“العامة” دراسة في الماهية والتكوين والدور

مدخل عام :

الناس صنفان: أخوك في الدين ونظيرك في الخلق

قسم جمهور علماء السلف العالم إلى دائرتين متخاصمتين: أطلقوا على الأولى بلاد الإسلام، وعلى الثانية بلاد الكفر أو بلاد الحرب، لكن قلة قليلة، وعلى رأسهم الإمام الرازي في تفسيره، رفض هذا التقسيم القائم على منطق الصراع والصدام، واقترح تقسيما بديلا، ينم عن فهم عميق ورؤية متفتحة لنصوص القرآن والسنة، فقال بثنائية جديدة شعارها: بلاد الإسلام وبلاد الدعوة.

ثم جاء الأستاذ عبد السلام ياسين وطور هذه الرؤية في العديد من كتاباته وخاصة كتابي “العدل” و”إمامة الأمة”، فوسع من وعاء المفهومين رحمة بالناس واستشرافا لمستقبل يسود فيه منطق الدعوة عوضا عن منطق العنف، ومن ثم اقترح ثنائية أشمل وأعم، فقال بـ “أمة الاستجابة” و “أمة الدعوة”.

أمة الاستجابة: ويقصد بها جميع المسلمين الذين ورثوا الاسلام أو اختاروه بالفعل. والأمة هنا ليست كتلة واحدة منسجمة، بل هي دوائر ثلاث متفاوتة في التربية والوعي الإرادة:

الطليعة الإسلامية: وهم جند الله الذين ندبوا أنفسهم لتغيير ما بالأمة، من واقع العَسْف والانقياد والقعود، نحو أفق العدل والشورى والإحسان. إنهم بمثابة المحرِّك للعملية، لكن عليهم أن يتجاوزوا أولا مراحل اليقظة، والتربية وشحذ العزائم، قبل أن يتصدوا لتحريك غيرهم على النطاق الواسع.

الأعراب:  إنهم، في كلمة، مظهر النفاق، والخمول، وخذلان القضية أشد ما تكون الحاجة إلى النصير. ولنا عودة أخرى في هذا المقال للحديث عن مفهوم “الأعرابية” في سياق تحليلنا لعناصر من التكوين النفسي للعامة.

عامة المسلمين: وهم ” ليسوا الأعراب السادرين في فرديتهم الأنانية، وهيجانهم الجماعي، بل هم مجمل الناس بعد أن يصوغهم الإسلام في بوتقة الإيمان”.[1] هي الأمة المحلقة حول القيادة والجماعة، النصيرة لها، المنتظمة معها بنظام الولاية، السائرة بأمرها، المنتهية بنهيها.[2]  

   أمة الدعوة: و يقصد بها سائر الخلق الذين بلغتهم الدعوة فامنتنعوا عن التصديق أو لم تبلغهم، إنها الإنسانية كلها التي تنتظر مخرجا من ضيقها. وهي بدورها ليست بنية واحدة موحدة بل يمكن تقسيها إلى دائرتين اثنتين: النظير في الخُلُق (برفع الخاء)، ونقصد به كل فاضل: مؤسسة كان أو فردا، اختار دينا غير الاسلام، لكنه يكافح ضد الظلم السياسي والاجتماعي والإقصاء والعنصرية…، هذا النظير يجمعنا به حلف إنساني على أرضية العدل. ومرجعنا في ذلك “حلف الفضول” الذي أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. والنظير في الخَلْق ( بفتحها). وهم أناس ليسوا مسلمين أيضا، لكنهم مشاركون ـ بشكل من الأشكال ـ في الظلم السائد وفي نهب خيرات العالم وتفقير الناس. لهؤلاء يجب إعداد القوة اللازمة لحماية المشروع الإسلامي التغييري.

وسنعود للحديث عن مسؤولياتنا ـ نحن أمة الاستجابة ـ  تجاه أمة الدعوة في موضع آخر من هذا المقال.

العامة في الثقافة العربية ـ الإسلامية

   في التراث العربي ـ الإسلامي، وخاصة عند المعتزلة وعلى رأسهم الجاحظ، يُعبّر عن الدائرة التي نحن بصدد دراستها بمفاهيم متعددة، كلها تميل، تقريبا، إلى الذم والقدح والتنقيص من قيمتهم، من قبيل “الغوغاء” و”السوقة” و”الرعاع”، في مقابل مفهوم “الخاصة”، الذي يحيل على العلماء والمفكرين والأدباء والساسة والعائلات الشريفة.

وفي هذا السياق نجد واصل بن عطاء، يقول في صفة الغوغاء: “هم الذين إذا اجتمعوا ضرّوا وإذا تفرّقوا نفعوا، فقيل قد علمنا مضرّة اجتماعهم فما منفعة افتراقهم؟ فقال: يرجع أهل المهن إلى مهنهم فينتفع الناس بهم، كرجوع البنّاء إلى بنائه والنسّاج إلى منسجه والخبّاز إلى مخبزه”. وهم في نظر الجاحظ “أقلّ شكّاً وأكثر تسرُّعاً”.

أما سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو الذي ذاق المر من “جماهير” لا تطيع[3] فقد وصفهم بأنهم “إذا اجتمعوا غلبوا وإذا تفرّقوا لم يعرفوا”، وهذا ينسجم تماما مع التعريف الذي أعطاه فيما بعد الفرنسي “لوبون” للجماهير في كتابه المشتهر “سيكولوجية الجماهير”. ونقل ابن القيّم في بعض كتبه، عمن سبقه، المقولة المشهورة التي تحتقر العامة، والتي تنصح بعدم سب العامة : “لأنهم يطفئون الحريق وينقذون الغريق”!

عناصر في مكونات البناء النفسي للعامة

1 ـ صفة “الأعرابية”[4]

“الأعرابية” مفهوم منهاجي أصيل. إنه صفة ونعت للأعراب، وهم في الأصل اللغوي سكان البدو، كانوا معروفين بالغِلظة والجفاء، ففي الحديث النبوي: “من سكن  البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى باب السلطان افتتن”[5]. وللكلمة مدلول قرآني نبوي عميق، فهي تطلق على أناس أسلموا ولم يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نصروه، فهم بذلك في أطراف الجماعة المسلمة: سكنا وإيمانا وعاطفة واهتماما.

قال الله تعالى في سورة التوبة: (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، والله عليم حكيم. ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم. ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنه قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم).[سورة التوبة الآية 97]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات: “أخبر تعالى أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد”.[6]

الفهم المنهاجي إذن يحيل على أن “الأعراب” مزيج من مسلمين صادقين، وآخرين منافقين، وآخرين قاعدين متخلفين، وآخرين يخونون عهد الله تعالى: خليط وغثاء وبعد رهيب عن الوحدة والانسجام. والقليل، بل قل النادر من هذا الخليط من يترجم حماسه وهمه وشوقه جهادا وفعلا فيه غَناء للأمة وبناء لمقومات مستقبلها، إنما هو حماس ثائر، وزبد طائش، وشعلة تبن سرعان ما تنطفئ. أما الثابت الدائم، والغالب على نفسيتهم، فهو الهمّ اليومي القاهر. وهذا تصديق لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة[7].

2 ـ عطب “الغثائية”[8]

   مفهوم “الغثائية” مأخوذ من كلمة “الغثاء”[9] الواردة في الحديث النبوي المعروف، وهو صفة لازمة لما يطفح ويتفرق ويذهب جفاء. “الغثائية” في الفهم المنهاجي مرض وعطب يعشش عميقا في نفسية الإنسان، إنها حالة فرد أو كتلة لا قيمة لها ولا اعتبار، ولا فعل لها ولا أثر. وجوهر هذا العطب، كما يخبرنا به معلمنا، هو الوهن[10] الذي لا يفيد معه كثرة العدد. وبما أننا نريد حياة “تجعل من الفرد المومن عاملا للصالحات، ومن الأمة قوة اقتحامية ترتفع من الوهدة وترقى إلى العزة متخطية العقبات. وهناك في قاع النفس الفردية، في القلوب، قذف الله رب العزة الوهن. هناك في العلاقات الجماعية ولد الوهن جراثبم الاستبداد والظلم والأثرة” فإنه ” لا علاج إلا العلاج العميق لمرض الغثائية في القلوب”.[11]

3 ـ “دين الانقياد”[12]

إن التكوين العضوي للعامة، باعتبارهم كتلة غير متجانسة، يجعلهم سهل القياد، وعالة على محترفي السياسة. قد، وهي هنا للاحتمال وليس للتحقيق، قد يغضب وينتفض في مظاهرات الجوع، لكنه نادرا ما يقوم بوعي في وجه المنكر العظيم، منكر الحكم الفاسد.

القوة الاقتحامية التي تميز بها جيل الصحابة، والتي تشربتها قلوبهم وعقولهم مع الإيمان وبتربية النبي صلى الله عليه وسلم لهم، والتي أنتجت مواقف بطولية خالدة في الوقوف في وجه العسف، انتفت من نفوس الناس وعقولهم منذ تاريخ طويل لأسباب نفسية كثيرة على رأسها ما يسميه ابن خلدون بـ” دين الانقياد”.

والسؤال المطروح هنا على دعاة التغيير من أبناء الإسلام: بماذا يعودون إلى الساحة من جديد إن تركوا الذهنية الانقيادية المرضية سائدة ولم يعالجوها؟ إن المسلمين بعد الانكسار التاريخي الذي حول نظام الحكم من خلافة راشدة إلى ملك عضوض فجبري، اعتادوا التسليم للمستولي، والطاعة اللامشروطة للحاكم، وقيل لهم كما قيل لآبائهم وأجدادهم منذ قرون: إن طاعة أولي الأمر من طاعة الله ورسوله.

إن “أهم العوائق في كسب المعركة ضد الأنظمة القائمة المستقرة العائق النفسي المتمثل في الولاء الراسخ تعطيه الجماهير لنظام مألوف تفضله على حدث مستجد، أو الولاء المتذبذب الشاك المتحول بسرعة مع رياح الدعاية الرسمية”.[13]

4 ـ ” نحلة الغالب “[14]

   عقد حكيمنا ابن خلدون الفصل الثالث والعشرين من مقدمته المشهورة ليوضح فيه، بطريقة العليم الخبير بالعوائق النفسية والعقبات الذاتية الكامنة في عمق الأفراد والجماعات، “أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده” والسبب في ذلك ” أن النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه: إما لنظره بالكمال بما وقر عندها في تعظيمه، أو بما تغالط به من انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها حصل اعتقادا فانتحلت جمبع مذاهب الغالب وتشبهت به”[15].

من الواضح إذن أن “نحلة الغالب” ميل من نفس المغلوب للغالب وانهزام له وانقياد، والتشبه به والاقتداء في كل العوائد والأحوال، بوجود خطة مفروضة “للتنحيل”  أو نتيجة انبهار بـ”النموذج الناجح” الذي يقدمه الغالب لإدارة شؤون الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

التأثير والاستتباع: كيف ؟

   كثيرا ما نتساءل باستغراب : كيف ينجح الزعماء والقادة والأنظمة عبر التاريخ في السيطرة على عقول العامة وقلوبهم وفي استتباعهم وتسييرهم حسب مشيئتهم ؟

الوقائع تؤكد لنا أن محركي العامة عبر التاريخ لايخاطبون عقلهم: تفهيما وإقناعا، وإنما يتوجهون إلى عاطفتهم، من أجل ذلك نجدهم يركزون على استراتيجية واحدة مفادها الإيمان بلا عقلانية العامة، لكنهم في الوقت نفسه يتظاهرون بأنهم عقلانيون ومنطقيون.

والوعي بهذا المدخل هو الذي جعل “القادة” يفرضون أنفسهم على العامة بواسطة القوة (المادية: عن طريق العنف، والمعنوية: عن طريق الهيبة) وليس عن طريق المحاجات العقلية والمنطقية.

سنركز في هذه الفقرة على العامل الذاتي، ومن ثم سنشير  بنوع من الإيجاز المفيد إلى نقاط الضعف في البناء النفسي للعامة، والتي يستغلها “الزعماء” المستبدون لارتهان قلوب العامة و”عقولهم” ونفسيتهم:

  • استغلال خوف الناس الطبيعي من كل ما له علاقة بالسياسة والسلطة، وكنتيجة لذلك، أنتج “العقل الجمعي الشعبي” مجموعة من الأقوال السائرة والحكم السائدة تؤطر علاقة الجماهير بالسلطة، من قبيل: “الخواف ما تخاف عليه يماه”، ” امشي حويطة احويطة “، ” ثلاثة ما  معاهوم لعيب: النار والبحر و…المخزن”، “دخول فسوق راسك”، ” الله ينصر لي اصبح”.
  • استغلال فقر الناس وفاقتهم وحاجتهم وارتهانهم بالتفتيش اليومي عن قوت عيالهم، وهذا مبدأ أثير عند الزعماء المستبدين الذين يتبنون الشعار القائل” جوع كلبك يتبعك” في علاقتهم بشعوبهم.
  • استغلال العقلية السلبية و الذهنية الرعوية عند شق عظيم من الناس التي تتلخص في مبدأ “إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت “
  • استغلال عادات سلبية جارفة في نفسية الناس وتكوينهم العقلي. مثل: الانقياد للقوي والغني والغالب، وحب التقرب من صاحب السلطان.
  • استغلال سيطرة  العاطفة على حساب الجانب العقلي في تشكيل المخيال الجماعي للعامة والعمل على دغدغته وشحنه بالصور والكلمات والرموز الموحية.
  • التضليل الممنهج، والتلاعب بعقول العامة بواسطة الإعلام خاصة ونشر الإشاعة.

قراءة في نماذج سلبية من مواقف جماهيرية

1 ـ قلوبهم معك، وسيوفهم عليك

    لقد كان سيدنا الحسين متوجها إلى العراق استجابة لنداء غالبية أهلها ضدا على حكم بني أمية وظلمهم حين التقى في الطريق من أخبره بأن أهل العراق ” قلوبهم معك، وسيوفهم عليك”، فخانوه وأسلموه لعدوه، فقتله عليه السلام جيش الدَّعيّ زياد بن أبيه، وهم يدركون جيدا أنه حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيد شباب الجنة. فصدق فيهم قول عدوهم الحجاج بأنهم “أهل نفاق وشقاق ومساوئ أخلاق”.

ترى، لماذا خانت العامة سيدنا الحسين، وأبت أن تنصره ؟

لما مات معاوية بن أبي سفيان، بعث أهل الكوفة بالرسل والكتب إلى سيدنا الحسين، وقد بلغت هذه الكتب، حسب العديد من المصادر، إلى أكثر من خمسمائة كتاب ورسول، وكلها تؤكد أنهم حبسوا أنفسهم على بيعته، وأنهم مستعدون للموت دونه. فـلما هم بالخروج إلى العراق، أتاه ابن العباس، فقال له: ” يا ابن عم، قد بلغني أنك تريد العراق، وإنهم أهل غدر”.[16] … ” إنهم من خبرت وجربت، وهم أصحاب أبيك وأخيك[17] … إنك لو خرجت إليهم فبلغ ابن زياد خروجك استنفرهم إليك، وكان الذين كتبوا إليك أشد عدوك”[18] . أما أبو بكر بن هشام فقد قال له:” فلو بلغهم ـ أي بني أمية ـ مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك من وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره”[19]. ويذكر اليعقوبي في تاريخه، أنه لما دخل علي بن الحسين الكوفة، رأى نساءها يبكين ويصرخن فقال: ” هؤلاء يبكين علينا فمن قتلنا؟”[20] أي: من قتلنا غيرهم. ولما كثر العساكر عليه، أيقن أنه لا محيل مقتول، فقال: “اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا ثم هم يقتلوننا”[21].

ترى، هل من حقنا أن نستنتج أن شيعة سيدنا الحسين هم في الحقيقة من قتله؟

2 ـ فاستخف قومه فأطاعوه[22]

   قال تعالى:(ونادى فرعون في قومه، قال: ياقوم أليس لي ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحتي، أفلا تبصرون، أم أنا خير من هذا الذي هو مهين) أي حقير، ضعيف، لا ملك له ولا سلطان. (ولا يكاد يبين) أي لا يكاد يفصح عن كلامه، فهو عيي حصير. (فلولا ألقي عليه أَسْورَةٌ من ذهب) وهي ما يجعل في الأيدي من الحلي. (أو جاء معه الملائكة مقترنين. فاستخف قومه فأطاعوه) أي استخف عقولهم، فدعاهم للضلال فاستجابوا (إنهم كانوا قوما فاسقين. فلما آسفونا) أي أسخطونا وأغضبونا. (انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين. فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين)[23]

حشر فرعون قومه، وخرج عليهم في زينته، وخاطبهم مستعملا أساليب شتى للتأثير على نفسيتهم، القطيعية أصلا. فنادى فيهم، أولا، إجلال صاحب السلطان فصيح اللسان، متهما، ثانيا، خصمه بالمهانة في نسبه، والعي في لسانه. وهذا غير صحيح، لأن سيدنا موسى كان قد سأل ربه قبل أن يذهب إلى فرعون أن يحل عقدة من لسانه، وقد أوتي ما سأل.

كان قوم فرعون قطيعا بشريا يسيره المستكبرون بالكذب والدعاية الرسمية، لكن ما كان لفرعون أن يتبعه قومه ويضلوا بتضليله، لولا خفة قومه واستعدادهم القطيعي لاتباع القوي الغني.

وأكثر أهل الأرض كذلك، ليست لهم عقيدة تشدهم إلى الحق، ولا علم يقيهم موارد الهلكة ولاهدى ولا كتاب منير[24]. ألم بقل الله تعالى لنبيه الكريم ولنا: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إن يتبعون إلا الظن، وإن هم إلا يخرصون). [الأنعام، الآية 116]

3 ـ  الناس على دين ” ملوكهم”:

   زعم الإخباريون أن الناس كانوا إذا أصبحوا في زمن الحجاج، وهو الذي صدقت فيه نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: “يخرج من ثقيف ( قبيلة الحجاج ) كذاب ومبير”. فأما الكذاب فكان المدعو بالثقفي الذي ادعى النبوة، وأما المبير، أي المهلك الجبار المفسد، فكان هو نفسه الحجاج. كان الناس يومئذ يتساءلون إذا تلاقوا: من قُتل البارحة؟ ومن جلد؟ ومن قطع؟ وما أشبه ذلك.

وكان الوليد الخليع الفاجر، الذي أخرج للناس جارية سكرى وصلت بهم الصبح أربعا، صاحب ضياع وبيوت وقصور، فكان الناس يستفسرون في زمانه عن البنيان والمصانع والضياع وشق الأنهار وغرس الأشجار.

ولما تولى سليمان بن عبد الملك، وكان صاحب طعام ونكاح، كان الناس يتحدثون ويتساءلون في الأطعمة الرفيعة، ويتغالون في الزواج والإماء والجواري، ويعمرون مجالسهم بذكر ذلك.

ولما ولي عمر بن عبد العزيز، كان عامة الناس يتساءلون: كم تحفظ من القرآن؟ وكم وردك من ذكر الله عز وجل كل ليلة ؟ وكم يحفظ من القرآن فلان؟ وكم يختم من مرة في الشهر؟ وكم يصوم من الدهر؟

ترى، فيم يفكر الناس حاليا، وما هي اهتماماتهم؟

العامـة: قراءة جديدة لمفهوم قديم   

استدراك:

   هذه مقالة في نقد العامة … بل هناك من سيقول بأنها احتقار لهم، وإعلاء من شأن “الخاصة” واحتفاء بها، من أجل ذلك أسارع فأقول مع سيدنا علي كرم الله وحهه بأنه: “ليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكرا عند العطاء، وأبطأ عذرا عند المنع، وأضعف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة. وإنما عماد الدين، وجماع المسلمين، والعدة للأعداء، العامة من الأمة”[25].

بلغة بسيطة، نحن نعلم ونعي جيدا أن المعول في التغيير الإسلامي، بعد الله تعالى، على عامة الأمة، ففيها يكمن سر القوة، وبركة النصر[26]. وبهذا التقرير نكون أمام خصام بيّن بين “المفهوم” و”المطلوب”. فكيف السبيل للرقي بالعامة لتمارس “فعلها التاريخي” الذي يتناسب مع قيمتها في التصور المنهاجي؟

العامـة: سر القوة وبركة النصر.

   في كتابه الموسوم بـ ” إمامة الأمة”[27]، أفرد الأستاذ عبد السلام ياسين فصله الأول، للحديث عن مفهوم العامة، ودوره في عملية التغيير الإسلامي، وعلاقته بالطليعة الإسلامية..

في البداية، وتأدبا مع أبناء الأمة، وتجنبا لما لصق بمفهوم العامة من تهميش واحتقار، يقترح  المؤلف أن نستبدله بمفهوم نبوي يفيد نفس الدلالة تقريبا، ويقصد به مفهوم” السواد الأعظم”. ثم يجيب على عدد من الإشكالات المحورية العالقة في الفكر الإسلامي الحديث، من قبيل:

ما علاقة جند الله، الطامحين للتغيير، المنظمين في جماعات وحركات، بسواد الأمة الأعظم؟

ما الهدف من الانفتاح على سواد الأمة الأعظم ؟

وما الوسيلة القلبية والحركية لإعادة تشكيل عقول الناس وقلوبهم؟

كيف تحصل الجماعة الإسلامية على ثقة سواد الأمة ؟

وما موقعهم من التغيير المنشود؟

ما العمـل ؟

   1 . يلزم أبناء الحركة الإسلامية أولا، التغلغل وسط الناس لاستعادة ثقتهم بأنفسهم ودينهم ومستقبل أمتهم، مترسين برفق كبير حتى تصغي الأمة إليهم، وتفتح لهم العقول والقلوب والأبواب. فلا يمكن أن يشارك الشعب في مسيرة التغيير الإسلامي إن لم يحصل بين الطليعة الإسلامية وبين باقي الناس تلاحم، والوسيلة الناجعة لذلك قلبية بالدرجة الأولى، ونعني الصدق مع الله تعالى ومع الأمة، فالناس ما عادت “تثق بكثير من المثقفين ولا بالحكام”[28] لأنهم عانوا من احتقارهم وظلمهم ردحا طويلا من الزمن.

وهذا لا يعني أن يتملق أبناء الحركة الإسلامية الشعب، ويطلبوا اجتماعه حول المشروع الإسلامي واحتضانه له بوسائل “انتخابوية” منافقة. إن تغيير المنكر، وإحلال الحق محل الباطل “يقتضيان حمل الناس على ما يكرهون”[29]، فمن لم يزعه وازع القرآن، يهتم بشأنه وازع السلطان.

2 . وفي مرحلة “الإعداد” للمشاركة في قيادة الشأن العام، يتحتم على الطليعة المجاهدة تربية الناس وتوعيتهم وتفهيمهم وتجنيدهم واختيار الرجال ومساعدة كل ذي استعداد للرقي في مدارج الإيمان والهجرة والجهاد.

ويتم هذا الأمر في محاضن لتعلم “الجندية”[30] باعتبارها حركة أجسام، و فكر، وعاطفة. محققة وظائف كثيرة وأهداف عديدة، من قبيل:

  • إيقاظ القلب إلى معاني الإيمان.
  • رفع الهمم إلى نشدان الكرامة الآدمية، وكمال الإنسان.
  • إيقاظ الفكر من سبات الزمن.
  • بث الوعي السياسي في عقول المستضعفين وقلوبهم.
  • حشد جهود سواد الأمة الأعظم للإنجاز.

الشيء الذي ينتج لنا أمة مجندة، متحركة، حية، دائما على أهبة الاستعداد، حافظة للاستقرار السياسي والاجتماعي.

وهذه هي مهمة القيادة الناجحة التي يجب أن تنهض بعامة الأمة إلى مستوى المشاركة الإرادية[31] ولن يتحقق ذلك إلا إذا تحرر الناس من “دين الانقياد” من جهة و من “نحلة الغالب” من جهة أخرى، فقد شلت قرون من الاستبداد والتبعية في الناس روح المقاومة والإبداع.

3 . ثم إنه لا فائدة ترجى من عامة الناس ـ إلا أن يكونوا قطيعا بشريا مهملا ـ ولا غناء لهم ولا مشاركة لهم في بناء المشروع الأسلامي إن لم يضمن لهم الحد الأدنى من العدل في الرزق والعيش الآمن الكريم، (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).

4 . لكن الاعتماد على عامة الأمة في التغيير لا يعني نفي” الخاصة” وإبعادهم”فإنك إن جئت تنحي الكفاءات، وذوي الغنى والخبرة، ورجال التجربة والاطلاع، بمجرد أنهم ساروا شوطا أو أشواطا مع تيار الفتنة الجارف، ولا يكاد يبقى في يدك إلا عروق بلا حياة”. [32]

لكن هذا الأمر لا يمكن أن يتم إلا بثلاثة شروط أساسية:

  • الدخول من باب التوبة.
  • رد المظالم: السياسية والاجتماعية.
  • قبول ميزان الإسلام ومعاييره.

مسؤولية أمة الاستجابة تجاه أمة الدعوة

“العامة” إذن، ركن ركين من نسيج الأمة، فهم ـ كما سبق الذكر ـ “الدائرة المحلقة حول القيادة والجماعة، النصيرة لها، المنتظمة معها بنظام الولاية، السائرة بأمرها، المنتهية بنهيها. وكما أن مسؤولية تربيتها وتنظيمها هي على عاتق الحركة الإسلامية المنظمة، فإن الرهان في المستقبل قائم عليها لتبليغ رسالة الله لعالم قلق مضطرب باحث عن المعنى.

مهمتنا ـ نحن أمة الاستجابة ـ  “عظيمة، لا تنحصر في مستوى مشاكلنا الحالية المحلية، مهمتنا أن نقود الإنسانية إلى سعادتها الدنيوية والأخروية بصفتنا حملة رسالة القرآن، ومستودع نور الهداية النبوية الخاتمة.”[33]

نحن مسؤولون عن إعادة شرع الله لعزته، لتسود كلمة الله العالم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ط1 ، ص 34

[2]  نفسه، ص 35

[3]  هو القائل :” لا رأي لمن لا يطاع “.

[4]   أنظر عبد السلام ياسين: المنهاج النبوي، ط 2 ص 39 . و ” إمامة الأمة” ط 1 ص 34

 [5]  رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس مرفوعا.

[6]   ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ، ط 2006 دار الريان ج 3 ص 1090

[7]   رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي

[8]   أنظر عبد السلام ياسين،  العدل : الإسلاميون والحكم ، ط 1 ،  ص 40 وما بعدها.

[9]  يقول أهل اللغة:” الغثاء هو ما يطفح ويتفرق من النبات اليابس وزبد القدر. ويضرب به المثل فيما يضيع ويذهب غير معتد به”.

[10]  حب الدنيا وكراهية الموت.

[11]  عبد السلام ياسين، المرجع السابق، ص 43

[12]  أنظر عبد السلام ياسين، المرجع السابق،  ص 101 وما بعدها

[13]  عبد السلام ياسين، المرجع السابق ، ص 104

[14]  أنظر عبد السلام ياسبن، تنوير المؤمنات،ط 1، ص 18 وما بعدها.

[15]  ابن خلدون، المقدمة، ط 1، 1993، دار الكتب العلمية، ص 116

[16]  المسعودي، مروج الذهب، المجلد 3 دار الرشاد، بدون طبعة، ص 94

[17]   ففي بعض الروايات أن عبد الله بن الزبير قال  له:  أين تذهب، إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟

[18]   نفس المرجع السابق، ص 65

[19]   نفس المرجع، ص 66

[20]   تاريخ اليعقوبي (1/235).

[21]   نفس المرجع، ص 70

[22]   أنظر عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 287ـ288

[23]  سورة الزخرف ، الآيات: 51، 56 ـ والشرح من : ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، ج 4 ،ص 2092 ط 2006 دار الريان.

[24]   انظر، عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا. ط 2 ، ص 288

[25]   نهج البلاغة – دار الكتب العلمية/بيروت ط 1 /1990 ص 371

[26]   عبد السلام ياسين، إمامة الأمة ، ص 34

[27]   وهو جزء من مشروع كبير تحت عنوان “دولة القرآن”، والذي صدر منه لحد الآن ، بالإضافة إلى المقدمة، أربعة أجزاء.

[28]   نفسه، ص 16

[29]   نفسه، ص 40

[30]   أنظر الفصل الثاني من نفس الكتاب.

[31]   نفسه، ص 32

[32]   نفسه، ص 34

[33]   نفسه ص 209

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: