تجليات “الجمال” و”الجلال” في حج بيت الله الحرام

اكتست عبادة الحج جميع جماليات وجلاليات العبادات الأخرى وزيادة، فهي عبادة مالية وبدنية، تفارق بها الديار والأوطان لتتجه إلى بلاد لا تعرف أهلها ولا شعابها، وكأن الشوق يطير بك إلى بيت الله الحرام، لتؤدي عبادة فيها سعي وطواف وصلاة تامة وصلاة بالقصر وصيام وهدي، وبلسان واحد ينادي الحجاج: “لبيك اللهم لبيك” أجابوا النداء بتعطش لما عند الله، يُظهِر الصوت الجهوري المرتعش جلالية الله لتلتقي بمواكب الطائفين والعاكفين والركع الساجدين، استجابوا رجالا وركبانا.

طواف واحد في مسار واحد بعدد أشواط واحد؛ لا فرق بين الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والغني والفقير ملتزمين بقوله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق[1]، طاف الكل حول الكعبة المشرفة وقبل بعضهم الحجر الأسود ودعوا بينه وبين الركن اليماني، والتصق بعضهم بالملتزم، وسكب كثير منهم العبرات الظاهرة والباطنة، إظهارا للرغبة فيما عنده جل جلاله، وإكبارا لفضله وكرمه سبحانه، طمعا في رضاه ومغفرته، “يحركهم الشوق، وتلهبهم الذكرى، تسكب عليهم نفحات إيمانية، وأسرار ربانية، وأحوال نورانية، فتنطلق ألسنتهم بالشكر والتوحيد، وتفيض أعينهم بالدموع، دموع الفرحة، والاقتراب من المحبوب، إنه منظر الكعبة البهي الجميل، إنه الطواف الدائري حول البيت، الذي يبدأ من الأرض ليصعد في حركة دائرية متصلة بالسماء، بل إلى أعلى من السماء، حيث  البيت المعمور، الذي تطوف حوله الملائكة، وهكذا في هذا العالم الجمالي، يلتقي العالم الأعلى بالعالم الأدنى، عالم الروح بعالم المادة، إنها سحائب النور، ولمسات الخير، وبركات الله تحف الجميع”[2].

أما لباس الإحرام[3] الدال على تجرد القلوب من غير المعبود وكأنما أحرمت القلوب قبل الجوارح، فهو اختيار من الله تعالى قبل أن يكون اختيار العبد، اختيار أن يكون العبد مثل الحمائم البيضاء التي لا تعتدي على ما يدب على الأرض ولا تقول إلا طيبا، يقول المولى جل وعلا في شأنهم: ﴿الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقون يا أولي الألباب[4]، وكيف يفكر الحاج في الرفث وغيره وهو المشدوه بين الصفا والمروة وكأن الواحدة منهما ترسله إلى الأخرى لا لشيء إلا ليظهر أن له ربا له من الجلال ما لا يخطر على بال، ولم تعيه الحركة بين الصفا والمروة، بل تزيده تحفزا واتقادا لينطلق مهرولا ليصل إلى الأخرى قبل أي أحد ليفوز بالله تعالى.

الحج فريضة على من استطاع إليها سبيلا مرة في العمر، وكأنه الركن الشديد من أركان الإسلام الخمسة وآخرها ترتيبا، ولذلك عبر الحق عنه بالإفاضة، قال تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم[5]، “الإفاضة صيغة جمالية في نص الآية السابقة استدعت فكرة أخرى سابحة في فضاء حياة الجماعة المؤمنة .. هي فكرة الاستغفار غير المحددة بكم أو زمن أو مكان أو مسلكية خاصة واحدة .. فالاستغفار يتّجه بضوء قاعدة الإفاضة على شكل تيار جمالي صاعد حيث الفضاء الإلهي”[6].

﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله[7]، إن مفردة “الإفاضة” هنا تركّز لنا اللون البارز في صور الرابطة الجمالية الإيمانية من خلال أداء المناسك، “وهو مشهد عجيب تلحظ في الناس بعد منصرفهم عن عرفات وكأنها فاضت بهم بعد أن امتلأت جوانبها بهم طيلة اليوم، فهم يفيضون منها كما يفيض الماء من النبع، فإذا أفاضوا إلى المشعر الحرام ذكروا الله عنده، فينتقل الحجاج من ذكر الله في عرفة، إلى ذكر الله في المشعر الحرام، فهي أصناف وألوان ومقامات  وأحوال، يترقى فيها العباد في سلم الجلال ومنازل الجمال، وبذا تصبح مواطن المناسك مراقي للأرواح، ومناسبات للولوج في سلك الفلاح”[8].

ومما يزيد هذه العبادة بهاء وجمالا زيارة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في مرقده الشريف، وزيارة صاحبيه الصديق والفاروق، والصلاة بمسجده التي تشد إليه الرحال، والصلاة بالروضة الشريفة المنيفة، وتفقد الآل والأصحاب ممن دفن بالبقيع، وزيارة البقاع الطاهرة والتملي بما كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم، ومنهم ابن عمر رضي الله الذي كان يتتبع آثار النبي محمد وأوامره وأحواله ويهتم بها[9].

لعل ما ذكرت فيه مندوحة عن تقريب نبش معاني الجمال والجلال التي أشار إليها القرآن الكريم في هذا الجانب المهم من حياة المسلم في عبادته وتبتله، وأكرر ما ذكره عرفان الفهدي “ذكرت هذه النماذج .. لتوكيد مفهوم الجمال في العبادة النابع من مفهوم الإيمان الرابط بين المطلق والنسبي”[10]، فــ”العبادة في الإسلام سلوك جمالي محض”[11].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– سورة الحج الآية 27.

[2]– القرآن الكريم والدعوة إلى تنمية الحس الجمالي ص 94-95.

[3]– وهو لباس أبيض يلبسه الرجل من ثوبين أحدهما يسمى الإزار والآخر يسمى الرداء.

[4]– سورة البقرة الآية 196.

[5]– سورة البقرة الآية 198.

[6]– مقال لعرفان الفهدي بعنوان “تأملات جمالية”، على الرابط التالي: http://www.irtvu.com/print.php?action=news_print&id=6943

[7]– سورة البقرة من الآية 197.

[8]– القرآن الكريم والدعوة إلى تنمية الحس الجمالي للدكتور سعيد بن أحمد بوعصاب، مطبعة ليتوغراف طنجة، ط 1/2012، ص 96.

[9]– كما جاء في صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: المساجد التي على طرق المدينة، والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم، أن موسى بن عقبة، قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها «وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة».

[10]– مقال لعرفان الفهدي بعنوان “تأملات جمالية”.

[11]– جمالية الدين ص 30.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: