تَحَوّر وتَمَحْوَر

يقال : تَمَحْور الكلام في الاجتماع على القضية الفلسطينية، يقصدون بـ(تمحور) دار، أي كان صلب كلامهم حول هذه القضية، والحَوْر الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، ومنه (إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ) أي يرجع، (وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره، رقم 1343. أي نعوذ بالله من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا فيها. وتحاوروا تراجعوا الكلام بينهم. وأما المحور فهو اسم آلة كمِنْبَر وهو “الحَدِيَدةُ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الخُطَّاف والبَكَرَةِ . وقال الجَوْهرِيُّ : هو العُودُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْه البَكَرَة وربما كَانَ مِنْ حَدِيد هو أَيضاً خَشَبَةٌ تَجْمَع المَحَالَة . قال الزَّجّاج : قال بَعْضُهم : قيل له مِحْوَر للدَّوَرَانِ لأَنَّه يَرْجِعُ إِلى المَكَان الّذِي زَالَ عنْهُ…والمِحْوَرُ : عُودُ الخَبَّازِ، وخَشبَةٌ يُبْسَطُ بِهَا العَجِينُ يُحَوَّر بها الخُبْزُ تَحْوِيراً.وحَوَّرَ الخُبْزَةَ تَحَوِيراً : هَيَّأَهَا وأَدَارَهَا بالمِحْوَر ليَضَعَهَا في المَلَّةِ، سُمِّيَ مِحْوَراً لدَوَرَانِه على العجِين تَشْبِيهاً بِمِحْورَ البَكَرة واستِدَارته كذا في التَّهْذِيب” تاج العروس/حور. شبه هؤلاء القائلون دوران الكلام في قضية معينة بالمحور الذي تدور عليه البكرة، أو عود الخباز الذي يُحَوَّر به الخُبْزُ تَحْوِيراً، وهذا التشبيه مقبول، لكن : هل صيغة (تمحور) التي استعملت للدلالة على هذا المعنى سائغة تصريفا أم لا؟.
إن الميم والتاء في (تمحور) زائدتان مثل: (تمسكن) أظهر الخضوع والمسكنة، ومنه الحديث : (الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى، وَتَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَتَبَأَّسُ، وَتَمَسْكَنُ، وَتُقْنِعُ يَدَكَ) مسند الإمام أحمد رقم :17452، و(تمندل) تمسح بالمنديل، و(تمنطق) شد على وسطه النطاق أو المنطقة، و(تَمَوْلى علينا) أي تعاظم، و(تمدرع) أي لبس المِدرعة، وكلها على وزن (تَمَفْعَل)، وهذا الوزن قليل في العربية، والوزن الكثير هو (تفعَّل)، وهذا ما جعل المازني يقول : “وقد قالوا تمدرع، والجيدة العربية : تدرَّع وتسكَّن، وهو أكثر في كلام العرب” المنصف شرح تصريف المازني 1/129. قال ابن جنى شارحه: ” تَمَدْرَع قليلة، والجيدة تدرَّع وتسكَّن.فأما قول العامة: تَمَخْرق، فينبغي أن يكون لا أصل له، وإن كان قد جاء عن العرب فهو بمنزلة تَمَسْكَن في الشذوذ “، والقليل الشاذ لا يقاس عليه غيره، قال سيبويه : “وقد جاء على فُعْلَانٍ نحو الشكران والغفران‏.‏ وقالوا‏ :‏ الشكور كما قالوا‏ الجحود‏‏، فإنما هذا الأقل نوادر تحفظ عن العرب ولا يقاس عليها، ولكن الأكثر يقاس عليه‏” كتاب سيبويه 4/8 . نعم يقاس على القليل إذا كان موافقا للقياس.
ثم إن هناك كلمات على وزان (تمحور) وردت بها اللغة إلا أن صيغتها قليلة لا يقاس عليها، ويعوض عنها بصيغة أفشى في اللغة وأقيس في العربية وهي (تَفَعَّل)، قال ابن عصفور : “الميم في تَمَعْدَدَ أصلية؛ لأن تمفعل قليل نحو ما ذكرنا من قولهم تمسكن وتمدرع، والأحسن تَسَكّن وتدرّع” الممتع في التصريف 1/251.
ومن معاني (تَفَعَّل) الاتخاذ، فيقال إذن : تَحَوّر الكلام في الاجتماع على القضية الفلسطينية أي اتُّخِذ محورا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: