تصويب القصد عند صيام رمضان

مقدمة

خلق الله تعالى الإنسان في هذه الدنيا ووهبه هبات عديدة لا تعد ولا تحصى، لأنه سبحانه وتعالى هو الوهاب، قال تعالى: (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)[1]، إلا أن الناس ينقسمون في تعاملهم مع هذه الهبات إلى صنفين:

1 – صنف يعيش في هذه الهبات مستجيبا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فيسعد فيها وبها، قال تعالى في محكم كتابه في سورة النحل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[2].

2 – والصنف الثاني يعيش في هذه الهبات الربانية مستجيبا لنفسه الأمارة بالسوء، ولهواء وللشيطان، فيشقى بها بدل أن يسعد، مصداقا لقوله تعالى في محكم كتابه في سورة طه: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ° قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ° قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى)[3].

وبناء على هذا التقسيم ننظر إلى حال الصائمين في شهر رمضان، وهم كلهم من المسلمين، إلا أن منهم المستجيب للنفس والهوى والشيطان في شأن الصيام، والمستجيب لله وللرسول صلى الله عليه وسلم:

أ – صنف الصائمين المستجيبين للنفس والهوى والشيطان في الصيام:

هؤلاء اعتقدوا أن رمضان هو شهر المبالغة في الطعام والشراب عند الإفطار، مع العلم أن الله تعالى لم يحرم الطعام والشراب وقت الإفطار، وإنما حرم المبالغة فيه وتجاوز الحد، فقال سبحانه في سورة الأعراف: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ° قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ )[4]، وهكذا أرهق هذا الصنف من الرجال نفسه بنفقات الطعام والشراب فوق المطلوب، وأفرغ جيبه، وأثقل كاهله بالديون، وأتعبت المرأة الصائمة نفسها في المطبخ لإعداد أنواع الطعام والشراب، والذي سيتناولون منه قدرا محدودا، ويلقى بالباقي في المزابل، وفي المساء يريدون الترويح على أنفسهم اعتقادا منهم أن رمضان مجرد إمساك عن الطعام والشراب ومباشرة النساء بالنهار، أما الليل فهم محررون فيه من كل القيود، فيجعلونه للسهرات والسمر والزيارات، وملء المقاهي والمنتزهات، وشرب الدخان وخروج النساء متعطرات ومتزينات ومتبرجات، وقضاء الأوقات الطويلة أمام الأفلام والمسلسلات، وهكذا أتعبوا الجهاز الهضمي بإدخال الطعام على الطعام، كما أتعبوا أجسادهم بالسهر، وهم يعتقدون أنهم بأفعالهم هذه يرضون ربهم، والحقيقة أنهم لا يرضون سوى أنفسهم الأمارة بالسوء، ويطيعون أهواءهم، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)[5]. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ :« رُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ ، وَرُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ ».[6].

  وينقضي شهر رمضان، شهر التوبة والغفران، ولم يستفيدوا منه، لا روحيا ولا عقليا ولا جسديا، لأنه ما فرض عليهم إلا لمخالفة النفس والهوى والشيطان، والالتزام بالحمية تقوية للأجساد، وتحقيق التقوى، التي هي فعل ما الله به أمر، وترك ما عنه زجر، وهم لم يحققوا هذا المقصد الثمين الذي سيرجع للصائم آدميته وتوازنه، بل العكس، يكونون قد خرجوا منه بالذنوب بدل الحسنات والأعمال الصالحة، مثقلين أنفسهم بالأوزار، متوهمين أنهم يحسنون صنعا، والله تعالى يقول في حق هؤلاء في سورة الكهف: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ° الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)[7].

ب – صنف الصائمين المستجيبين لله وللرسول صلى الله عليه وسلم:

هذا الصنف هو الذي خالف نفسه وهواه وعصاهما، مستجيبا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولتحذيرات رجال التربية والعارفين بحقيقة الأنفس والشيطان والذين قالوا:

وخالفِ النفسَّ والشيطانَ واعصهما ** وإنْ هُما مَحَّضــــــــــــــــاكَ النُّصحَ فاتهم.

وَلا تُطِعْ منهما خَصْماً وَلا حَــــــكمَاً ** فأنْتَ تَعْرِفُ كيْدَ الخَصْمِ والحَكمِ.[8]

فجعلوا لشهرهم برنامجا محكما، ولم يحرموا فيه أنفسهم مما أحل الله لهم من الطيبات بعد الإفطار من شهوتي البطن والفرج، فتمتعوا فيه بما لذ وطاب من الطعام والشراب وقت الإفطار، دون إسراف أو تبذير، مكثرين فيه من العبادات والطاعات والصلوات والصدقات وقراءة القرآن والذكر في ليلهم ونهارهم. وهؤلاء هم الذين يفرحون فرحتين، الفرحة الأولى عند فطرهم في كل يوم، وعند انتهاء رمضان في عيد الفطر، بأن وفقهم الله للصيام وحفظ الجوارح والانتصار على النفس والهوى، والفرحة الثانية عند لقاء ربهم للحصول على جزاء ثمرة أعمالهم الصالحة في الدنيا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- : (… لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ …)[9]. وقال سبحانه: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)[10].

خاتمة

قد تبين الرشد من الغي، والواقع المعيش يشهد على هذه الحقائق، لا يماري فيها إلا معاند، فاختر لنفسك مع من تريد أن تكون، هل مع الذين يستجيبون لأنفسهم وأهوائهم وشياطينهم فقد وضح لك طريقهم وثمرة أعمالهم، أم مع الذين صححوا مسارهم، وأعلنوا توبتهم، واستجابوا لله وللرسول صلى الله عليه وسلم لما يحييهم، وتحلوا بالتقوى، قال تعالى في سورة الأنفال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ° وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)؟[11].

فاللهم أدخل علينا شهر رمضان باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ووفقنا فيه لنكون من المستجيبين لله وللرسول صلى الله عليه وسلم لما يحيينا، اللهم إن هذا شهر التشبه بالملإ الأعلى قد أقبل داعيا ومبشرا، اللهم فاجعل لنا فيه توبة للترقي، ونسبة للتوقي، وحبلا قرآنيا للتلقي، اللهم إنك تعلم أن الضعف سربال العباد، والجهل دثارهم، والنقيصة زادهم، فاجعل لنا من لدنك مددا وسندا ورشدا، يا غياث المستضعفين، إياك نعبد وإياك نستعين، والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1][سورة آل عمران، الآية 8].

[2][سورة النحل، الآية 97].

[3][سورة طه، الآيات 124- 126].

[4][سورة الأعراف، الآيتان 31، 32].

[5][حديث صحيح، رواه البخاري (ح 6057 )، وأبو داود (ح 2362 )، ووهم الحافظ رحمه الله في نسبة هذا اللفظ لأبي داود دون البخاري؛ إذ هو لفظ البخاري حرفا حرفا سوى أنه قال: ” حاجة أن يدع ” بدون ” في ” ولا أثر لذلك. وأما أبو داود فليس عنده: ” والجهل ” وما أظن الحافظ ذكر أبا داود ولا عزاه إليه إلا من أجل هذا اللفظ].

[6][أخرجه أحمد (2/373، رقم 8843)، والحاكم (1/596 ، رقم 1571) وقال : صحيح على شرط البخاري . والبيهقي في شعب الإيمان (3/316 ، رقم 3642) ، والبيهقي (4/270 ، رقم 8097) . وأخرجه أيضًا : أبو يعلى (11/429 ، رقم 6551) ، وابن حبان (8/257 ، رقم 3481)] .

[7][سورة الكهف، الآيتان 103- 104].

[8][ديوان البوصيري (ص: 239)] [9][أخرجه أحمد (2/477 ، رقم 10178)، ومسلم (2/807، رقم 1151)، وابن ماجه (1/525 ، رقم 1638)، والنسائي (4/164 ، رقم 2218)].

[10][سورة النازعات، الآيتان 40-41].

[11][سورة الأنفال، الآيتان 24-25].

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: