الوقت المستحب في صيام الست من شوال.

عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (‏من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر) .

بعض الفوائد المتعلقة بالحديث:

الفائدة الأولى: مِن رحمة الله تعالى بعباده أن شرَع لهم مع كلِّ فريضةٍ نافلةً مِن جنسها؛ لتكون جابرةً لِمَا قد يكون وقع فيها من خَلَل، ومتمِّمة لما قد يكون فيها من نقص، ومن ذلك مشروعيةُ صيام ستَّةِ أيام من شوال، فهي سُنة حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم وبيَّن فضلها، وهي بالنسبةِ لرمضان كالسُّنة الراتبة بالنسبة للصلاة المفروضة، ومَن صامها كان ذلك مثل صيام الدهر.
الفائدة الثانية: إطلاق الحديث يدلُّ على أن كلَّ شهر شوال موضعٌ لصيام هذه الست، سواء صامها متفرِّقة أو متتابعة، من أوله أو من آخره، فالأمر واسع، والمبادرة بالعمل الصالح أفضل دائمًا.
الفائدة الثالثة: يتوهَّم بعض الناس أن مَن صامها عامًا لزمته كل عام؛ فلذلك يتقاعس عن صيامها حتى لا تجب عليه بعد ذلك، وهذا كلام باطلٌ لم يقُلْه أحدٌ من أهل العلم، ولا دليل عليه. لكنه يستحب صيامها كل عام ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل).
الفائدة الرابعة: مَن شرع في صيام يوم من الست من شوال، ثم بدا له أن يفطر لأمرٍ عرَض له، فلا بأس بالفطر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر) ؛ وبهذا يجوزُ قطع صيام التطوع، ويصوم بدلًا عنه يومًا آخر إن شاء، بخلاف صوم القضاء فمَن شرع فيه لم يَجُزْ له قطعه إلا بعذر شرعي كسفرٍ أو مرض.
الفائدة الخامسة: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر، فلا صيام له) ، وهذا في الفرض؛ أما النفل. فيصح صيام الست من شوال وهي من النفل بنيَّة مِن النهار، فلا يشترط في صيامها تبييت النية من الليل؛ لأنها من صوم التطوع، وصوم التطوع لا يشترط لصحته تبييت النية، وليس لمَن فرَّق بين التطوع المطلق والتطوع المعيَّن دليلٌ من السُّنة يعتمد عليه، والفقهاء الذين يُصحِّحون التطوع بنيةٍ من النهار لا يفرِّقون بين التطوع المطلق والتطوع المعين.

صفة صيام الست من شوال:

للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
القول الأول: استحباب صيامها مُتتابعة من أَوَّلِ الشهر:
وهذا قولُ الشافعي وابن المبارك، واستدلوا بحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (مَن صام ستةَ أيام بعد الفطر متتابعة، فكأنَّما صام السنة كلها) ، ولظاهر حديث الباب، واختار هذا القولَ جماعةٌ من الحنابلة، واختاره ابنُ مفلح.
قال ابن مفلح رحمه الله: (وتَحصُلُ فضيلتُها مُتَتابعةً ومُتفرِّقةً، ذكَرَهُ جماعة، وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ، وقالَ: في أوَّلِ الشهرِ وآخرِه، واستَحَبَّ بعضُهُم تَتابُعُها، وهو ظاهرُ كلام الخرقي وغيره، وبعضُهُم: عَقِبَ العيدِ، واستَحبَّهُما ابنُ المباركِ والشافعيُّ وإسحاقُ، وهذا أَظهَرُ، ولعلَّهُ مُرادُ أحمدَ والأصحابِ، لِما فيهِ من المسارعةِ إلى الخيرِ، وإنْ حصَلَت الفضيلَةُ بغيرِه) .
قال الإمام الترمذي رحمه الله في سننه: (« واختارَ ابنُ المُبارَكِ أنْ تكُونَ ستَّةَ أيامٍ في أوَّلِ الشهرِ»، وقد رُوِيَ عن ابنِ المُبارَكِ أنهُ قال: « إنْ صامَ ستَّةَ أيامٍ من شوَّالٍ مُتفرِّقاً فهوَ جائزٌ»).
وقال النووي رحمه الله: (قال أصحابُنا: والأفضَلُ أنْ تُصامَ الستَّةُ مُتواليَةً عَقِبَ يومِ الفِطْرِ، فإنْ فرَّقَها أو أخَّرَها عن أوائلِ شوَّالٍ إلى أواخرِهِ حَصَلَت فضيلةُ المُتابعةِ، لأنهُ يَصدُقُ أنهُ أَتبَعَهُ ستَّاً من شوَّالٍ) .
وقال كذلك في “المجموع”: “ويستحبُّ أن يصومَها مُتتابعة في أول شوال، فإن فرقها أو أخَّرها عن شوال جاز، وكان فاعلاً لأصل هذه السنة؛ لعموم الحديث وإطلاقه” .
قال المباركفوري: (الظاهرُ: هوَ ما نقَلَ النووِيُّ عن أصحابهِ) .
وقال ابن باز رحمه الله: (كلُّ شوَّالٍ محلّ صومٍ، والأفضل البدار بها قبل العوائق، سواء متتابعة، أو مفرقة. لكن البدار أفضل لقول الله عزَّ وجلَّ عن موسى: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴾، ولقوله سبحانه وتعالى: ﴿ سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، وقال جل وعلا: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾) .
وقال ابن عثيمين رحمه الله: (الأفضل صيام ستة أيام من شوال أن تكون متتابعة، وأن تكون بعد يوم الفطر مباشرة، لِما في ذلك من المسارعة إلى الخير، ولا بأس أن يُؤخِّر ابتداء صومها عن اليوم الثاني من شوال، ولا بأس أن يُؤخِّر في صومها الإنسان مُتفرِّقة إلى آخر الشهر) .
القول الثاني: تصام وسط شهر شوال:
لأنَّ عقب يوم الفطر هي أيام أكل وشرب، لذا يصام ثلاثة أيام قبل أيام البيض أو بعدها، وهذا قول معمر وعبد الرزاق، وروي عن عطاء، وأكثر العلماء على أنَّه لا يكره صيام ثاني يوم الفطر.
القول الثالث: لا فرقَ بين أن يتابعها أو يفرقها على الشهر كله:
وهو قول وكيع وأحمد، وهذا أصحها؛ قال في “الفروع”: “وتحصل فضيلتها متتابعة ومتفرقة، ذكره جماعة، وهو ظاهر كلام أحمد، وقال: في أول الشهر وآخره.
واستحب بعضُهم تتابعها، وهو ظاهر الخرقي وغيره، وبعضُهم عقب العيد، واستحَبَّهما ابن المبارك والشافعي وإسحاق، وهذا أظهر، ولعَلَّه مراد أحمد والأصحاب؛ لِمَا فيه من المسارعة إلى الخير، وإن حصلت الفضيلة بغيره” .
والأفضل باستقراء النصوص مع مراعاة فقه الواقع أن تكون مفرقة؛ وبعد الأيام الثلاثة من العيد، وهذا لا يتنافى مع المسابقة إلى الخيرات للاعتبارات التالية:
1 – إذا كان من الهدي النبوي تعجيل الإفطار قبل التوجه إلى المصلى مراعاة لمبدأ التيسير والتبشير وعدم التنفير لحديث أنس رضي الله عنه : (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا “أي ثلاثا أو خمسا أو سبعا”) . وعن بريدة رضي الله عنه قال : (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل، ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع) ، وزاد : فيأكل من أضحيته، قَالَ اِبْنُ قُدَامَةَ : لا نَعْلَمُ فِي اِسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ اِخْتِلافًا.
والْحِكْمَةُ فِي الأَكْلِ قَبْلَ الصَّلاةِ أَنْ لا يَظُنَّ ظَانٌّ لُزُومَ الصَّوْمِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِيدَ. وقيل : مُبَادَرَةً إِلَى اِمْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بوجوب الفطر بعد وجوب الصوم. فإن لم يجد المسلم تمراً أفطر على غيره ولو على ماء، حتى يحصل له أصل السنة. وهي الإفطار قبل صلاة عيد الفطر، قياسا على ذلك، من التيسير التمتع والفرح في الأيام الثلاث الأولى من العيد بدل المبادرة بالصيام بعد العيد مباشرة.
2 – لابد من استحضار الزيارات، إذ أن أيام العيد تكون فرصة للزيارات بين الأقارب والأحباب والأصدقاء قصد صلة الرحم والتواصل، والصيام في هذه الأيام الثلاث تنافي الذوق السليم، كما تنافي خلق إكرام الضيف. لهذا يعد من المروءة الإفطار لمن كان صائما تطوعاً وقدم عليه ضيف ورأى أن ضيفه لا يتم إكرامه كاملا إلا بفطره ، أو ذهب هو ضيفا عند غيره، إذ يدخل هذا تحت بند جبر خواطر، و للٱسف لم يعد أحدنا يجبر خاطر أخيه المسلم فإذ دعيت إلي وليمة و كنت صائما صيام نافلة فٱفطر، و إذا جاءك ضيف كذلك، وهذا هو الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم جاء إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقال: (هل عندكم شيء؟”، فقالت: أهدي لنا حيس، فقال: “فأرينيه فلقد أصبحت صائماً“، فأكل منه صلى الله عليه وسلم)، وهذا في النفل، وليس في الفرض.
قال الشربيني في “مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج”: (ولكن يكره الخروج منه – صوم التطوع- بلا عذر، لظاهر قوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم) ، وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه، فإن كان هناك عذر كمساعدة ضيف في الأكل إذا عز عليه امتناع مضيفه منه، أو عكسه فلا يكره الخروج منه، بل يستحب، لخبر “وإن لزورك عليك حقاً” وخبر: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه” ، أما إذا لم يعز على أحدهما امتناع الآخر من ذلك، فالأفضل عدم خروجه منه، كما في المجموع.”
هذا إن كان هو الداعي؛ أما إذا كان هو المدعو فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم) .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فإن كان مفطرا فليطعم، وإن كان صائما فليدعُ). هذا إذا لم يترتب على هذا الصيام أية مشكلة مع الداعي، أما إن كان سيحدث شنآن أو بغض، فليجب ولا شيء عليه، قال ابن تيمية رحمه الله :(وأعدل الأقوال أنه إذا حضر الوليمة وهو صائم: إن كان ينكسر قلب الداعي بترك الأكل، فالأكل أفضل، وإن لم ينكسر قلبه، فإتمام الصوم أفضل، ولا ينبغي لصاحب الدعوة الإلحاح في الطعام للمدعو إذا امتنع..).
وقال عبد الله السيحم حفظه الله :(أما إذا كان عدم إجابة الدعوة أو عدم الأكل من طعامه سوف يتسبب في سوء ظن أو يُحدث مشكلات بين الداعي والمدعو فإنه يُجيب الدعوة ويأكل، والمتنفل أمير نفسه).
وأخرج ابن أبي شيبة أن ابن عمر رضي الله عنهما (كان إذا دعي إلى طعام وهو صائم أجاب، فإذا جاءوا بالمائدة وعليها الطعام مدّ يده ثم قال: خذوا باسم الله، فإذا هوى القوم كف يده.) وإن أفطر فلا يلزمه القضاء.
3 – إذا انتهى شهر الصيام فإن الأيام الفاضلة للصوم لم تنته كصيام الاثنين والخميس والأيام البيض 13 و 14 و15 بل باقية طيلة السنة، والأفضل أن يصومها الصائم ليجمع بين فضل هذه الأيام وفضل صيام الست من شوال، فيصوم الاثنين والخميس للشهر كله.أو يصوم ثلاثة أيام قبل أو بعد الأيام البيض.
4 – أن الله سبحانه وتعالى لم يفرض علينا الصلوات الخمس في وقت واحد؛ بل فرقها على اليوم كله لينال كل وقت من اليوم حظه من العبادة، وهكذا كلما ملأنا كل أوقات شهر شوال بعبادة الصوم كان أفضل، وهذا لا يتأتى إلا إذا فرقنا الأيام على الشهر كله.
والخلاصة: أننا بصيام شوال متفرقا نكون قد امتثلنا لتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم بإتباع رمضان بست من شوال، وراعينا الظروف الاجتماعية من زيارة للأقارب والأحباب والأصدقاء في الأيام الأولى من أيام العيد، ووزعنا عبادة الصوم على الشهر كله، وجمعنا بين فضل صيام الأيام البيض أو الاثنين والخميس وفضل صيام ست من شوال.

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: