تنمية الذوق في المعاملة

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

ليس المقصود من هذا الموضوع الحديث عن الخلق الحسن، فهذا يفترض توفره في كل مؤمن ومؤمنة؛ لكن الغرض من هذه السطور تناول الشكل الذي تم به أداء ذلك الخلق، فصلة الرحم مثلا من حسن الخلق، لكن لابد للقيام به من مجموعة من الآداب، لأن تجاهلها أو الإخلال بها يؤدي إلى عدم تحقيق المراد من هذا العمل، و نفس الشيء بالنسبة لباقي الأخلاق.

فمعاملة من نعاشرهم في حياتنا اليومية من أقارب و جيران و معارف و أصدقاء بذوق رفيع من شأنه أن يحافظ على الود و يديمه، حتى شبه عليه الصلاة و السلام المؤمن بالنحلة فقال: « …والذي نفس محمد بيده ان مثل المؤمن كمثل النحلة أكلت طيبا ووضعت طيبا ووقعت فلم تكسر ولم تفسد….. .» [1] يألف و يؤلف، خفيف الظل يرغب كل الناس في وده و مصاحبته.

معنى الذوق:

 قبل الحديث عن الذوق النبوي باعتباره أرقى و أسمى ذوق في الحياة البشرية، نقف لحظة مع معنى الذوق لغة و اصطلاحا.

 وردت كلمة “ذوق” في المعاجم اللغوية مرتبطة بما هو حسي، ففي المعجم الوسيط: “الحاسة التي تميز بها خواص الأجسام الطبيعية بواسطة الجهاز الحسي، في الفم و مركزه اللسان”.

في تاج العروس أصله: “فيما يقل تناوله فإن ما يكثر منه ذلك يقال له أكل”. و في لسان العرب: ” طعم الشيء “والذواق” المأكول و المشروب”.

نستنتج أن كلمة ذوق لها أصل مادي في اللغة، يتسع ليشمل المعنويات و كل ما يدركه الإنسان من خلال الحواس و العقل و الوجدان، حتى إن العرب قالوا في الأمر المعلوم المجرب “أمر مستذاق” و ذقت ما عنده إذا خبرته.

و لدخول الذوق في المعنويات التي تدور حول العقل و الروح و القلب نجد أهل السلوك يجعلونه في مرتبة من منازل الوجد ، يقول كمال الدين في المصطلحات الصوفية: “الذوق هو أول دراجات شهود الحق بالحق … فإذا زاد و بلغ أوسط مقام الشهود سمي شربا، فإذا بلغ النهاية سمي ريا”.

و الذوق عند العارفين كما بين الجرجاني “عبارة عن نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه و يفرقون به بين الحق و الباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره”. و قد ورد مصطلح الذوق بتصريفاته المختلفة بقوة في كتاب الله تعالى و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم من أمثال قوله تعالى:

ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً[2]

 كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [3]  

 فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [4] 

فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا [5].  

و قوله صلى الله عليه و سلم: « ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِىَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً.»[6]

هذه الاستعمالات و إن لم تشر مباشرة إلى معاني اللطف و حسن المعشر … فإن النصوص الشرعية ضمت من التشريعات ما يرعاه و يدعو إليه، سواء تعلق الأمر بأداء الشعائر من صلاة و صيام و زكاة و حج، أو معاملات جعل الدين الإحسان فيها عنوان الخيرية في الملأ الأعلى.

لماذا التأصيل للذوق السليم؟

من الناس من يظن أن الذوق السليم أوهام الحضارة المعاصرة، و منهم من يرى حقيقة التدين في الأعرابية و الجفاء و الغلظة ولا يعتبر اللباقة و الأدب إلا ضعفا، من هنا جاء التأصيل للذوق السليم لتحقيق الأهداف التالية:

  • الوقوف عند أهميته المتمثلة في نموذجها الكامل: رسول الله صلى الله عليه و     سلم، وفي مجالات الحياة المختلفة ، الخاصة و العامة، و في السلم و الحرب، لنعلم أن التدين و الذوق، و الحضارة و الأدب معاني لعملة واحدة، لأنه ما جاء إلا ليسمو بالحياة و يرقى بها.
  • الحرص على تربية الذوق السليم و تنميته و الارتقاء بسلوك المومنين و المومنات حتى يكونوا شامات في مجالات الدعوة و التربية، و العمل من خلال التركيز على أهمية جمالية المظهر، و انتقاء الكلم الطيب و المعاملة الكريمة و الحرص على السمت الحسن.
  • تيسير التواصل بين الناس و تحسين طرائقه.
  • محاربة الأعرابية و الجفاء و الغلظة و الانسلاخ عن مقتضيات الطباع السيئة: قال تعالى :ﱡ  إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﱠ[7]
  • التركيز على أسسه المبنية على الإحساس بالآخر و مراعاة مشاعره و تجنب إحراجه و الإحسان في معاملته.
  • التأكيد على ضرورة تجاوز الفردية و الغثائية، لأنها مخالفة للفطرة و الذوق السليم، لما تقودان إليه من جفاء و خشونة في المعاملة.

تنمية الذوق مطلب شرعي و حاجة إنسانية:

لما جاء الإسلام عمل على تهذيب الأعرابية، ونفر من الجفاء و الغلظة من حيث هي نكوص عن الهجرة والنصرة سلوكا، و عن حقيقة الإيمان اعتقادا، و عن الذوق الرفيع طبعا و اهتماما. إذ وجه الرسول صلى الله عليه و سلم المجتمع المسلم إلى التزام الذوق حتى يكون متميزا بشكله كما تميز بعمقه، روى أبو داود رحمه الله بسند حسن عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال لأصحابه: « إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا نعالكم  أو قال : رحالكم وأحسنوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس فإن الله عز و جل لا يحب الفحش ولا التفحش .» [8]  بمعنى الجفاء و الغلظة في المظاهر الجمالية،الذوق  إذا صفة مميزة للمجتمع المسلم الذي رام النبي الأكرم بناءه . جمال ينبع باطنا من حقيقة إيمانه بالله، جمال خلق و سلوك و معاملة.

نقف أولا مع جمال المظهر للنبي صلى الله عليه و سلم، حيث كان يستقبل الوفود بمظهر رائق لائق يختلف باختلاف نوعية الوفود المستقبلة، يكتحل و يستاك و يمتشط و يتطيب، عن عائشة رضي الله عنها قالت: « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن يخرج إلى أصحابه تفل الريح، وكان إذا كان في آخر الليل مس طيبا. » [9] 

وعنها  أيضا رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان ينتظره نفر من أصحابه على الباب، فجعل ينظر في الماء و يسوي شعره و لحيته، ثم خرج إليهم، فقلت: «يا رسول الله، و أنت تفعل هذا؟ قال: نعم، يا عائشة إن الله جميل يحب الجمال إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه.» [10] ، اعتنى صلى الله عليه و سلم بالمظهر لأنه أول تواصل بين البشر، و أول سمة من سمات الألفة، فعن أنس رضي الله تعالى عنه قال:      « كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوبا لبسه يوم الجمعة » [11] ، لأنه يوم اجتماع المسلمين و المسلمات، و محطة للتواصل معهم و تمرير رسائل متعددة، و هو صلى الله عليه و سلم المعلم قولا و فعلا و تقريرا، فقد جعل لكل أعمالنا: ــ أقوال            و أفعال، سكنات و حركات سماها شعب الإيمان ــ آدابا و أذواقا، يؤجر المحتسب فيها كما يؤجر على صلاته و زكاته و سائر عباداته فقال: «  اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن » [12]

بذوق رفيع تغلغل رسول الله صلى الله عليه و سلم بين الناس، و احتل قلوبهم، حتى أصبح أحب إليهم من المال و الولد بل من النفس.

فكان الرسول صلى الله عليه و سلم، يشارك أصحابه في مباح أحاديثهم، إذا ذكروا الدنيا ذكرها معهم و إذا ذكروا الآخرة ذكرها معهم، و إذا ذكروا طعاما أو شرابا ذكره معهم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما دعاه أحد من أصحابه و لا أهل بيته إلا قال لبيك”، و كان لا يعيب طعاما قدم إليه أبدا.

المتتبع للسيرة النبوية العطرة الرحيمة المتواصلة بكل أفراد المجتمع كبر شأنه أو صغر، فقد مازح صلى الله عليه و سلم أصحابه دون أن يمس خصوصياتهم، أو يثير حساسياتهم، يخالطهم و يحادثهم، و يداعب صبيانهم، و يجلسهم في حجره، و يجيب دعوة الحر و العبد و الأمة، يقبل الاعتذار، يعود المريض و تكون زيارته بلسم و شفاء، لما فيها من خفة و بعث أمل و ترقية نفسية و عضوية.

كان صلى الله عليه و سلم يسمع بذوق و يصافح بذوق، عن أنس رضي الله عنه قال:   « مَا رَأَيْتُ رَجُلاً الْتَقَمَ أُذُنَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَيُنَحِّى رَأْسَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِى يُنَحِّى رَأْسَهُ وَمَا رَأَيْتُ رَجُلاً أَخَذَ بِيَدِهِ فَتَرَكَ يَدَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِى يَدَعُ يَدَهُ.  » [13]

كان صلى الله عليه و سلم إذا التفت التفت كله، حتى يشعر المتواصل معه بأهميته و الاهتمام به، هذا بالإضافة إلى أنه دائم الابتسامة، فكلما اجتمعت الابتسامة مع بيان الاهتمام،كلما كان المتواصل معه في كامل الأريحية و تجاوز الحواجز فيتم التواصل الكامل.

كان لا يقطع على أحد حديثه بل يسمع باهتمام و قد يستحسن الحديث و يجعل من حوله يأخذ نفس الانطباع كما وقع في قصة أسماء بنت يزيد الأنصارية: روى البيهقي في شعب الإيمان أن أسماء بنت يزيد الأنصارية من بني عبد الأشهل أنها أتت النبي صلى الله عليه و سلم و هو بين أصحابه فقالت: «بأبي أنت و أمي إني وافدة النساء إليك و اعلم نفسي لك الفداء، أما إنه ما من امرأة كائنة في شرق و لا غرب سمعت بمخرجي هذا أو لم تسمع إلا و هي على مثل رأيي. إن الله بعثك بالحق إلى الرجال و النساء فآمنا بك و بإلهك الذي أرسلك، و إنا معشر النساء محصورات مقصورات قواعد بيوتكم، و مقضى شهواتكم و حاملات أولادكم، و إنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة و الجماعات وعيادة المرضى و شهود الجنائز و الحج بعد الحج و أفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، و إن الرجل منكم إذا أخرج حاجا أو معتمرا أو مرابطا، حفظنا لكم أموالكم و غزلنا لكم أثوابا، و ربينا لكم أولادكم فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ قال: فالتفت النبي صلى الله عليه و سلم إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله، ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا… » [14] .ليس من السهل تغيير المواقف ،فالرجل الذي كان يئد ابنته بالأمس ، يجب أن يقبلها مناضلة مطالبة بحقها في قضيتها مع الله تعالى على قدم المساواة معه اليوم، ولكن بذوق وحكمة نبوية شهد لها بحسن مقالتها. 

يعامل صلى الله عليه و سلم كل واحد من جلسائه بحسب حاله و طبعه، كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: « كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مُضْطَجِعًا فِى بَيْتِى كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَسَوَّى ثِيَابَهُ – قَالَ مُحَمَّدٌ وَلاَ أَقُولُ ذَلِكَ فِى يَوْمٍ وَاحِدٍ – فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ فَقَالَ « أَلاَ أَسْتَحِى مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِى مِنْهُ الْمَلاَئِكَةُ ». » [15]  ذوق عال هو مراعاة طبائع الناس و معاملتهم على هذا الأساس، لتيسير التواصل أولا، باعتبار أن المؤمن إلف مألوف ، ثم الحفاظ على حق الاختلاف حتى على مستوى الطبائع.

قضاء حوائج الناس خلق سامي يرفع إلى ما لا ترفع إليه العبادات الأخرى من صيام أو صلاة كما ورد عنه صلى الله عليه و سلم، و لكن إذا قضيت هذه الحاجة بتماطل لم تؤد الدور المناط بها و هي تأليف القلوب، فعنه صلى الله عليه و سلم أنه إذا جاءه أحد و هو يصلي خفف صلاته، و سأله عن حاجته ثم قضاها.  عن أنس أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت «  يا رسول الله إن لي إليك حاجة ً فقال يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها » [16]

و إذا خدمه أحد يشكره، و تختلف طرق الشكر عند رسول الله صلى الله عليه و سلم، فهناك من يشكره بالثناء، و هناك من يشكره بالدعاء،« فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ » [17]

و عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: « قَالَ الْمُهَاجِرُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قَوْمٍ قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ أَحْسَنَ مُوَاسَاةً فِي قَلِيلٍ وَلَا أَحْسَنَ بَذْلًا فِي كَثِيرٍ لَقَدْ كَفَوْنَا الْمَئُونَةَ وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَإِ حَتَّى لَقَدْ حَسِبْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ قَالَ لَا مَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ وَدَعَوْتُمْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ » [18]

و من ذوقه صلى الله عليه و سلم أنه إذا جاءه خادم بطعام يدعوه إلى جانبه أو يناوله من الطعام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: « إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامٍ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ “.» [19] درس قمة في التربية و غاية في الذوق و الأدب من معلم البشرية إلى أمته جمعاء.

 «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ وَهُوَ حَامِلٌ الْحَسَنَ أَوْ الْحُسَيْنَ فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا فَقَالَ إِنِّي رَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الصَّبِيّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاجِدٌ فَرَجَعْتُ فِي سُجُودِي فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ هَذِهِ سَجْدَةً قَدْ أَطَلْتَهَا فَظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ قَدْ يُوحَى إِلَيْكَ قَالَ فَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ . » [20] في مجتمع لا يُقبل فيه الأب ابنه و لا يقربه منه ، يمتطي الحفيد ظهر جده و هو في الصلاة و لا يرفع من الصلاة حتى يتنحى الطفل من تلقاء نفسه، دون أن يزعجه جده،و الصلاة جماعية. و قد رأيناه صلى الله عليه و سلم يخفف الصلاة من أجل قضاء حوائج الناس، هذا ليس تناقضا، و إنما هو درس في الرحمة و الرفق في التعامل مع الطفل لتكسير الغلظة في تلك العقلية الجافة، و من خلال التعامل مع الطفل يمرر الخطاب بذوق رقيق للاعتناء  بالأسرة ككل، خاصة المرأة، حين أتى على أزواجه و سواق يسوق بهن الإبل يقال له أنجشة  فقال له: « ويحك يا أنجشة رويدا سوقك بالقوارير » [21] قال أبو قلابة و هو راوي الحديث. “تكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه” و في رواية: “يا أنجشة لا تكسر القوارير”، لم يتقبل أبو قلابة لطافة القول الكريم و هو بعقلية قومه فجاء تقييمه صادقا معبرا. إن تشبيه المرأة بالقارورة قمة في الذوق الأنثوي سواء على المستوى النفسي أو الجسدي، هذه المرأة التي وصفت بالقارورة هي نفسها التي شاركت في الغزوات، فارسة و ممرضة … تحولت بفضل التربية الراشدة و الصحبة الهادية إلى فولاد.

فهي قارورة في موقف و حديد في موقف آخر، المطلوب فقط الذوق الرفيع في المعاملة ليس مع المرأة فحسب، بل مع الكبير و الصغير، قال صلى الله عليه و سلم: « ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا و يرحم صغيرنا، و يعرف لعاملنا حقه. »  ذوق في قمة الجمال يتجسد في قوله عليه الصلاة و السلام. “عن أسامة رضي الله عنه قال:

« بينا رسول الله صلى الله عليه و سلم ومعه أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم في نفر من أصحابه إذ أتى بقدح فيه شراب فناوله رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا عبيدة فقال : أبو عبيدة : أنت أولى به يا نبي الله قال : خذ فأخذ أبو عبيدة القدح ثم قال له قبل أن يشرب خذ يا نبي الله قال نبي الله صلى الله عليه

 و سلم : اشرب فإن البركة في أكابرنا فمن لم يرحم صغيرنا ويجل كبيرنا فليس منا» [22]

خاتمة:

لقد تلقى الصحابة الذوق النبوي، فترجموه سلوكا غاية في الجمال الذي بني به المجتمع، وجعل ذلك الناس يدخلون في دين الله أفواجا. عن الشعبي  قال: ركب زيد بن ثابت، فأخد ابن العباس بركابه فقال له: لا تفعل يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقال زيد: أرني يدك، فأخرج يده، فقبلها زيد و قال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه و سلم.

هذا و تجمل الرسول الكريم بأدب التثاؤب و العطاس  و الأكل و النوم و النظر … إلى غير ذلك من الأعمال التي جبل عليها الإنسان.

و في النهاية جمال النفس المؤمنة و طمأنينتها، يتجلى في سيما الوجوه الساجدة المنورة، و في مجال السلوك الخلقي من صبر جميل، و صفح جميل، و سراح جميل، و هجر جميل كما جاء في القرآن الكريم، و ينبغي للمجتمع الإيماني أن يكتسي بالسمت الجميل و المظهر الجميل النظيف و الذوق الرفيع.


[1]  : مسند أحمد بن حنبل حديث رقم 6872.

[2]  : سورة الروم الآية 33.

2  : سورة العنكبوت الآية 57.

3  : سورة النحل الآية 112.

4  : سورة الطلاق الآية 9.

[6]  : صحيح مسلم الحديث رقم 160  باب ذاق طعم الإيمان.

[7]  : سورة الحجرات الآية 4.

[8]  : شعب الإيمان للبيهقي ج 5 ص 163 الحديث 6204

[9]  : سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد – (ج 7 / ص 337)

[10]  : جمع الجوامع أو الجامع الكبير للسيوطي – (ج 1 / ص 27048

[11]  : الأنوار في شمائل النبي المختار – (ج 1 / ص 283)

[12]  : سنن الترمذي – (ج 4 / ص 355)

[13]  : سنن أبى داود – ج 4 / ص 398

[14]  : شعب الإيمان – البيهقي – (ج 6 / ص 420)

[15]  : صحيح مسلم – ج 7 / ص 116

[16]  : الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم – ج 2 / ص 490

1  : مسند أحمد – ج 12 / ص 472

[18]  : مسند أحمد – ج 20 / ص 360

[19]  : مسند أحمد – ج 15 / ص 176

[20]  : مسند أحمد – ج 25 / ص 419

[21]  : السنن الكبرى للبيهقي – ج 10 / ص 227

[22]  : المعجم الكبير – ج 8 / ص 227

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: