القاعدة الفقهية: تعريفها ومصادرها

 

لما كان لفظ “القاعدة الفقهية” مركبا وصفيا من كلمتين، إحداهما مضاف وهي القاعدة، والأخرى مضاف إليه وهي الفقهية فإن معرفة معناها باعتبارها علما ولقبا متوقف على معرفة كل كلمة منهما، لذا كان من المناسب أولا تعريف كل كلمة على حدة، ثم تعريفها باعتبارها علما ولقبا، وذلك من خلال المطلبين التاليين:

المبحث الأول: تعريف القاعدة الفقهية

المطلب الأول: تعريف القاعدة الفقهية باعتبارها مركبا وصفيا.

أولا: تعريف القاعدة:

أ – القاعدة في اللغة:

وردت القاعدة في اللغة العربية بمعان عديدة منها:

أ – القواعد بمعنى أساطين البناء وأعمدته وأسسه[1]، فقاعدة كل شيء أساسه، ومنه قواعد البيت ومن هذا المعنى قوله عز وجل ((وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ))[2] وقوله سبحانه ((فأتى الله بنيانهم من القواعد)) [3].

ب – قواعد الهودج: وهي أخشاب أربع معترضة في أسفله تركب فيهن عيدانه وهي تجري مجرى قواعد البناء[4].

ج – قواعد السحاب: أصولها المعترضة في آفاق السماء[5].

والحاصل أن القاعدة هي أساس الشيء وأصله، سواء كان ذلك الشيء حسيا كقواعد البيت وقواعد الهودج، أو معنويا كقواعد الدين أي دعائمه، وهكذا فالمعنى اللغوي العام للقاعدة هو: الأصل والأساس الذي ينبني عليه غيره، ومن ثم كان معنى قواعد الفقه أسسه التي تنبني عليها فروعه وجزئياته ومسائله.

ب: تعريف القاعدة في الاصطلاح العام:

تطلق القاعدة في اصطلاح العلماء على معان عدة منها: الأصل والقانون والمسألة والضابط والمقصد[6]. ومن ثم فإن معناها الاصطلاحي يتنوع بتنوع العلوم والمعارف، فهناك قواعد لغوية، ونحوية، وأصولية، وقانونية، ومنطقية، وفلسفية وفقهية إلى غير ذلك من العلوم التي لكل منها قواعدها، وقوانينها التي تحكمها وتضبطها.

فهي في اصطلاح اللغويين: تلك المجموعة من القواعد التي تحكم الكلام المنطوق والمكتوب بلغة ما، وتشمل ما يسميه اللغويين من العرب (النحو والصرف)[7].

وفي اصطلاح النحاة: هي الضابط، بمعنى الحكم المنطبق على جميع جزئياته كقولهم الفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب[8].

والقاعدة في اصطلاح المناطقة: قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها[9].

وعموما فالقاعدة في الاصطلاح: أمر كلي منطبق على جميع جزئيات موضوعه[10].

ثانيا: تعريف الفقه:

أ – تعريف الفقه لغة:

الفقه بكسر الفاء: العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة، يقال: (فقه الرجل) بكسر القاف إذا فهم وعلم وفطن، و(فقه) بضم القاف يستعمل في النعت، يقال (فقه) الرجل إذا صار فقيها، وصار له الفقه نعتا وسجية.

وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل اللغة، وهو أن الفقه بمعنى الفهم المطلق[11].

وخصه جماعة بفهم الأشياء الدقيقة الخفية[12].

واستعمال لفظة (فقه)، وما يشتق منها في القرآن الكريم يرشد إلى أن المراد منه ليس مطلق العلم بل دقة الفهم، ومعرفة غرض المتكلم من كلامه[13]، من ذلك قوله سبحانه وتعالى: ((قالوا يا شعيب ما نفقه كثير مما تقول))[14] وقوله تعالى: ((فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا))[15].

وإلى هذا المعنى يرجع تعريف أبي إسحاق الشيرازي: “الفقه في اللغة إدراك الأشياء الخفية “[16].

ب – تعريف الفقه اصطلاحا:

عرف الفقه في الاصطلاح بتعريفات كثيرة، لعل من أشهرها وأكثرها شيوعا وشمولا تعريفه بأنه: “العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية”[17].

فالأحكام: جمع حكم، وهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بواسطة. فإن كانت هذه الواسطة هي العقل كان الحكم عقليا، سواء توصل إليه العقل بالبداهة كقولنا: الواحد نصف الاثنين أو عن طريق إعمال النظر، كقولنا الواحد نصف خمس العشرة. وإن كانت الواسطة هي العادة والتجربة، كان الحكم عاديا وتجريبيا. كقولنا النار محرقة. وإن كانت الواسطة هي الشرع، كان الحكم شرعيا، كقولنا: الصلاة واجبة، والربا حرام[18].

الشرعية: أي المنسوبة إلى الشرع، وهو قيد لإخراج الأحكام غير الشرعية كالأحكام العرفية أو اللغوية أو العقلية والعادية وغيرها.

العملية: المتعلقة بما يصدر من الناس من أفعال، كالصلاة والحج والبيع، وهو قيد لإخراج الأحكام الشرعية غير العملية، وهي الأحكام الاعتقادية[19].

من أدلتها أي من أدلة الأحكام الشرعية، وهو قيد يخرج ما علم من غير دليل، كعلم المقلد الذي لم يجتهد في تحصيل الأحكام من الأدلة الشرعية[20].

التفصيلية: وهو قيد لإخراج الأدلة الإجمالية، كمطلق الأمر ومطلق الإجماع، فالبحث فيها من شأن علم أصول الفقه[21]، أما الفقيه فعمله أن يرد كل نازلة إلى دليلها التفصيلي ويستنبط حكمها منه.

فالفقه بهذا المعنى، كما نص عليه الدكتور محمد الروكي: عمل بشري، قوامه الجهد الفكري والعلمي والقدرة العقلية على فهم نصوص الشرع، وأصوله ومقاصده، واستنباط أحكامه وفق منهاجه المرسوم[22].

المطلب الثاني: تعريف القاعدة الفقهية باعتبارها علما ولقبا:

إن المتأمل في تعريف الفقهاء للقاعدة يلاحظ أنهم سلكوا في ذلك مسلكين:

– المسلك الأول: وهم الذين يرون أن القاعدة الفقهية كلية: وهذه بعض تعاريفهم:

– قال التهانوي: “أمر كلي منطبق على جميع جزئياته عند تعرف أحكامها منه”[23].

وعرفها التاج السبكي بقوله: “القاعدة الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منه”[24] وقال الإمام أبو عبد الله المقري: بأنها “كل كلي هو أخص من الأصول وسائر المعاني العقلية العامة، وأعم من العقود، وجملة الضوابط الفقهية الخاصة”. [25]

– المسلك الثاني: وهم الذين يرون أن القاعدة الفقهية أغلبية (أكثرية): ومن بين هؤلاء العلماء الحموي الذي عرف القاعدة الفقهية بأنها: “حكم أكثري لا كلي ينطبق على معظم جزئياته لتعرف أحكامها منه” [26].

ومنشأ الخلاف فيما ذهب إليه أصحاب هذه التعريفات، أن من اعتمد على التعريف الاصطلاحي العام للقاعدة قال إنها كلية، ومن نظر إلى الصور المستثناة منها، التي لا ينطبق عليها حكمها، قال إنها أغلبية وبهذا يسلم النظر إلى هذه التعريفات، ويصح التعامل معها.

ولعل ما سلكه الفريق الأول في تعريف القاعدة الفقهية كان أكثر دقة لما يلي:

1 – أن شأن القواعد أن تكون كلية[27].

2 – أن تخلف آحاد الجزئيات عن مقتضى الكل لا ينافي كليتها بالنسبة لجزئيات غيرها.

3 – أن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي، لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت[28].

4 – أن المستثنيات لا تغض من شأن القواعد الكلية، لأن القواعد في سائر العلوم لا تخلو من الشواذ والمستثنيات[29].

ورغم ما حازته بعض هذه التعريفات من دقة، إلا أنه قمين أن نشير أن أصحابها قد اهتموا فيها بالقاعدة من جهة معناها الاصطلاحي العام، دون تفريق بين الفقهية منها وغير الفقهية، باستثناء تعريف أبي عبد الله المقري، فقد اهتم بتعريف القاعدة الفقهية على وجه الخصوص وبهذا يكون تعريفه “ألصق التعاريف بحقيقة القاعدة الفقهية وأخص ما يكون بماهيتها”[30].

وقد حاول الحموي الوصول إلى ذلك حينما فرق بين القاعدة الفقهية، وغيرها بفارق الاطراد وعدمه، أي أن القاعدة الفقهية موصوفة بعدم الاطراد، بينما غيرها موصوف بالاطراد، قال يقرر ذلك: “إن القاعدة هي عند الفقهاء غيرها عند النحاة والأصوليين، إذ هي عند الفقهاء حكم أكثري لا كلي، ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه”[31].

فقد نفى الكلية – وهو يعني بها الاطراد- عن القاعدة الفقهية، واكتفى بإثبات الأكثرية لها.

ولقد ساق أستاذنا محمد الروكي في كتابه: “نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء”[32]. مجموعة من تعريفات بعض المحدَثين للقاعدة الفقهية، علق عليها وتعقبها بالنقد العلمي، وبين ما فيها من خلل خصوصا تعريف الأستاذ علي أحمد الندوي، وتعريف الشيخ أحمد بن عبد الله بن حميد. وخلص في الأخير إلى تعريف ارتضاه للقاعدة الفقهية، قال بعد كلام: “وانطلاقا من هذه الحقائق العلمية نستطيع الآن أن نعرف القاعدة الفقهية بأنها “حكم كلي مستند إلى دليل شرعي مصوغ صياغة تجريدية محكمة، منطبق على جزئياته على سبيل الاطراد أو الأغلبية”[33].

وقد وجه الدكتور الباحسين إلى هذا التعريف خمسة إشكالات[34]. يمكن بسطها على المنوال الآتي:

1 – القول بانطباق القاعدة الفقهية على جزئياتها على سبيل الاطراد أو الأغلبية يناقض كونها حكما كليا.

2 – ذكره عبارة “مصوغ صياغة تجريدية محكمة” في التعريف يعد زائدا أو تكرارا مع القول بكون القاعدة الفقهية “حكم كلي” وحجته – أي الدكتور الباحسين- في ذلك أن الحكم لا يكون كليا إلا وهو مجرد، ولا يكون مجردا دون عموم فهما أمران متلازمان، إن لم يكونا أمرا واحدا.

3 – قوله “ينطبق على جزئياته ليس من حقيقة المعرف وإنما هو ثمرة من ثمراته”.

4 – قوله “مستند إلى دليل شرعي” لا يميز القاعدة الفقهية عن غيرها من القواعد الشرعية كقواعد العقائد، وما أشبهها مما هو ليس من الأحكام العملية.

5- الاستناد إلى الدليل الشرعي ليس من مقومات القاعدة، لأنه كلام عن مصدرها، ومصدر القاعدة ليس ركنا فيها.

وقد تأملت هذه الطائفة من الإشكالات، فألفيتها مرجوحة، وبيان رجحانها كما يلي: فقوله:” إن انطباق القاعدة الفقهية على جزئياتها على سبيل الاطراد أو الأغلبية يناقض كونها حكما كليا” غير سليم، فلا تناقض هناك لأن القاعدة الفقهية قد تبقى على أصلها وهو الاطراد، وقد يشذ عنها بعض فروعها فيكون انطباقها على الجزئيات غالبا، وهذا لا ينقص من حقيقتها العلمية، لأن الأغلبية كالاطراد، عملا بقاعدة “ما قرب من الشيء يعطى حكمه” ولهذا فتخلف أحد الجزئيات عن مقتضى الكل لا ينافي كليتها بالنسبة لجزئيات كثيرة غيرها.

أما قوله إن عبارة ” مصوغ صياغة تجريدية محكمة ” يعد زائدا في التعريف فهو على العكس من ذلك، بل هي عبارة في محلها، ذلك أنها أفادت قيدا أخرج القواعد المرتبطة بأعيان الجزئيات، قال الدكتور الروكي موضحا ذلك:” فإذا قلنا مثلا: كل مستعير ضاعت منه العارية بتفريطه فهو ضامن لها ” لم تكن قاعدة بالمعنى العلمي، لأنها لا تستوعب إلا جزئية واحدة هي: أن العارية تضمن إذا ضاعت بتفريط المستعير. ولأنها غير مجردة، بل متعلقة بعين هذه الجزئية، ومثل ذلك لو قلنا “كل مستودع أضاع الوديعة بتفريطه هو ضامن لها”.

وهكذا في ما أشبه ذلك من القواعد التي تصاغ مرتبطة بأعيان الجزئيات، فهي وإن كانت في ظاهرها تحمل شكل القاعدة، وهيكلها وصياغتها، ليست قاعدة بمعناها العلمي العام لعدم اشتمالها على عناصر التقعيد[35].

وأما قوله “إن انطباق القاعدة على جزئياتها ليس من حقيقة المعرف” فقول ضعيف لأن انطباق القاعدة الفقهية على جزئياتها هذا هو واقعها، وهذه هي طبيعتها، وحقيقة أمرها، فالانطباق إذن مرتبط بواقع القاعدة، وحيزها. أما ما ذهب إليه الدكتور الباحسين من كون استناد القاعدة الفقهية إلى الدليل الشرعي لا يميزها عن غيرها من القواعد الشرعية، كقواعد العقائد وما أشبهها، فيرد عليه أن الحقيقة التي تميز القاعدة الفقهية عن غيرها ليس استنادها إلى دليل شرعي، بل ما يدرج في تعريفها ويحدد عناصرها ومكوناتها، وما تقوم به حقيقتها وماهيتها. فالفرق بين القاعدة الفقهية وقواعد العقائد هو الفرق بين الفقه والعقيدة، فهو فرق علمي موضوعي، ينبغي أن يتضح بمعالمه وحدوده في تعريف القاعدة.

أما الإشكال الخامس والأخير الذي طرحه الدكتور الباحسين حول التعريف وهو” أن الاستناد إلى الدليل الشرعي لا يعد من مقومات القاعدة”، فجوابنا على خلاف ذلك فالاستناد إلى الدليل الشرعي هو من مقومات القاعدة الفقهية، فما من قاعدة فقهية إلا ولها أصل شرعي “منقول أو معقول” فإذا لم تكن كذلك فلا عبرة بها، ولا تعد قاعدة فقهية بالمعنى العلمي.

وحاصل الأمر أن المتأمل في تعريف أستاذنا الروكي للقاعدة الفقهية، يدرك أن القاعدة الفقهية تحتاج إلى أربعة عناصر، تشكل بمجموعها المقومات العلمية الأساسية التي تتكون منها حقيقتها وتكتسب منها ماهيتها، ويمكن تحديد عناصرها فيما يأتي:

أولا: الاستيعاب:

وهو كون القاعدة تشتمل على حكم جامع لكثير من الفروع بحيث يجعلها تندرج فيها بقوته وسريانه عليها[36].

ثانيا: الاطراد أو الأغلبية:

فالأصل في القاعدة الفقهية أن تكون مطردة، أي أنها تنطبق على كل جزئياتها دون استثناء لأي جزئية منها… لكنه قد يتخلف فيها عنصر الاطراد فتنتقل حينئذ إلى مرتبة الأغلبية، أي أنها تنطبق على أغلب جزئياتها لا على كلها. وإذا لم يكن في القاعدة اطراد ولا حكم أغلبي، فإنها لا تستحق حينئذ أن تكون قاعدة بالمعنى العلمي[37].

ثالثا: التجريد:

ويراد به أن تكون القاعدة مشتملة على حكم مجرد عن الارتباط بجزئية بعينها… وفقدان القاعدة لعنصر التجريد، يجعلها تفقد عنصر الاستيعاب أيضا، لأن الاستيعاب في القاعدة يستلزم اتصاف حكمه بالسعة، والشمول وقوة السريان، وهذا لا يكون إلا إذا كان ذلك الحكم مجردا موضوعيا غير مرتبط بالذوات[38].

رابعا: إحكام الصياغة:

ومعناه أن تصاغ القاعدة الفقهية في أوجز العبارات، وأدقها وأقواها دلالة على الحكم الذي تشتمل عليه القاعدة، وينبغي أن تكون الألفاظ ممعنة في الشمول، والعموم والاستغراق حتى لا تنزل القاعدة إلى مرتبة الضوابط والحدود والتعريفات أو إلى ما دون ذلك[39].

وإلى بعض هذه العناصر أشار الأستاذ مصطفى الزرقا عند تعريفه للقاعدة بأنها “أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تضمن أحكاما تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها”[40]. ثم علق على هذا التعريف بقوله: “فهي تمتاز بمزيد الإيجاز في صياغتها على عموم معناها وسعة استيعابه للفروع الجزئية، فتصاغ القاعدة بكلمتين أو بضع كلمات محكمة من ألفاظ العموم “[41].

وهكذا فإن انعدام عنصر من هذه العناصر الأربعة، يفقد القاعدة الفقهية حقيقتها وماهيتها. وبذلك تحتاج المؤلفات المنجزة في مختلف العصور حول القواعد الفقهية إلى إعادة النظر فيها من أجل تمييز القواعد العلمية المستوفية للمكونات الأساسية العلمية السابقة مما ليس كذلك.

المبحث الثاني: مصادرها.

للقواعد الفقهية مصادر متعددة، فهي ليست نتيجة استدلال معين، فبعض القواعد من نصوص الشرع الحكيم، وبعضها توصل إليه بطرق الاستدلال والاستنباط المتنوع، سواء كان استنباطا من النصوص أو استقراء لها، أو تتبعا للجزئيات الفقهية أو غير ذلك، ويمكن تحديد هذه المصادر من خلال المطالب التالية:

المطلب الأول: القرآن الكريم:

يمكن التمييز في القرآن الكريم بين نوعين من الأحكام:

– نوع منها ورد مقررا لمجموعة من القواعد العامة، والمبادئ الأساسية.

– وآخر جاءت نصوصه تفصيلية، وهذا النوع كان منبعا أساسيا، ومصدرا مباشرا في تقعيد القواعد وصياغة الضوابط في الفقه الإسلامي.

ومن القواعد الفقهية التي انبثقت أساسا من النصوص التفصيلية نذكر:

أولا: قاعدة المشقة تجلب التيسير[42].

والأصل فيها قوله تعالى: ((وما جعل عليكم في الدين من حرج)) [43] وقوله سبحانه: ((يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر))[44]، وقوله عز وجل: ((يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا)) [45] وقوله جل شأنه: ((إن مع العسر يسرا ))[46]. إلى غير ذلك من الآيات التي وردت في هذا المعنى.

ثانيا: قاعدة الضرورات تبيح المحظورات[47].

وقد استفادها الفقهاء من قوله تعالى: ((فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه))[48].

وقوله سبحانه: (( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)) [49] وقوله عز وجل: ((وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه))[50]. وغير ذلك من الآيات الواردة في إباحة الممنوعات من الأشياء وقت الضرورة.

ثالثا: قاعدة من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه[51].

هذه القاعدة مستمدة من قوله تعالى: ((ولا تبطلوا أعمالكم))[52] وقوله سبحانه: ((ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا))[53].

المطلب الثاني: السنة النبوية:

إن الباحث في تاريخ التشريع الإسلامي المتتبع لمراحل نموه وتطوره، ليلمس بوضوح أن أول من نطق بالقواعد الفقهية هو الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي بعثه الله تعالى بجوامع الكلم، وخصه ببدائع الحكم.

فكان عليه الصلاة والسلام إذا سئل عن أمر، أو استفتي في مسألة أجاب بعبارة وجيزة فصيحة من جوامع كلمه، ولا غرابة في ذلك فهو أفصح من نطق بالضاد. فمن جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم التي خرجت مخرج القواعد الفقهية نذكر:

– أولا: لا ضرر ولا ضرار.

هذه القاعدة هي نص المادة 19 من مجلة الأحكام العدلية وهي نص حديث رسول الله صلى عليه وسلم الذي روي من طريق عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن جده[54].

– ثانيا: الخراج بالضمان.

هذه القاعدة حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي من جوامع كلمه، وفي بعض طرقه ذكر السبب الذي ورد من أجله النص، وهو أن رجلا ابتاع عبدا فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم ثم وجد به عيبا، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليه فقال الرجل:”يا رسول الله قد استعمل غلامي” فقال: “الخراج بالضمان”[55].

  • ثالثا: جناية العجماء جبار.

وهذه القاعدة بالصيغة المذكورة هي نص للمادة 94 من مجلة الأحكام العدلية وأصلها حديث صحيح أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ: “العجماء جرحها جبار”[56]. ونص قاعدة المجلة فيه تغيير يسير.

ومعنى القاعدة أن ما تلحقه البهيمة بنفسها، من إضرار بالنفس أو بالمال جبار أي هضر وباطل لا حكم له، إن لم يكن صاحبها قد تسبب في ذلك.

  • رابعا: البينة على المدعي واليمين على من أنكر.

والقاعدة المذكورة هي نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ورد بروايات عدة[57].

والقاعدة بالصيغة المذكورة هي نص المادة 76 من مجلة الأحكام العدلية.

وغير ذلك كثير من كلماته الجامعة صلى الله عليه وسلم التي خرجت مخرج القواعد الكلية، والمبادئ العامة.

وإلى جانب هذه القواعد التي وردت بنصوصها مأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم هناك مجموعة أخرى من القواعد الفقهية، استنبطها الفقهاء من دلالات النصوص الحديثية، من أمثلة ذلك:

أولا: الأمور بمقاصدها.

هذه قاعدة مستمدة من حديث صحيح مشهور، أخرجه غير واحد من أئمة الحديث من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما الأعمال بالنيات[58] وقد جعله العلماء أصلا في هذه القاعدة المذكورة[59].

ثانيا: يلزم مراعاة الشرط بقدر الإمكان[60].

وهي قاعدة مستفادة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق من ذلك”[61]، والقاعدة بالصيغة المذكورة، هي نص المادة 83 من مجلة الأحكام العدلية.

ثالثا: لا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد بلا سبب شرعي[62].

وهي قاعدة مستنبطة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن في حجته من بعضه، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها”[63].

رابعا: التصرف على الرعية منوط بالمصلحة[64].

وهي قاعدة مستوحاة من حديث: “من ولي شيئا من أمور المسلمين لم ينظر الله في حاجته حتى ينظر في حوائجهم[65].

وتروم هذه القاعدة أن التصرف على الرعية منوط بالمصلحة أي أن نفاذ تصرف الراعي على الرعية، ولزومه عليهم شاِؤوا أو أبوا، معلق ومتوقف على وجود الثمرة والمنفعة، في ضمن تصرفه دينية كانت أو دنيوية[66].

وجدير بالذكر أن القواعد الفقهية التي استمدها الفقهاء من أحاديث الأحكام كثيرة ومتعددة، حتى إنه ليصعب حصرها وتتبعها.

وقد اهتم الزركشي، والسيوطي وابن نجيم بالتدليل على القاعدة، حيث ما أمكن من الكتاب العزيز والسنة النبوية.

المطلب الثالث: فقه الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين:

بالإضافة إلى المصدرين الأساسيين للتشريع اعتمد الفقهاء في استنباط وتخريج نصوص القواعد الفقهية على ما أثر عن بعض الصحابة، والتابعين وأئمة المذاهب وكبار أتباعهم من عبارات جرت بعد ذلك مجرى القواعد، ففي رسالة القضاء التي كتبها عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري نقف على مجموعة عامة من القواعد والأصول التشريعية منها:

– الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا.

– مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.

– المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة الزور، أو مجلودا في حد أو ضنينا في ولاء أو قرابة[67].

– قال ابن القيم معقبا على هذه الرسالة: “وهذا كتاب جليل، تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه”[68].

ولما كان عهد التابعين وتابعيهم، قد اتسم باتساع ظاهرة الفقه الإسلامي، واتساع مجال الاجتهاد، والاستنباط بسبب ما جد من قضايا ونوازل، وأحداث فقد كان من الطبيعي أن تتسع إثر ذلك دائرة القواعد الفقهية عما كانت عليه في عهد الصحابة الكرام. وهكذا أضيفت إلى المأثور عن الصحابة، أقوال الفقهاء المستخلصة من النصوص الشرعية، فمن نصوصهم رحمهم الله تعالى:

قال الشافعي: “لا ينسب إلى ساكت قول”[69].

وقال: “إذا ضاق الأمر اتسع”[70].

وقال الإمام أحمد رحمه الله: ” كل ما جاز فيه البيع تجوز فيه الهبة، والصدقة والرهن”[71].

وقال الكرخي:”الأصل أن للحالة من الدلالة كما للمقالة”[72].

وقال: “الأصل أنه إذا مضى بالاجتهاد لا يفسخ بالاجتهاد ويفسخ بالنص”[73]. وقال: “الأصل ما ثبت باليقين لا يزول بالشك”[74]، وقال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة في كتاب”الخراج” الذي وضعه للرشيد:”ليس للإمام أن يخرج شيئا من يد أحد إلا بحق ثابت ومعروف”[75].

وعليه، فإن فقهاء العصور الأولى لم يهملوا ناحية التقعيد والتقنين، فالباحث في المصادر الأولى للفقه الإسلامي يلمس مدى العناية المبكرة لهؤلاء بجمع الأحكام المتشابهة، والمسائل المتماثلة في قواعد كلية، وأصول جامعة.

المطلب الرابع: علل الأحكام الشرعية ومقاصدها:

إلى جانب المصادر السالفة الذكر، أفاد الفقهاء في تحرير قواعدهم الفقهية، وضبط جزئياتها من علل الأحكام الشرعية و مقاصدها. يقول الأستاذ مصطفى أحمد الزرقا: “إن القواعد الكلية المأثورة في الفقه الإسلامي لم توضع كلها جملة واحدة… بل تكونت مفاهيمها وصيغت نصوصها بالتدرج، في عصور ازدهار الفقه ونهضته على أيدي كبار فقهاء المذاهب من أهل التخريج والترجيح، استنباطا من دلالات النصوص التشريعية العامة ومبادئ أصول الفقه، وعلل الأحكام والمقررات العقلية… فقد كانت تعليلات الأحكام الفقهية الاجتهادية، ومسالك الاستدلال القياسي عليها أعظم مصدر لتقعيد هذه القواعد وإحكام صيغها”[76].

وتعتبر قواعد دفع الضرر ورفع المشقة والحرج وجلب المصالح ودرء المفاسد خير نموذج على ذلك. فمن هذه القواعد على سبيل المثال لا الحصر:

– الضرر لا يزال بمثله[77].

– الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف[78].

– درا المفاسد أولى من جلب المصالح[79].

– يختار أهون الشرين[80].

– الحاجة تنزل منزلة الضرورة[81].

– يتحمل الضرر الخاص دفعا للضرر العام[82].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصدر صورة المقال.

[1] – لسان العرب مادة قعد: 3/361

[2] – سورة البقرة الآية: 127

[3] – سورة النحل الآية: 26

[4] – القاموس لمحيط مادة قعد: 1/340

[5] – لسان العرب مادة قعد: 3/361

[6] – انظر كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي: 2/1176

[7] – معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب لمجدي وهبه، وكامل المهندس ص: 165

[8] – المدخل الفقهي العام لمصطفى أحمد الزرقا: 2/906

[9] – معجم المصطلحات العلمية والفنية ليوسف خياط، ص: 546

[10] – كشاف اصطلاحات الفنون: 2/1176

[11] – الصحاح:6/2243، تهذيب اللغة:5/404

[12] – شرح تنقيح الفصول، ص:17

[13] – انظر الوجيز في أصول الفقه ص:3

[14] – سورة هود آية: 91

[15] – سورة النساء آية:77

[16] – هذا التعريف أورده القرافي ضمن مجموعة من التعاريف ورجحه عليها انظر شرح تنقيح الفصول، ص: 16-17

[17] – انظر الإحكام للآمدي:1/6

[18] – انظر نظرية التقعيد الفقهي للدكتور الروكي، ص:30

[19] – أصول الفقه للباحسين، ص: 82

[20] – شرح الكوكب المنير: 1/44

[21] – أصول الفقه للباحسين ص: 83

[22] – انظر نظرية التقعيد الفقهي ص: 30

[23] – كشاف اصطلاحات الفنون: 5/1176-1177

[24] – المواهب السنية ص: 28

[25] – قواعد المقري:1/210 بتحقيق أحمد بن عبد الله بن حميد.

[26] – غمر عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر: 1/51

[27] – ذكر هذا المعنى ابن النجار في شرح الكوكب المنير: 1/45

[28] – انظر الموافقات للشاطبي: 2/41

[29] – القواعد الفقهية للندوي، ص: 44

[30] – نظرية التقعيد الفقهي للروكي ص: 42

[31] – غمر عيون البصائر: 1/51

[32] – أصل الكتاب أطروحة جامعية نال بها صاحبها دكتوراه الدولة.

[33] – نظرية التقعيد الفقهي ص: 48

[34] – انظر القواعد الفقهية للباحسين ص: 52/53

[35] – انظر نظرية التقعيد الفقهي للدكتور الروكي ص:47.

[36] – نفسه ص:60

[37] – نفسه ص:62- 63

[38] – نفسه ص: 63-64

[39] – نفسه ص:67

[40] – المدخل لفقهي العام: 2/947

[41] – نفسه: 2/947

[42] – شرح القواعد الفقهية للزرقا ص:157

[43] – الحج:76

[44] – البقرة: 184

[45] – النساء: 28

[46] – الشرح:6

[47] – شرح القواعد للزرقا ص:185

[48] – البقرة:172

[49] – النحل: 103

[50] – الأنعام:120

[51] – شرح القواعد للزرقا ص: 475

[52] – سورة محمد: 34

[53] – النحل: 92

[54] – أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الأقضية باب القضاء في المرفق رقم ح: 1429

[55] – سنن أبي داوود كتاب الإجارة، باب من اشترى عبدا فاستعمله ثم وجد به عيبا ح: 3509

[56] – صحيح البخاري كتاب الديات باب المعدن جبار والبئر جبار رقم ح 6514، صحيح مسلم كتاب الحدود باب جرح العجماء والبئر جبار رقم ح 1740

[57] – سنن الترمذي كتاب الأحكام عن رسول الله صلى الله وسلم – باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين عل من ادعى عليه رقم ح 1356

[58] — صيح البخاري كتاب بدء الوحي قم ح 1

[59] – انظر هذه القاعدة في الأشباه والنظائر للسيوطي ص: 6-37

[60] – شرح القواعد الفقهية للزرقا ص: 419

[61] – مستدرك الحاكم كتاب البيوع رقم ح: 2310

[62] – المادة 97 من مجلة الأحكام وسليم رستم ص:62

[63] – موطأ مالك كتاب الأقضية باب الترغيب في القضاء بالحق رقم ح:1399

[64] – انظر هذه القاعد في الأشباه والنظائر للسيوطي ص: 83-84

[65] – سنن أبي داود، كتاب، الخراج والفيء، باب ما يلزم الإمام من أمر الرعية رقم ح: 2948

[66] – شرح القواعد الفقهية للزرقا ص 309

[67] – انظر إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 1/85-86

[68] – نفسه 1/86

[69] – الأشباه والنظائر للسيوطي ص: 158

[70] – نفسه ص: 92

[71] – مسائل الإمام أحمد لأبي داود ص: 203 نقله الندوي في القواعد الفقهية ص:94

[72] – أصول الكرخي مع تأسيس النظر ص: 163

[73] – نفسه ص: 171

[74] – نفسه ص:161

[75] – كتاب الخراج ص: 60

[76] – المدخل لفقهي العام 2/951-952

[77] – شرح القواعد الفقهية للزرقا ص:190

[78] – نفسه ص:199

[79] – نفسه ص: 205

[80] – نفسه ص:203

[81] – نفسه ص:209

[82] – نفسه ص: 197

الوسوم
اظهر المزيد

د. عبد الإلاه بالقاري

تخصص علوم القرآن وأصول الفقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: