تربية المقهورين بين المدرسة والمجتمع

” يجب أن نؤسس من تحت. يجب أن نربي الفرد(….)أما أن نعقد مؤتمرا مجموعا من ضعفاء ليس لهم إرادة مستقلة، وهم لا يقدرون أن ينفذوا قرارا، فما فائدة ذلك، أتريد أن نجمع أصفارا.”[1] شكيب أرسلان

إن تشكيل الشخصية المتكاملة للمتعلم من الأمور التي تستوجب النظر قي العوائق والعراقيل التي تحول دون ذلك؛ وقد ساد عند التربويين وعلماء النفس أن المتعلم هو الذي يشكل المجتمع ويؤثر فيه إلا أن العكس هو الصحيح في نظر باولو فرير[2]، “فقد تأكد من أن التربية لاتشكل المجتمع وإنما المجتمع هو الذي يشكل التربية وفقا لمصالح أولئك الذين يمسكون بزمام السلطة فيه”[3]. إن النظام التربوي غالبا ما يساهم في الحفاظ على الوضع القائم، وعدم الرغبة الحقيقية في التغيير هو من أهم سمات الأنظمة الجبرية القمعية التي لا ينفعها المتعلم الذي يفكر في مصالح الطبقة الكادحة المقهورة، ولهذا يوجه المنظومة التربوية للحفاظ على الوضع القائم وإبقاء كل شئ على ماهو عليه حتي لاتمس مصالحه.يقول الدكتور سعيد إسماعيل علي: “ولا يزال عدد كبير من الناس يعتقد أن النظام التربوي المنهجي كفيل بتغيير شكل أي مجتمع وتطويره، ولكن الحقيقة هي أن مهمته في مجتمع يسوده القهر والقمع هي حمايته والإبقاء عليه، فقد نبع منه ثم فرض عليه حمايته، ومن ثم فلا أساس من الصحة لاعتبار هذا النظام التربوي أداة للتحرير دائما أو أنه يملك القوة اللازمة لتحقيق هذا الغرض”[4].

إن المجتمعات المقهورة تعيد إنتاج نفس المنتوج، فالمقهورون يتوارثون القهر والقاهرون يتوارثون الجبر والقمع، وإذا ما ظهر ما يخالف هذه العادة المحكمة في العقول، استهجنها المقهورون قبل القاهرين لأنهم ألفوا الذل والهوان واستمرؤوا الإهانات والاحتقار ممن تسلط عليهم.لكن السؤال هو: كيف تُربى الأجيال قهرا؟ وكيف تعيش قانعة بوضعها؟ وما المخرج من ذلك؟

 

البذور التربوية للقهر والجبر

إن القهر يبدأ منذ الصغر ويكبر مع الإنسان حتى يستسلم للقدر ويخضع للأمر الواقع؛ إن الكبت التلقائي للمشاعر-في المراحل العمرية الأولى- يساهم في طمس الشخصية المستقلة الحرة القادرة على اتخاذ القرار والتي تستطيع انتقاد الوضع غير السوي؛ وبالمقابل تغرس في المكبوت مشاعر الرعب والخوف، ويشحن بمشاعر ليست له على الإطلاق، فعليه أن يتماشى مع الوضع القائم فيحب ما يحبه المربي القاهر ويبغض ما يبغض والا فالسخط يلحقه، ويُعلم الطفل على أن يكون مبتسما ودودا ولولم يعجبه الوضع المعيش.” وتكون محتاجا أن تكون لك شخصية مبتهجة إذا أردت أن تبيع خدماتك سواء كمدرس خصوصي أو بائع متجول أو كطبيب.وأولئك الذين هم في سفح الهرم الاجتماعي الذين لا يبيعون شيئا سوى عملهم الجسماني، وكذلك أولئك الذين في القمة العليا لا يحتاجون إلى أن يكونوا أشخاصا( بهجين) بصفة خاصة.إن المودة والحفاوة، وكل شئ من المفروض أن تعبر عنه ابتسامة – غالبا- ما تصبح كلها استجابات آلية يديرها الإنسان ويغلقها كالمفتاح الكهربائي.”[5]

وإذا أردنا أن نتحدث عن شخصية المتعلم المقهور في العالم المتخلف، فلنأخذ على سبيل المثال شخصية المتعلم المغربي، هذه الأخيرة التي تعرف انفصاما كبيرا، من أسبابها[ أن المناهج التعليمية تغرد في واد والواقع المزمن الذي يعيشه المتعلم في واد آخر، ثم إن التلقين الذي يتلقاه في بداية العمر أغلبه ينصب على الفكر الخرافي والوهمي والقائم على الأساطير الكاذبة؛ ولذا نجد المتعلم يتفاعل مع المواقف بوجهين مختلفين فيتعامل مع الواقع بما لُقِّن من طرف الأبوين والشارع، والممارسات الإجتماعية المتخلفة. والوجه الأخر يحتفظ به إلى حين دخوله إلى الفصل الدراسي ليتسربل بلباس العلم وليتقنع بما يمليه عليه المنهج الدراسي من معارف وآداب جمة، حتى إذا خرج من باب المدرسة خلعه من جديد ليتحول إلى الوجه الأول وهكذا..”إن العلم مازال في ممارسة الكثيرين لا يعدو أن يكون قميصا أو معطفا يلبسه حين يقرأ كتابا أو يدخل مختبرا أو يلقي محاضرة، ويخلعه في سائر الأوقات..فهناك إذن نوع من الازدواجية في شخصية الإنسان المتخلف بين دور التعليم ودور الإنسان الممارس حياتيا، إذ مازال الانفصال أوالانشطار هو السائد، ففي الحياة اليومية نرى التقليد وانتشار الخرافات والنظرة المتخلفة إلى الوجود (بما فيها من اعتباط وتسلط ولا منهجية) هي السائدة، أما في المناسبات العلمية فنرى الواحد من هؤلاء، أو بعضهم، يحلق في الأجواء العليا ولو للحظات”[6].

ولو بحثنا عن أسباب هذه الظاهرة لوجدنا أن الأبوين هما من كرس هذه التربية الخرافية في ذهن الطفل؛ حيث نجد أن الأم الجاهلة المقهورة تغرس فيه الفكر الخرافي بداية فلا يتناهى إلى مسامعه إلا ما يقهره ويفزعه من أساطير متوارثة، خاصة إذا أحست أن الولد بدأ يتمرد عليها ولا يريد أن ينصاع لأوامرها الصارمة؛ وعندها تخوفه بالغول والأشباح والأرواح الشريرة والعفاريت..حتى ينقهر فيخضع ويرعوي، وتحاول أن تفرض على أولادها هيمنتها العاطفية كوسيلة عما لحقها من الحيف في المجتمع وتغرس فيهم التبعية المطلقة باسم الحب، وتشل عندهم كل رغبات الاستقلال، وتحيطهم بعالم من الخرافات والمواقف؛ فينشأ الطفل عاجزا عن التصرف أو حتى التفكير المستقل فيصبح نسخة غير منقحة في عالم المقهورين العاجزين.أما الأب فانه يكمل دور الأم فيفرض القهر على الأسرة ويظهر سلطته القمعية فيغرس الخوف والطاعة والخضوع التام لأوامره ونواهيه( ولا أحد بمقدوره أن يتنفس بحضرته بله أن يتحدث بمشاعره).

وفي ظل هذا السيل الجارف من الأوامر والزواجر، لا يسع الولد “المؤدب” إلا الرضوخ والوقوف عند حده لأنه لا يعرف شيئا، وعليه أن لا ينبـس ببنت شفة إذا تحدث الكبار. ثم يقال عند تقويم الحصيلة إن مستوى التلميذ هزيل، فهو لا يشارك، لا يناقش، لا ينتبه، ولا يفهم.

أما القهر الذي يمارس عليه في المدرسة فليس أقل نكاية مما سبق؛ ذلك أن المدرس يعبئ التلاميذ بالمعارف والمعلومات ويطالبهم باسترجاع البضاعة التي تلقوها من غير زيادة ولا نقصان، وهو ما يطلق عليه عند بعض التربويين بـ”الإيداع البنكي” تشبيها لعقول التلاميذ بالبنوك التي تودع فيها الأموال ثم تستعاد بعد مدة من الزمن! وهي الغاية المقصودة من قِبل الأنظمة التربوية الجبرية التي تحمل شعار”لا أريكم إلا ما أرى ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد”. إن القاهرين يتصرفون بغرائزهم ضد أي محاولة في التعليم تستهدف تنمية القدرة النقدية، وترفض النظرة الجزئية للعالم بحقائقه، وتجدهم في ذلك يحفلون بالإنسان الذي يريد أن يتأقلم مع ظروف القهر ولا يحفلون بالمواقف”[7]، ولذا نجد المتعلم في المدرسة يتعامل بشكل آلي ولفظي مع ما يدرسه، وحين يأتي إلى الواقع يضطر أن يتعامل بأسلوب مغاير تطبعه التقاليد والخرافات وكل ما ليس له أي ارتباط بما يلقنه في المدرسة، التي يعتبرها معتقلا مفروضا عليه إلى أجل ما.

 

 الإنسان المقهور والتنمية البشرية

 

إنه مما لا شك فيه أن المقهورين الذين تحوط بهم المشاكل الداخلية والخارجية من كل جهة لا ينتظر منهم أي تنمية لبلادهم، إذ” لا تنمية بإنسان مقهور”؛ فمنذ مغادرة المستعمر للبلدان المتخلفة شرعت هذه الأخيرة في مشروع ما يسمى بالتنمية، وبدلا من أن تسمى باسمها الحقيقي أي المتخلفة سميت زورا “نامية” أو “في طريق التقدم” حتى لا يخدش المفهوم الحقيقي مشاعرها ؛ وهي سياسة للقاهر يوهم بها المقهور ويشعره أنه في حالة تحسن دائم، إن هذه الدول أخذت بفكرة التنمية المزعومة وأعدت لكل ذلك مخططات وبرامج لكنها للأسف لم تنصب على الإنسان”محور أي تغيير”؛ بل اقتصرت على استنساخ التجارب التي كانت عند المستعمر لها بالأمس القريب، وألصقت المشاريع التي نجحت في بلاد الغرب ببلدانها، وسرعان ما تبخر كل ذلك وبقي الإنسان المتخلف لم يراوح مكانه.

ما يُنتظر من الخافق العاجز في حياته الذي يسلي نفسه بمقولة “إنا كنا قوما مستضعفين في الأرض”؛ الذي يتعلم في القسم والمقهى والمسجد “فن التثاؤب”.التنمية لن تتحقق طبعا مادامت الدولة تفرض الهيمنة المطلقة التحكمية في كل القطاعات، وعلى رأسها التعليم الذي أُفرغ من محتواه وبقي الإصلاح منصبا على الهيكل الخارجي لتزيين الواجهة. إن الدولة الجبرية تستعمل كل الوسائل القمعية للقضاء على ما يهدد مصالحها، ومن مصلحتها أن يبقى المقهور يتلظى بنار الحاجة والخصاصة حتى يسهل ترويضه وقمعه، وهو الأمر الذي ركز عليه غرامشي حين يتحدث عن الوسائل التي تلجأ إليها الدولة القمعية، ذلك أنها تلجأ إلى وسيلتي القمع والإقناع، “وتفسير ذلك أن الدولة لا تعتمد فقط على جهازها القمعي المكون من البوليس والجيش والتشريعات القهرية، بل في خلقها (ثقافة) تضمن إخلاص المواطنين حتى لأهداف متناقضة مع مصالحهم الحقيقية، فإلى جانب دورها القمعي ينبغي أن تقوم الدولة بدور تربوي: المهمة التربوية التشكيلية للدولة التي تستهدف نماذج مدنية جديدة وأكثر نموا، وأن توفق بين (المدنية) وأخلاقيات الجماهير الشعبية الأوسع وبين حاجات النمو الدائم للجهاز الاقتصادي للإنتاج”[8].

إن الحديث المتنامي عن السلوك المدني الذي يتحتم خلقه في المدرسة والأسرة، لا يتحقق والمتعلم مقهور في بيته ومدرسته ومجتمعه، ومصطلحات من مثل التمدن، والتنمية المستدامة، وثقافة حقوق الإنسان، ومبادئ الديمقراطية والحرية، هي مصطلحات يضعها القاهرون في العالم المتخلف ويجترونها في مختلف منابر الإعلام صباح مساء، ليتلهى المقهورون بها؛ دون أن يكون لها وقع في واقعهم الكئيب.

إن التلميذ /المتعلم أصبح في المنظور الجديد للقاهرين المنظرين للتربية عبارة عن بضاعة مزجاة، فهو مُنتَج يقدم للسوق بعد تعليبه أي تعليمه، وبيان اقتداره وكفاءته وفق المعايير التي يضعها المستثمِر/ المستغِل والمستعبِد، والشروط التي يفرضها سوق النِّخاسة/الشغل؛ وطبقا لما تشترطه الرأسمالية المتوحشة الخالية من كل خلق أو مبادئ، هذه التنمية المنتظرة وفق تصور القاهرين تعتبر الإنسان المقهور سلعة تُصنع وتُعلب فتُصدر لجلب العملة الصعبة أو توضع تحت الرقابة لتستجيب للمعايير التي تحفظ مصالحهم وتخدم غاياتهم الكبرى.

لا شك أن التفكير المادي للأنظمة التربوية الجبرية أعمى الأبصار والبصائر، فلا تسمع إلا التهافت وراء التعليم المنتِج الذي يَربح القاهر من ورائه الأموال الطائلة، أما تعليم الإنسان ما ينفعه في حياته الدنيوية والأخروية، وتخليقه بالأخلاق الإسلامية والحفاظ على الفطرة وقيم المجتمع فلا ينفعه ولن يجني منه فِلسا، بل ربما حاربه لأنه قد يهدد وضعه ويقض مضجعه. إن التنمية لن تتحقق إلا برفع الظلم عن المظلومين ودفع القهر عن المقهورين في شتى المجالات وخاصة التعليم، ولابد من وضع منظومة تربوية تستمد جذورها من الواقع المعيش، وتستفيد من تجارب الغير، “وتأخذ الحكمة حيث وُجِدت” دون طمس للهوية أو الانجرار وراء الألمعية الاقتصادية الوهمية؛ والسراب التنموي الذي يلهث وراء المال والوجاهة الزائفة واعتبار ذلك غاية تبرر الوسيلة؛ ويبقى الإنسان الذي أكرمه الله تعالى سلعة رخيصة وآلة بلا روح ولا خلق ولا قيمة.

 الوسائل التربوية التي يمارسها القاهرون على المقهورين

إن القاهر حتى يستولي على المقهور وممتلكاته فإنه يلجأ إلى عدة وسائل لجعله يرضخ ويستسلم للأمر الواقع؛ ويستنفذ من أجل تحقيق هدفه ذاك جميع الوسائل المتاحة؛ وقد ذكر باولو فرير أهم تلك الوسائل- في كتابه “تعليم المقهورين” -التي يلجأ إليها القاهر في استغلال المقهور ومنها:

  • الهيمنة:

أو ما سماه الدكتور سعيد علي“الاستلاب” فالقاهر يلجأ إلى إظهار هيمنته وسطوته فيتهيبه المقهور فيجنح إلى التأقلم مع الوضع وإظهار الرضى والاستسلام، ويتمظهر القاهر في أشكال متباينة؛ فمرة يقمع وتارة يتلطف، والهدف واحد وهو جعل المقهور يرى العالم بعيني القاهر وأن ما يصوره له هو الحقيقة؛ وأخطر غزو هو الغزو الذي يجعل المغزو مستلب الفكر، فإن المغلوب يسير على نحلة الغالب كما يرى ابن خلدون. أما الثقافة التي ينشرها فهي ثقافة التبعية والذوبان في منظومته الخادمة لمصالحه؛ والمضادة لمصالح المستلَبْ الذي يرى أن رقيه وتقدمه رهين باقتفاء أثر الغازي السالب.

  • فرق تسد :

وهي عملية ضاربة في القدم، وفكرة توارثها القاهرون لاستعباد المقهورين والإمعان في إذلالهم وقهرهم؛ والطريقة المثلى لبقاء الأقلية مستغِلة ومسيطِرة على الأغلبية المقهورة تتمثل في تفتيتها وتقسيمها مُزعا وفتاتا يسهل قضمها والاستيلاء عليها؛ وخطورة هذه السياسة تتجلى في النظرة التجزيئية للأمور” ومن أبرز مظاهر التغريب والعزب الثقافي ذلك الذي يمارس تحت شعار تنمية المجتمع حيث تقسم المنطقة إلى مجتمعات محلية دون دراسة عميقة لطبيعة هذه المجتمعات ككل متكامل في إطار واقعها الخاص من جهة وكجزء من جهة أخرى.إن هذه الممارسة هي ضرب من التجزئة التي تبقي على الناس متفرقين حتى لا يدركوا مشاكلهم الكبرى. ويمكننا أن نقول إن التركيز على قضايا محددة في شريحة من شرائح المجتمع عمل يستهدف إعاقة المقهورين وعزلهم عن رؤية المشاكل التي يواجهها بقية أفراد المجتمع”[9]. وهذه السياسة التقسيمية تستهدف بالدرجة الأولى المقهور الذي يعيش منشغلا بآلامه عن آلام مجتمعه الكبير؛ وقد يستجدي القاهر عطفه ببعض الصدقات لإظهار مسكنته وطيبوبته وإقناعه بأنه الحامي له من كل شيطان رجيم ومن كل متطرف وإرهابي عنيد؛” وهكذا لأجل أن يقسم القاهرون الناس ويربكوهم فإنهم يسمون أنفسهم(بناة)بينما يعتبرون(البناة)الحقيقيين هدامين وأعداء”[10].

3- الاستغلال

بقدر ما تكون الجماهير غير واعية بحقوقها وغير ناضجة تسهل عملية الاستغلال؛ ويحاول القاهر دوما توجيه المقهور بمظاهر وأشكال مزورة خشية من أن يتألب عليه لو توفرت له القيادة الموجهة النابعة منه، والتنظيم الواعي المدافع عن حقوقه الباحث عن خلاصه؛ ومن أساليب الاستغلال صرف الناس عن التفكير في الواقع حتى لا يدفعهم ذلك إلى القيام بفعل حقيقي باتجاه التغيير، وهو الأمر الذي يهدد مراكزهم ويقوض ما شيدوه من وجاهة وسلطان. ومن وسائل الاستغلال أيضا خلق النزعة الفردية في المجتمع، حيث يتصارع أفراده على المناصب والنجاح الفردي والذي يغيب فيه الهم الجماعي وتنتشر الأنانية وحب الذات..مما يجعل المقهور تضعف شوكته ويلتوي عوده فتذهب ريحه فيسهل استغلاله واستقطابه واحتواؤه.

4- الغزو الثقافي:

يسعى القاهر من وراء ما يقدمه من معارف وأفكار مدسوسة إلى تجميد فكر المقهور وشل حركة الإبداع والتفكير لديه؛ ومن مظاهره أن المستبد لا يحب أن يرى السلامة والعافية بادية على محيا المقهور فهولا يرتاح إلا إذا شحب وجهه وتخبط في الجهل خبط عشواء.إنه يريد أن يرى- المقهورَ- العالَم بعيونه هو وأن يعمى ويتعامى عما لا يره. بل وكل التحاليل والتجارب إذا لم تأت من قبلته فهي باطلة وغير سليمة، وكل ذلك عمل مقصود مدروس حتى لا ينظر المقهور إلا من نافذته هو دون سواه، وتترسخ الفكرة وتتجذر عميقا في فكر المقهور نفسه، والمعرفة اليقينية المقطوع بها يستحيل أن تأتي إلا من القائد المعصوم؛ بهذا يريده أن يقنع وكفى!!

من تربية القهر إلى القومة التربوية التحررية

 

التربية المسؤولة هي الكفيلة بإخراج الأمة من تخبطاتها الكثيرة؛ ولا مناص من الرجوع إلى الأصل”فلن ينتصر آخر هذه الأمة إلا بما انتصر به أولها”؛ ولا بد أن تتشرب الأجيال المومنة الإيمان بالله والعمل الصالح الذي يرضي الله سبحانه ويرضي رسوله والمومنين” تلقن الدعوة المربية المعلمة، في إطار النظام الحكومي وخارجه، كيفيات الفكر والشعور والعمل بمعايير الإيمان والعمل الصالح…وظيفة التلقين الفطري أن يُتَعَهَّدَ النشء حتى يستقر عنده رجاء “نصيب الآخرة”، ثم ينتظمُ هذا النصيبُ المشاعرَ والتعبير واللغة والخيال وكل الأنشطة الإنسانية المعرفية والعاطفية والحسية.يقتضي هذا تغيير أساليب التربية والتعليم من جانب الإلقاء ومن جانب التلقي: يقتضي تغيير الكتب المدرسية والبرامج والامتحانات وتدريب المعلمين وتنظيم المدارس وآداب التعلم وعلاقات المعلم بالتلميذ والأستاذ بالطالب، ليعكس كل ذلك المضمون الإيماني لمنهاج التربية، ولتُشَجَّعَ “جامعة” الصلاة والمسجد والقرآن والسنة والوَلاية والشورى والعدل والبر ومسؤولية كلٍّ عن رعيته، ابتداء من المدرسة والجامعة والبحث العلمي ذي الأهمية القصوى، ووسائل الإعلام، ورجوعا وانعكاسا إلى البيت والأسرة حتى تتزود الأسرة بزاد التقوى وتعود كما يجب أن تكونَ المحضن الفطري، تستعيد وظيفتها التربوية التي عرتها منها رياح التغيير، ومنعتها من بَث الإيمان والفضيلة، وبتَرتها وجدعتها، فعلت بها الأفاعيل لما مسخت طبيعة الأمومة وشردت المرأة عن بيتها. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإن الله لسميع عليم”[11].

يجب على الجميع أن يقف صفا واحدا من أجل تحرير المنظومة التربوية من الاستبداد والقهر، لأن الإستبداد الذي يطال العقل والفكر أخطر من أي استبداد آخر؛ وقد تنبه المفكر البرازيلي باولو فرير إلى الطامة التي أصابت المقهورين وهو ما أسماه بـ”مؤامرة الصمت”؛ لقد أدرك أن جهل هؤلاء ونومهم المستمر إنما هو نتيجة لظروف السيطرة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتسلط الأبوي الذي أصبحوا ضحاياه، فبدلا من أن يشجعوا ويُعدوا لمواجهة حقائق العالم الماثلة أمامهم فإنهم مستغرقون في وضع يستحيل معه الوعي والاستجابة بصورة فعالة. إنه يرى أنه لابد من تحرير التعليم من التبعية المطلقة للسلطة الحاكمة التي تحاول تطبيع المناهج التربوية بإيديولوجياتها السياسية والتطويع والتركيع.

ولكي تستعيد العملية التربوية عافيتها لابد من وضع معالم منهج واضح تسير وفقه هذه العملية حتى يُتخلص من العقلية الرعوية المقهورة. ويجب على كل من ينشد التغيير أن يسلك طريقا مختلفة عن تلك التي وضعها القاهرون والمتجبرون من قبل؛ ومن هذه الخطوات المهمة نحو التغيير نذكر على سبيل المثال لا الحصر:

  • التعاون والعمل الجماعي: إن القاهر يعمل بمفرده ويخطط وينظر وينفذ لوحده؛ لا يشاركه أحد في ذلك لأنه ينفي الآخر ولا يجعل له أي اعتبار؛ لان الآخر عنده شيء من الأشياء لهذا لا يستحق أن يُعرف رأيه أو يُتحاور معه ولأن المقهور ألِف (العمل اللاحواري)؛ فهو كما أسلفنا يسمع ويطيع ولا يسأل. بينما المطلوب أفراد تجمعهم المصلحة العامة والسعي لإخراج الأمة من تخلفها والوصول بها إلى تحقيق موعود الله ورسوله في الأرض. العمل الجماعي أصبح ضرورة لامناص منه اليوم، فالأمور المعقدة والتخصصات المتعددة والمهام الكثيرة تحتاج إلى تكاثف الجهود وبذل الوسع بشكل تعاوني وتعاضدي لحلها وإيجاد مخرج لها خاصة في مجال التربية والتعليم.
  • وحدة الصف: لابد من التوحد أمام الغطرسة والهيمنة التي يفرضها المتجبرون في الأرض. فإذا كان القاهر يفرض سيطرته كاملة فلأنه فرق الجهود وبدد التحام الصفوف وانتحل نحلة “فرق تسد”؛ والوحدة لن تتحقق ما لم يدرك المستضعفون أنهم ومستهدفون فرادى من طرف قاهريهم، وإذا كان من المعلوم أن الذئب لا يأكل من الغنم إلا القاصية كما جاء في الحديث الشريف، فما الخبر إذا كثرت الذئاب وتشرد الغنم؟
  • التنظيم: ورغم أن التنظيم والوحدة مرتبطان إلا أن الوحدة إذا لم تستند إلى تنظيم قوي وتكتل بين صفوف الأفراد فإنها سرعان ما تُخترق هذه الصفوف ثم تُشتت من جديد، فالتنظيم “هو الرد الحاسم على نزعة الاستغلال”. والظاهر أن المستعمر قد كرس ورسخ “الوعي التجزيئي في العقول والنفوس”، فالدول التابعة الخانعة لا تستطيع القيام بأي عمل إلا بأخذ المشورة من مستعمريها بالأمس القريب، و”كل قطر في إساره منعزل معزول مغلول محدود بحدود جغرافية سياسية وحدود نفسية وحدود اقتصادية، يرفرف فوق هذه الشظايا القطرية علم قومي، ويغنيها أنغام الهزيمة التاريخية نشيد وطني”[12]. فهذا أبلغ مثال في هذا العصر الذي يظهر مدى التمزق الذي أصاب أمة كانت موحدة لقرون مديدة، ثم تم تمزيق أوصالها، وخلق بؤر للصراع تلهيها عن الهدف الأسمى؛ وهو التوحد من أجل حمل رسالة الله إلى العالمين.
  • الإيمان القوي والاستعانة بالله:إن الذي يعمل من أجل تغيير الوضع المزري وليس له وازع إيماني وليس له وزَرٌ يلجأ إليه عند الشدائد(وهو الله سبحانه)، فلن يطول الأمر حتى تخبوَ جِذوته ويأفل نجمه ما إن يصطدم بأول عقبة في الطريق. وأعظم الزاد الذي يجب على المستضعفين التسلح به هو الإيمان بالله والعزم القوي في المضي نحو تقرير الحرية الحقيقية، والسعي الحثيث من أجل رد الحقوق المسلوبة وإعادة الكرامة والعدل إلى مرتع المستضعفين. وعلى هؤلاء أن يتعاقدوا على وضع ميثاق يجمعهم، وأسس تضبط حياتهم؛ ولابد من العمل التشاركي والحواري والشوري في اتخاذ القرارات الحاسمة؛ حتى يستشعر كل واحد من هذه المجموعة أو الصف أنه عنصر فعال، ورأيه يؤخذ بعين الاعتبار. ولا بد أن تتعلم الناشئة أن تقوى الله هي مفتاح الخير وسلاح المومن في حياته وبها ينال رضى الله والفوز في الدارين حتى إن التعلم النافع يشترط فيه الالتزام بتقوى الله وهو الأمر الذي بينه الحق سبحانه في قوله “وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (البقرة:282).
  • التربية القوية الأمينة: إن ما نلاحظه في الصف المدرسي ينطبق على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها التلميذ والأستاذ في المجتمع؛ ذلك أن المدرس قد لا يشرك المتعلم في اتخاذ القرار أو إبداء الرأي في قضية من القضايا بدعوى القصور وضعف المستوى أو غير ذلك، وهو أيضا ضحية لما تربى عليه من قبل من تهميش وقمع، والحصيلة تشكل مجتمع خانع عاجز يخجل من الخطأ أولا يعترف به لان الخطأ بنظره جريمة لا تغتفر؛ لا بد من زرع الأمل في الأجيال المومنة وخاصة تلك التي تحمل على عاتقها تربية النشء، ولذلك يجب أن يكون المربي قدوة لمن يتتلمذ على يديه بأن يكون مربيا ربانيا متقنا قويا في مجال تخصصه ملما بتجارب غيره، حاملا لأمانة التربية بهمة وكفاءة عاليتين. والأساس الذي يلزم أن يربي عليه المربون والمجتمع أبناءهم هو التربية بالقدوة الحسنة والعمل الصالح الذي يرضي الله عز وجل.

 

 خلاصة: إن التربية القائمة على القهر لا تنتج إلا المقهورين، والمجتمع المقهور بحد ذاته لا ينفع في دفع مفسدة ولا جلب مصلحة، بل هو عالة على نفسه يتكفف من قاهريه لقمة العيش التي منحهم إياها بخنوعه وخضوعه.والجميع يدرك مأساة الأوضاع التي وصل إليها المسلمون، “فمحنة المسلمين اليوم لا تقتصر على تسلط أئمة الضلال فحسب، بل تعدت ذلك إلى تربيةٍ سخَّرت المناهج الدراسية وكراسي الجامعات والصحف والإذاعات لمسخ الأفكار والقيم، حتى غدا صيد المخططات في سرور، يحسَب نفسه في انعتاق من أسْر القديم، أيِّ قديم كان.إن عصاة المسلمين اليوم ضحية تربية أخلدتهم إلى الأرض،أرادت لهم الفسوق ابتداء، لتستخف بهم الطواغيت انتهاء”[13].

إن هذا البحث البسيط لا يتغيى جعل المتعلم – كما في النظرية البرغماتية- سيدا مذللا لأن كل شيء عند هذه النظرية رهن إشارة المتعلم فحسب وفي سبيل توفير راحتة ولو على حساب مربيه، فقد أتبث الواقع لهذه النظرية نتائج عكسية، تتمثل في الشغب الكبير للمتعلم وتمرده وعدم تأدبه مع معلميه، بل إن هامش الحرية الكبير جعله ينقلب على كل القيم، والواجب أنه ينبغي أن تنضبط العلاقة بين المدرس والمتعلم على أساس تعاقد يدرك كل واحد مسؤوليته داخل جماعة القسم، فيعرف المتعلم حق المربي/المرشد عليه ويدرك المربي حقوق المتعلم فيحترمها، وينضبط ذلك كله بميزان الشرع الحنيف الذي يبث القيم في المجتمع. والمجتمع برمته مسؤول عن التربية ولا ينبغي للمجتمع أن يترك المدرس يكابد المشاق ويجهَدُ وحده-أي في تربية النشء وتعليمهم- في مواجهة الآلة الإعلامية الصاخبة المؤثرة والصحبة السيئة ” للجيل المخدوع”المنحرف (أهل الفجور والفسوق والمخدرات والموضات الزائفة..) ولذا لابد من تعاون مكثف بين المدرسة والأسرة والإعلام والمجتمع بأسره من أجل خلق جيل واع وأمين يضطلع بمسؤولياته ويؤديها بإتقان وإحسان ولا يُتهاون معه بالمرة في حالة التخلف عن أدائها.

وهكذا يمكن أن نخلق مجتمعا بصيرا بأهدافه الكبرى قائما بأعماله الصالحة على وجه يرضي الله ورسوله والمؤمنين. وإنه بتماسكنا وإيماننا بديننا، وقيمنا، وتاريخنا، وثقافتنا، واهتمامنا بتعليمنا قد نكون قادرين على تحقيق التغيير المطلوب، وبالتالي حفظ كرامتنا وعزتنا ومقدساتنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – نشر في مجلة “المسلمون” 2/363

[2] – باولو فرير، من مواليد البرازيل سنة 1921، له كتاب: “تعليم المقهورين”

[3] – د. سعيد إسماعيل علي: “فلسفات تربوية”. كتاب عالم المعرفة. عدد 198. ص 165

[4] – المرجع نفسه. ص 166

[5] – مقولة إيريك فروم في كتابه” الخوف والحرية”. ذكرت في المرجع السابق. ص 172

[6] – المرجع السابق. ص 173

[7] – المرجع السابق. ص 174

[8] – المرجع السابق. ص 155

[9] – المرجع السابق. ص 178

[10] – نفس المرجع والصفحة

[11] – عبد السلام ياسين: “العدل. الإسلاميون والحكم”. مطبوعات الأفق. ط1/1420. ص: 571..572 بتصرف

[12] – المرجع نفسه. ص 246-247

[13] – محمد أحمد الراشد: “المنطلق”. دار المنطلق. ط 1994. ص 40

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: