وَكُن رَجُلاً عَلى الأَهوالِ جَلداً *** وَشيمَتُكَ السَماحَةُ وَالوَفاءُ

وَإِن كَثُرَت عُيوبُكَ في البَرايا *** وَسَرَّكَ أَن يَكونَ لَها غِطاءُ

تَسَتَّر بِالسَخاءِ فَكُلُّ عَيبٍ *** يُغَطّيهِ كَما قيلَ السَخاءُ

وَلا تُرِ لِلأَعادي قَطُّ ذُلّاً *** فَإِنَّ شَماتَةَ الأَعدا بَلاءُ

وَلا تَرجُ السَماحَةَ مِن بَخيلٍ *** فَما في النارِ لِلظَمآنِ ماءُ

وَرِزقُكَ لَيسَ يُنقِصُهُ التَأَنّي *** وَلَيسَ يَزيدُ في الرِزقِ العَناءُ

وَلا حُزنٌ يَدومُ وَلا سُرورٌ *** وَلا بُؤسٌ عَلَيكَ وَلا رَخاءُ

إِذا ما كُنتَ ذا قَلبٍ قَنوعٍ *** فَأَنتَ، وَمالِكُ الدُنيا سَواءُ

وَمَن نَزَلَت بِساحَتِهِ المَنايا *** فَلا أَرضٌ تَقيهِ وَلا سَماءُ

وَأَرضُ اللَهِ واسِعَةٌ وَلَكِن *** إِذا نَزَلَ القَضا ضاقَ الفَضاءُ

دَعِ الأَيّامَ تَغدِرُ كُلَّ حِينٍ *** فَما يُغني عَنِ المَوتِ الدَواءُ

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.