الديمقراطية السفسطائية أم الشورى الحَجَّاجِية

الحديث في الديمقراطية والشورى ليس نزهة فكرية او مجرد موقف عقدي او ايديولوجي. فكلا الإختيارين في حاجة إلى خلفية صلبة من العلوم السياسية، واستحضار متبصر للتاريخ. فالشورى بمعناها القرآني وتطبيقاتها السُّنية في الحكم الإسلامي مورست لفترة جد محدودة، شملت مرحلة النبوة بخصوصياتها، ثم مرحلة الخلافة الراشدة حيث كان الحاكم يخضع لاختيار وإرادة المسلمين حتى مقتل الإمام علي كرم الله وجهه واستيلاء معاوية على الحكم وتوريثه لعصبته. هكذا دخلت الأمة الاسلامية رغم كل الانجازات التاريخية التي يحتفظ بها التاريخ، مرحلة الاستبداد والعض والجبر مع كل الدول التي حكمت وتعاقبت على الأمة الاسلامية من الأمويين حتى العثمانيين. فإبان مرحلة العض كانت الأمة إزاء شورى صورية يزين بها الملوك مجالس حكمهم، ولا خبر لجمهور الأمة في اتخاذ القرار او التعبير عن المواقف والاختيارات السياسية. أما من سولت له نفسه مخالفة الحاكم ولو في رأي فقهي أو سلوكي من العلماء كان مصيره محتوما ومعروفا، إذ لا صوت يعلو فوق صوت “الخليفة”. وللأسف طيلة هذه المدة والأمة بكل مقدراتها لا صوت لها يتوارثها الملوك أبا عن جد وباسم الدين، وباسم الشورى، وباسم حفظ بيضة الاسلام!
أما في الغرب وبعد قرون من الإقطاعية والفيودالية و الحكم الثيوقراطي، والصراع مع التحالف الكنيسي الملكي، اهتدى مفكروه الحداثيين إلى آلية الديمقراطية التي تمكنت في سياقها التاريخي أن تتجاوز عدة إشكاليات سياسية أهمها للإستبداد وما تستتبعه من مظاهر القهر والتفقير والطبقية… .
وقد تمكن الغرب أن يمحو قرون الظلام الوسطوية التي خيمت على القارة الأوربية، ويقفز بعد ثورات متكررة، وحروب مدمرة إلى إرساء نظام حكم ديمقراطي يؤمن فيه الجميع بالتداول حول السلطة عبر صناديق الاقتراع. ولم تستقر صورة النظام الديقراطي الحالي إلا بعد قرنين من الزمن شهدت تجارب مختلفة وانتكاسات متكررة أكبرها بروز النازية عن طريق الانتخابات التمثيلية وما تلاها من حربين عالميتين اولى وثانية. ومع ذلك استطاعت الدول الغرببة أن تعيد ترميم نظم حكمها وتزيدها تحصينا من خلال توسيع الحريات وتوسيع الممارسة الديمقراطية.
لكن مع تعقد الحياة السياسية بدأت تبزغ عدة عيوب جوهرية في النظم الديمقراطية انبرى لها فلاسفة ومفكرون أمثال ألكسيس دوطوكفيل الذي كتب كتابه “en amerique” وضح من خلاله ما سماه “الاستبداد الديمقراطي” déspotisme democratique. وقد نبه هذا المفكر وغيره إلى ديكتاتورية الأقلية المنتخبة التي تعتبر نفسها ممثلة للشعب، وأن هذا الأخير قد فوصها أمره في كل قصايا الوطن. هذه الديمقراطية التمثيلية التي تفرز لنا بين الفين والأخرى ما يعيشه العالم اليوم من انتخاب رؤساء أمثال دونالد ترامب، أو أحزاب يمينية متطرفة، او ما نعيشه في المغرب من برلمانيين ومستشارين وظيفتهم الوحيدة تمرير القوانين التي تضر بالشعب وتخدم مصالح الطبقة الحاكمة. هكذا بدأت الديمقراطية التمثيلية تدخل مأزقا كبيرا دفع بالمدافعين عن خيارها إلى البحث عن صيغ من داخلها من قبيل: الديمقراطية التشاكية والديمقراطية المباشرة(كما هو الأمر في سوبسرا). وكلها تعبيرات أن ثمة خلل ينبغي اكتشافه تقويما لهذا الخيار الذي اعتبره الغرب ملاذا أخيرا! وتفاعلا مع هذه التحديات التي تواجه النظام الديمقراطي نبه المفكر الألماني يورݣن هابرماس إلى ضرورة تجاوز الممارسات التقليدية للديمقراطية متمثلة في طقوس الانتخاب، ونظر للديمقراطية التشاورية حيث اعتبر ان القضايا الكبرى للوطن لا تحسمها صناديق الاقتراع بل تحتاج إلى نقاش عمومي وتوافق سياسي concessus politique
لأن صناديق الاقتراع لا يمكنها الحسم في القضايا المصيرية الحضارية والتي تتعلق بالأجيال ومقدرات الوطن. فقد يكون الصواب مع الأقلية الطليعية المفكرة والمثقفة التي تجرفها جرفا ديمقراطية “الرعاع” democracie de masse. لهذا يدعو هابرماس إلى تحرير الفضاء العمومي، وتوسيع حرية التعبير، وفتح وسائل الإعلام في وجه جميع فئات المجتمع، وبهذا اعتبرت المدرسة النقدية الألمانية أننا أمام “منعطف لغوي” tournement linguistique يحتاج إلى تواصل سياسي دائم ومنتظم بين الفرقاء الاجتماعيين والسياسيين.
هكذا أصبحت تتعالى أصوات في الغرب تدعو إلى الجمع بين آلية الديمقراطية والتواصل الشوري المُؤسِّسِ لوعي ورأي سياسي جماعي لا تُقمَع فيه أقلية الحكماء والمفكرين والعلماء والفقهاء والفلاسفة( الجماعة العلمية). وعليه فإن التنظير إلى توليفة سياسية تجمع بين فلسفة الشورى الموسعة لحرية الرأي، وآلية الديمقراطية الحاسمة للخلاف سيدخلنا في إبدال paradigme سياسي جديد قد يجيب عن تطلعات الانسانية في زمن الثورة التواصلية المُطَّرِدَة.
ونحن نغوص مجال البيان والتبيين بين الشورى الغائبة والدمقراطية المنقوصة المحتكرة، لا ننسى أن سقراط أعدمته الديمقراطية السفسطائية، كما أن سعيد بن المسيب أعدمته الشورى الحَجَّاجِية( نسبة إلى الحجاج بن يوسف الثقفي)؛ فلابد إذن من الخروج من البراديغم الأحادي إلى التفكير في آليات سياسية تجمع بين محاسن الديمقراطية الجمة، ومحاسن الشورى التي لا تقف عند التصويت بل تتجاوزه إلى المشاركة الفعلية في صناعة الجماعة السياسية للرأي واقتراح الرأي عوض استهلاك آراء المستبدين المغلفة بغلاف الديمقراطية.
أما لأصحاب الأفكار المعلبة والفتاوى الجاهزة أقول، عليكم أن تتخلصوا من ثنائية الألوان إما الأبيض وإما الأسود، فثمة طيف من الألوان في السياسة يجب الانتباه إليها، ذلك أن السياسة واقع متجدد وحيوي تحتاج الى اجتهاد فكري دائم وغير مقدس!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: