الصيام وتخليق المجتمع

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

وبعد فإن قضية الأخلاق في المجتمعات ركن أساس، عليه يقوم التعايش بين أفراد المجتمع، والمجتمع بدون أخلاق محكوم عليه بالزوال والفناء الحضاري، ولا يمكنه أن يسهم في بناء الحضارة الإنسانية،

       وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ***  فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

والسعي وراء تخليق المجتمع مطلب يرنو إليه حكماء المجتمع ومفكروه، ويطمع في تحقيقه فلاسفة المجتمع وفضلاؤه وعلماؤه، ولطالما حلم فلاسفة اليونان قديما بتحقيق المدينة الفاضلة كما يقول أفلاطون، وفي كل عصر وفي كل مصر ينبري العلماء والمفكرون والفلاسفة والحكماء وذوو الفضل لتخليق الحياة المجتمعية، ذلكم أن ضرورة العيش المشترك وتشابك العلاقات بين أفراد المجتمع تتطلب التحقق بالأخلاق التي تساعد على العيش السليم واستمرار الجماعة في الوجود، وانعدام الأخلاق الفاضلة يوذن بخراب المجتمع وزواله.

وكما اهتم الفلاسفة والمفكرون بقضية الأخلاق فإن الرسالات السماوية من قبل ذلك ومن بعده إنما هدفت لتنمية الأخلاق كي تستمر الحياة، فإن الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما كانت دعوتهم في المجمل، التحلي بالخصال الحميدة والتخلي عن الخصال الذميمة، ولهذا فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم غاية بعثته إتمامَ البناء الخلقي الذي بدأه الرسل السابقون فقال عليه السلام: ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق[1]

إن الحديث عن تخليق المجتمع ومركزية الأخلاق فيه يمكن النظر إليه من زاويتين:

الزاوية الأولى: منظومة القيم والأخلاق في بعدها النظري التجريدي؛

 وأعني بذلك تعداد الخصال الحميدة، وسرد الأخلاق الكريمة، والحظ على التحقق بها والتمثل لها، وفي هذه الزاوية نجد القرآن الكريم مليئا بالحديث عن القيم الأخلاقية وما يجب أن يتحلى به المؤمن، حتى كتب المرحوم عبد الله دراز دستور الأخلاق في القرآن الكريم، ونفس الأمر يقال عن السنة النبوية المطهرة، فيها مادة غزيرة تتحدث عن الأخلاق، ولم يفوت النبي صلى الله عليه وسلم فرصة دون أن يغرس في أصحابه الخصال الحميدة، وينهاهم عن ضدها، نجد الحديث عن الأخلاق حاضرا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث في أمور العبادات، وهو يتحدث في مجال الأسرة، وهو يتحدث في المعاملات المالية وفي الحدود والقصاص، بل حتى وهو يحارب الأعداء يأمر أصحابه بالتحلي بمكارم الأخلاق.

الزاوية الثانية: النظر في المنظومة الأخلاقية في بعدها الإجرائي التنزيلي، وتجلياتها على المستوى العملي التطبيقي لدى المسلمين.

وفي هذا المستوى يأتي الحديث عن التشريعات العملية وبخاصة القواعد التعبدية، وهي تشريعات تُخضع العبد إلى ما يشبه حضور الدورات التدريبية، فالناظر في العبادات كلها وحتى في الأمور العقدية، يدرك أن الأمر عبارة عن مدارس يتدرج فيها السالك –العبد- ويتربى فيها ويتزود بقواعد السلوك والعمل التي من شأنها تسهيل العيش المشترك بين أفراد الجماعة، نتحدث هنا عن الصلاة وما تقدمه من قواعد في التربية الخلقية الفردية والجماعية، وعن مدرسة الزكاة وما تبثه من روح التكافل والتضامن وتخليص النفس من الشح والتعلق بالمال، وعن مدرسة الصوم وما تقوم به من تهذيب للنفوس وتطهيرها وتزكيتها والسمو بها في مدارج الكمال البشري، وقس على ذلك الحج وغيره من باقي التشريعات التعبدية.

ويعد الصيام منهجا من جملة مناهج عدة لتربية الإنسان، وهو في نظر الإسلام عملية تدريب على التغيير الجذري في حياة الإنسان.

 ونعرج في عجالة على الصوم ودوره في تخليق المجتمع، محاولين استجلاء أهمية رمضان والصوم في تربية الإنسان، ومن ثم الإسهام في تخليق المجتمع، وذلك من خلال التأمل في بعض آيات الذكر الحكيم وأحاديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

لعلكم تشكرون

أما الآيات القرآنية فنقف مع قوله تعالى في سورة البقرة: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”[2]

إن الله عز وجل لم يفرض علينا صيام رمضان ليشقينا ويضيق علينا، وإنما فرضه لمصلحة العباد في المعاش والمعاد، فهو سبحانه يريد بنا اليسر بفرضه الصيام علينا، وهذه نعمة تستوجب الشكر ولذلك قال ولعلكم تشكرون، تشكرونه على الصوم لأنه نعمة؛ يهذب النفس ويبني فيها معاني الإيمان، والخشية من الله سبحانه. ويتجلى ذلك فيما يلي:

  • رمضان يعود النفس على مراقبة الله عز وجل في السر والعلن، فالصائم يخلو بنفسه ويتجنب أن يصل إلى حلقه شيء مفطر لأنه يراقب الله عز وجل، فماذا لو سرت هذه المراقبة على حياتنا كلها وفي كل شؤوننا وصارت المراقبة خلقا يتحلى به أفراد المجتمع كل من موقعه؟ فهل تجد بعد ذلك من يظلم الخلق أو يسرق أموال الناس، أو يضيع حقوقهم المادية والمعنوية، أو يسعى في الأرض بالفساد.
  • الصوم يبني في النفس الزهد في الدنيا، فالصائم يترك طعامه وشرابه وشهوته طوال اليوم، وهذا يعوده على ترك كل ما يحرم عليه، إذا استطاع العبد التخلي عما هو مباح في الأصل استجابة لأمر مولاه فلأن يترك ما هو محرم أصالة أولى وأحرى إن كان يعقل ويفقه.
  • الصوم يذكر العبد بحقيقته وهو أنه عبد لله في كل وقت وحين، ولذا عندما أمرك مولاك أيها العبد بترك الطعام والشراب استجبت وقدمت أمر الله على هوى نفسك، فماذا لو كان منهج حياتك أن تقدم أمر مولاك على هوى نفسك في كل شيء “إنما كان قول المومنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا[3]
  • الصوم يبني في العبد خلق العطف والرحمة والجود على الفقراء والمحتاجين.

وتحقيق هذه المعاني الإيمانية السامية التي من شأنها إصلاح النفوس وتهذيب القلوب مما يؤدي إلى تكثير الصالحين في الأمة ومن ثم يوجد مجتمع صالح. والسبيل لتخليق المجتمع إنما هو تكثير الصالحين المتحققين بالأخلاق الكريمة، وذلك يؤدي بالضرورة إلى ذوبان الأشرار.  

لعلكم تتقون

والآية الثانية التي نود الوقوف عندها هي قوله تعالى: “يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون[4]  قال الفخر الرازي: “قوله تعالى: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}… فيه وجوه، أحدها: أنه سبحانه بـيَّـنَ بهذا الكلام أن الصوم يورث التقوى، لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى، فإنه يردع عن الأشَر والبطَر والفواحش، ويهوِّنُ لَذَّاتِ الدنيا ورياستَها، وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج، وإنما يسعى الناس لهذين، فمن أكثرَ الصوم هان عليه أمر هذين وخفتْ عليه مؤنتهما، فكان ذلك رادعًا له عن ارتكاب المحارم والفواحش.

وقال العلامة الطاهر ابن عاشور: “قوله {لعلكم تتقون}، بيانٌ لحكمة الصيام وما لأجله شُرع، فهو في قوة المفعول لأجله لِـ(كُتِبَ) والتقوى الشرعيةُ هي اتقاء المعاصي. وجُعل الصيام وسيلة لاتقائها، لأنه يُعَدِّل القوى الطبيعية التي هي داعيةُ تلك المعاصي، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أَوج العالَم الرُّوحاني.

وأما الأحاديث النبوية فنقف مع قوله صلى الله عليه وسلم: “فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ ولا يسخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم[5]

وقوله عليه السلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»[6]

 فقد أمر الصائم بتجنب قول الفحش وارتكاب البذيء من الكلام، كما أمر بكبح نفسه والسيطرة عليها حتى في الحالات التي يتعرض فيها للاستفزاز بل حتى ولو اعتدي عليه في بدنه بالضرب والقتال عليه أن يتذكر أنه في عبادة لله عز وجل لا يصلح معها العنان للنفس لتقول وتفعل ما تشاء، بل هو في عبادة المقصود بها أساسا ضبط هذه النفس وتعويدها كريم الخصال والسجايا، ومن ثم فلا ينساق وراءها، وإلا لن يصبح لصومه معنى، ويكون فقط منع عن نفسه الأكل والشرب، من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.

وبتحقيق هذه الغايات والتطلع إلى هذه المعاني السامية للصيام، يسهم رمضان أيما إسهام في تخليق المجتمع، ويحدث الصيام سلاماً اجتماعياً كبيراً، ويصلح بصلاح النيات وسلامة المقاصد ووضوح الغايات المجتمع ويسعد ويهنأ بفضل الله ومنته وكرمه، وما ذلك على الله بعزيز، والحمد لله رب العالمين.


[1] السنن الكبرى للبيهقي باب: بيان مكارم الأخلاق ومعاليها

[2] البقرة 183

[3]  النور 48

[4] البقرة 181

[5] صحيح البخاري كتاب الصيام باب فضل الصيام

[6] صحيح البخاري كتاب الصيام باب من لم يدع قول الزور، والعمل به في الصوم

اظهر المزيد

د. إدريس مرزوق

المؤهلات والأعمال العلمية:  حامل لكتاب الله عز وجل.  دكتوراه في الدراسات الإسلامية تخصص الفقه والأصول من جامعة سيدي محمد بن عبد الله كلية الآداب سايس فاس 2017.  العالمية في العلوم الشرعية من جامع القرويين بفاس سنة 2004.  الماستر في الدراسات الإسلامية تخصص "القواعد الفقهية والأصولية وتطبيقاتها في الأحكام والنوازل" من كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس، سنة 2009.  الإجازة في القانون الخاص من كلية الحقوق بفاس سنة 2007.  أستاذ زائر بكلية الشريعة بفاس  أستاذ زائر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس  أستاذ سابق بالتعليم العتيق الإنتاجات العلمية المنشورة:  كتاب الفقه للسنة الثالثة من التعليم الإعدادي الأصيل. بالاشتراك مع الغير.  حجج المالكية في مسائل الخلاف من خلال بداية المجتهد لابن رشد – الهبات والوصايا نموذجا.  قاعدة الإكراه: أسسها النظرية ونماذج من تطبيقاتها الفقهية  الفتوى عند مالكية المغرب الأقصى دراسة في الخصائص المنهجية وأصول الاستدلال  نوازل باز النوازل لابن هلال السجلماسي (مشاركة في المراجعة والتصحيح)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: