الدعوة والدولة بين نشأة الخلاف ومشروع الائتلاف

الدعوة وتحدي مفهوم “الدولة الحديثة”:

يمثل مفهوم “الدعوة” مفهوما أصيلا، لا يمكن تحديد معانيه إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، ويمثل مفهوم “الدولة” مفهوما حديثا طارئا على الفكر السياسي الإسلامي، لا يمكن تحديد مدلولاته إلا باستقراء الكتابات الغربية.

تاريخ الدعوة هو تاريخ الرسل والأنبياء عليهم السلام، وجهادهم لتوحيد الأمة على توحيد الله عز وجل: (وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)[1]، وعلى هذا الصراط يتبعهم بإحسان رجال الدعوة إلى يوم الدين، وتاريخ “الدولة” بالمعنى الحديث هو تاريخ فض الاشتباك بين “المجتمع السياسي” و”المجتمع المدني”، هو تاريخ تأسيس مفهوم “المواطنة” ومنح المواطن كل حقوقه الإنسانية. تطاحن الأروبيون فيما بينهم، وسالت دماؤهم في حروب أهلية شرسة أثمرت شجرة الدولة “الحديثة” القائمة الركيزتين الأساسيتين: اللائكية والديمقراطية، فرغم تباين التجربتين الفرنسية والإنجليزية، فقد وصلتا إلى نفس النتائج: فصل “السلطة الكنسية” عن السلطة الزمنية على المستوى العقدي، والإيمان بالعقلانية على المستوى الفلسفي، واعتماد التعددية على المستوى السياسي. لقد أصبح للسياسة معنى في الفكر الغربي بعد أن تم رسم الحدود الفاصلة بين الدين والسياسية، ولا تؤمن النخبة المغربة في ديار المسلمين أن هناك تخوما واصلة بين الدعوة والدولة، مما يجعل من أي تدافع بين اللائكيين والإسلاميين أكبر من مجرد اختلاف حول برامج انتخابية أو ما شابه ذلك، إلى طرح للمشروع المستقبلي للمجتمع.

تحرك التاريخ الأوربي في سيرورة نقلته من الحكم “الثيوقراطي” إلى دولة المؤسسات، وحررت لائكية فلسفة الأنوار العقل الغربي من ربقة الكنيسة فغدا “ربا” لكثير من المخترعات، وخبت العقيدة الكنسية المؤمنة بالفكر المطلق فحل محلها الرأي والنقد ونقد النقد. ماتت “العقيدة” المفردة المطلقة وحلت محلها الأفكار النسبية المتدافعة في حلبة الفكر، المتنافسة على أصوات المقترعين في سوق السياسية، لقد طورت نظرية السلطة في أوربا لتنتقل من “مؤسسات الدولة” إلى دولة المؤسسات.

لكن، من قاد حركية التحرر من حكم الدعوة في تاريخ المسلمين؟ وهل أسست الدعوة سلطة للمؤسسات، أم سنت مؤسسات لسلطة يديرها “خليفة المسلمين” كيفما شاء؟ هل تاريخنا السياسي تاريخ امتداد طبيعي يبني فيه اللاحق على كسب السابق، أم هو تاريخ انكسارات؟ من انقلب على الدعوة؟ أسئلة تتوالد على رجال الدعوة لابد لهم من الفصل فيها حتى لا يكون أي حور بعد كور قريب بإذن الملك الوهاب.

الوأد المبكر لمؤسسات الدعوة:

في التاريخ العبري القديم، كان الله عز وجل يرسل أنبياءه إلى بني إسرائيل ليهدوهم إلى الصراط المستقيم، وكانت تكتمل للأنبياء سلطتهم الروحية والسياسية، فكان الأنبياء الساسة والقادة، نجد دليل ذلك في الحديث النبوي الشريف الذي رواه البخاري وابن ماجة: “إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي…”، ونفس النموذج استمر مع نبوة أشرف المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان حاكم الأمة وقائد جيشها والقاضي في نزاعاتها … فضلا عن ما تستوجبه نبوته من هداية للخلق وتعليمهم وتزكيتهم، علم حبيب الأمة الأمة كيف تكون صلاتهم ونسكهم ومحياهم ومماتهم لله رب العالمين، وبايعه ذوو السابقة، بايعوه على أن لهم الجنة، فببيعتهم له إنما كانوا يبايعون الله عز وجل: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)[2]. ورغم نبوته وتنزل الوحي عليه، فقد استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه غير ما مرة في أمور ومواضيع شتى، وتوفي الحبيب صلى الله عليه وسلم وصمت عمن يخلفه، صمت عمن يتولى أمر المسلمين من بعده ليترك للصحابة والأجيال القادمة من بعدهم أمر تدبر “آليات” استخلاف حكامهم. إن في ذلك لعبرة عظمى، ما سن الحبيب سنة التوريث، وإنما ترك الأمر شورى بين المسلمين، فمن قبلوه بايعوه على أن له عليهم السمع والطاعة والنصرة له، وأن لهم عليه الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ورعاية حقوقهم، ما ادعى أحد من الخلفاء الأربعة الأول أنه خليفة للنبي في نبوته، بل اختير أبو بكر الصديق خليفة لرسول الله، واعتبر عمر بن الخطاب نفسه خليفة خليفة رسول الله، ثم تسمى بأمير المؤمنين بعد أن استثقل اللقب الأول، مات الحبيب المصطفى والأمر بين المسلمين يحسمون فيه بالكتاب والسنة والشورى والمبايعة والسمع والطاعة في جو من المحبة، فإنما المؤمنون إخوة. كانت أول خطبة خطبها أبو بكر بعد توليه الخلافة قوله: “أيها الناس، إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، (…) لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”[3]، طاعة ولي الأمر ما أطاع الله ورسوله، فإن حاد عن الطريق فلا سمع ولا طاعة، وأول الطريق أن يتولى الأمر بشورى المسلمين، الشورى التي جعلها الله عز وجل جزءا من ماهية الإيمان في قوله تعالى: (وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون. والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون، والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون)[4]. الشورى التي وضعت بين ركني الصلاة والزكاة، ترك الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة تلي أمرها بنفسها، فقد بلغ رشدها مبلغا لم تعد فيه بحاجة إلى وصي على اختياراتها. قد يروج عند جمع من الناس أن أبا بكر استخلف ابن الخطاب دونما استشارة لأحد، وبذلك يكون أول من سن سنة “التوريث”، هؤلاء يتجاوزون مجموعة من النصوص التاريخية القائلة بأن أبا بكر “لما أراد العقد لعمر دعا عبد الرحمان بن عوف فاستشاره في الأمر، ثم فعل ذلك مع عثمان بن عفان”[5]، ولا شك أنه استشار غيرهما من كبار الصحابة، قبل أن يخرج للناس ليقول: “أترضون بمن أستخلف عليكم، فإني والله ما آلوت من جهد الرأي ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا سمعنا وأطعنا”[6]. وتفيدنا كتب التاريخ أن أبا بكر كان محاطا بكبار الصحابة لا يقطع رأيا دون مشورتهم، يعقد مجلسه معهم فيحاججهم ويحاججونه كما حصل عند اتخاذ قرار محاربة أهل الردة، فلا يجعل رأيه فوق رأيهم، ولا يعطي لكلامه قدسية على خطابهم، كانت الدعوة/الخلافة تؤسس مؤسساتها بأول مجلس شوري لها، وضم كبار الصحابة في ما يشبه المؤسسة التشريعية، وقد اجتهد عمر بن الخطاب على منع هؤلاء الصحابة من مغادرة المدينة المنورة لتظل مركزا لشورى قادة المسلمين.

مؤسسة أخرى كانت تطل برأسها، تنتظر نموها الطبيعي بتطور الأحوال وتغير الظروف وتراكم التجربة، هي مؤسسة “بيت المال” المستقلة إدارتها عن “المؤسسة التشريعية”، “فأبو بكر حمل أقمشته على كتفيه في اليوم التالي لتوليه الخلافة، وخرج لبيعها، فلقيه في الطريق عمر بن الخطاب فسأله: “أين تريد؟” قال: “السوق”، قال: “تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟” قال: “ومن أين أطعم عيالي؟” قال عمر: “انطلق يفرض لك أبو عبيدة”، فانطلقا إلى أبي عبيدة، فقال: “أفرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهم ولا بأوكسهم، وكسوة الشتاء والصيف، إذا خلقت شيئا رددته وأخذت غيره” ففرض له أبو عبيدة من بيت المال أربعة آلاف درهم سنويا”[7]، إن هذا النص اليتيم يبين حقيقة مهمة تؤكد أن “بيت المال” كانت مفاتيح إدارته مستقلة عن “دار الخلافة”، كانت هناك استقلالية تنمو في عهد الخلافة الراشدة الأولى بين سلطة المال وسلطة التشريع، كان ذلك في عهد الخلفاء الراشدين، ويمكن أن نلحظ وجود نصوص كثيرة تبين أي سلطة كانت للقضاء يستطيع من خلالها الحكم حتى ضد أمير المؤمنين، كما حصل مع الإمام علي كرم الله وجهه حين نازع “ذميا رآه يبيع درعه في سوق الكوفة. فلم يأخذها منه غصبا بصفته أمير المؤمنين ورئيس الدولة آنذاك، إنما رفع شكواه إلى القاضي ولما لم يستطع تقديم بينة أو شهودا على دعواه قضى القاضي ضده”[8] كان ذلك في عهد الخلفاء الراشدين، قبل أن يأتي من بعدهم من الشاردين حكام كثر؛ كتب معاوية بن أبي سفيان إلى مروان بن الحكم أنه قد استخلف ابنه يزيد، فعرض مروان ذلك على أهل المدينة وخطب في المسجد النبوي فقال: “إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر عمر” فقام عبد الرحمان بن أبي بكر، وقال: “كذبت يا مروان وكذب معاوية، ما الخيار أردتما لأمة محمد ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية، كلما مات هرقل قام هرقل إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده ولا من أهل بيته”[9]. تحولت الخلافة إلى ملك عضوض، فكان الإيذان بقرب إقبار تلك المؤسسات البسيطة بساطة الحياة في ذلك العصر، وئدت في المهد، وقامت للملكية الهرقلية سلطتها، تسيج حماها باستباحة دماء المسلمين.

ينشغل رجال الدعوة –كل في موقعه- بأوضاعهم الآنية، تلهيهم مجريات السياسة اليومية عن الغوص في أعماق التاريخ ليعوا عمق الانحراف في تاريخ المسلمين، فإن وعوا فالنموذج الأسنى نبوة ورحمة ثم خلافة على منهاج النبوة، أما ما بقي فتاريخ من التاريخ.

لا نتعبد بالتاريخ:

انتزع معاوية بن أبي سفيان الخلافة انتزاعا، انتزعها بحد السيف وبإراقة أنهار زكية من دماء المسلمين، كان أول من نقض عروة الحكم، نقض (وأمرهم شورى بينهم)، ثم جعل ولاية العهد لابنه يزيد بعد أن دك حصون كل معارضة، فلما “ورد نعي معاوية وبيعة يزيد على الوليد، وأن ابن الزبير والحسين لما دعيا إلى البيعة ليزيد أبيا وخرجا من ليلتهما إلى مكة، فلقيهما ابن عباس وابن عمر جاءيين من مكة، فسألاهما: ما وراءكما؟ قالا: موت معاوية والبيعة ليزيد، فقال لهما ابن عمر: اتقيا الله ولا تفرقا جماعة المسلمين، وأما ابن عمر فقدم فأقام أياما فانتظر حتى جاءت البيعة من البلدان، فتقدم إلى الوليد بن عتبة فبايعه وبايعه ابن عباس”[10]. عزم عبد الله بن الزبير الخروج على يزيد كما عزم الحسين بن علي الخروج عليه، وبايع عبد الله بن عمر يزيد كما بايعه عبد الله بن عباس، هذان توجهان شكلا مدرستين استمرتا على مدى تاريخ المسلمين، فعلى ماذا استند اجتهاد المدرستين؟ أكان الرجال يختلفون حول يزيد؟ لا، وهو من عرف بفسقه وجوره ومجونه وعبثه، صفات اجتمعت فيه جعلت حجج الخروج عليه أقوى، لكن ابن عمر احتج بضرورة عدم تفريق جماعة المسلمين بتفريق الآراء حول إمامهم، إن الحفاظ على وحدة المسلمين تلزم الحفاظ على وحدة السلطة، ولا حفاظ على وحدة السلطة إلا بالتنازل عن مطلب الشورى والاحتفاظ بقانون السمع والطاعة. كان ابن عمر يتحدث وهو من عايش أهوال الحروب بين جموع المسلمين بسبب منصب الخلافة، كان ابن عمر يتحدث والجراح تنكأ قلبه وهو أدرى إلى أي انتماء تنتشب سيوف من اغتالت عثمان وعليا وطلحة وعمارا… كان ابن عمر يتحدث وصوت الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يقرع سمعه بلزوم الصبر أيام الفتن، موقف ابن عمر افترضته أحاديث نبوية، وواقع مر سود الطريق اللاحب، أما الإمام الحسين فقد قام بعدها خاطبا في الناس: “أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله” ألا وإن هؤلاء لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحق من غير”[11]. قام الإمام الحسين على يزيد بن معاوية المستحل للحرم والذمم، الناكث لعهد العمل بالكتاب والسنة، المعطل للحدود، المستأثر بالفيء، قام الإمام الحسين يذود عن شرع الله، فما الجدوى من وحدة للمسلمين تحت ظل ملك عضوض يجعل كلمة الله هي السفلى وكلمة الذي ظلموا وفسقوا هي العليا؟

واستمر نهج المدرستين، فسكت علماء أفذاذ عن جور الحكام وفسقهم ليحفظوا جماعة المسلمين من أن ينفرط عقدها، واستمرت قومات قادة من المسلمين وأئمة في الدين إلى حين، قام زيد بن علي – الذي تنسب إليه الشيعة الزيدية نفسها – على هشام بن عبد الملك في صفر من سنة 122هـ، فشبه أبو حنيفة خروجه بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وأيده بالمال ليتقوى به على من خالفه كما جاء في كتاب أبو زهرة عن “الإمام أبي حنيفة” ص163، ولما قام النفس الزكية، محمد بن عبد الله وأخوه إبراهيم (وهما من أبناء الحسن بن علي) ضد المنصور أفتى بأن الخروج معهما أفضل من الحج النفل خمسين أو سبعين مرة، كذا كان موقف الإمام مالك إزاء نفس القومة، فقد “روى ابن جرير عن الإمام مالك أنه أفتى الناس بمبايعته (أي محمد بن عبد الله بن الحسن) الذي خرج سنة 145ه، فقيل له: فإن في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنما كنتم مكرهين، وليس لمكره بيعة”[12]، كذا كان موقف سعيد بن جبير قبلهما وأحمد بن نصر الخزاعي وغيرهما كثير.

منيت قومات المجاهدين بالفشل الميداني لأسباب ليس هذا مجال حصرها، واستتب الأمر للملك العضوض، كان قضاء الله ماض إلى قدره، مما أسعف أصحاب مدرسة الحفاظ على وحدة المسلمين بالحجة الميدانية في أن الخروج على أئمة الجور لا يجر على الأمة إلا الويلات، أصبح للحكام العاضين مشروعية تاريخية تغالب الشرعية الدينية، حتى ندر مع الزمن القول بالخروج على الظلمة. قال الحافظ في التهذيب 2/288 عن الحسن بن صالح: “قولهم كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور … قال وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى ما هو أشد منه”. استقر الأمر على ترك مقولات مدرسة القومة لانتصار التاريخ على الوحي: أستغفر الله، إنما هو قضاؤه ينزله كيفما شاء. أصبح أمر الخروج مذهبا قديما، لذلك نجد علماء القرون التالية إنما يفهمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في خويصة الأفراد، لا أمرا ينهض به مجموع (الذين آمنوا)، أفهي “علمانية” مبكرة نبتت في تربة تاريخنا؟

أصبح العلماء والفقهاء ينظرون إلى الكتاب والسنة بعوينات المغلوب عليهم في واقعهم، فاستقرت فتاوي جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، ومبايعة من قهر غيره بالسيف، والنص بأن الشورى للحاكم استثنائية غير ملزمة، ووجوب طاعة ولي الأمر – كيفما كان – إما بالشكر لوعوده أو الصبر على وعيده … والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها، وغدا أصحاب المدرسة الحافظية يحاكمون من واقعهم التجارب السالفة لمدرسة القومة، نجد ابن تيمية يصور الخلاف في شأن مقتل الحسين رضي الله عنه، فيقول: “إن الاختلاف في شأن مقتل الحسين تفرق إلى ثلاث وجهات نظر:

  1. منها أن قتله كان حقا لأنه شق عصا المسلمين وفرق جماعتهم، بينما ينص الحديث النبوي على أنه “من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه” (رواه مسلم)، فقاسوا الأمر على ما فعله الحسين ولهذا يعد أول خارج على ولاة الأمر في الإسلام.
  2. ولكن الشيعة ترى أنه كان الإمام الواجب طاعته الذي لا يتم أمر من أمور الدين من جهاد أو صلاة إلا به، وكلا الرأيين متطرفان.
  3. أما المذهب الوسط – وهو مذهب أهل السنة والجماعة – فيعتبر أن الحسين قتل شهيدا مظلوما ولا ينطبق عليه السابق ذكره لأنه “طلب أن يذهب إلى يزيد أو إلى الثغر أو إلى بلده فلم يمكنوه، وطلبوا منه أن يستأثر لهم وهذا لم يكن واجبا عليه”[13].

أصبح مذهب “أهل السنة والجماعة” القول بالإمامة الشرعية ليزيد بن معاوية، وأن الحسين بن علي كان قد غير رأيه فلم يود الخروج عليه، وإنما طلب أن يذهب إليه، وجدوا للإمام الحسين مخرجا من “زلته”. ضمرت فتاوي أبي حنيفة ومالك، وغابت فتاوي الأولين الذين صمتوا مكرهين عن بيعة يزيد. ذكر ابن حجر الهيثمي في “الصواعق المحرقة” ص288، أنه “روي عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر بضرب من سمى يزيد بن معاوية أمير المؤمنين عشرين سوطا”، أي أنه لم يكن يقر بإمامته.

سردنا كل هذا، لأننا نجد من رجال الدعوة من يبني موقفه اليوم على آراء من سبقوه، يظن أن باستشهاده بما قال ابن تيمية والإمام الغزالي وأبو الفرج بن الجوزي – رحمهم الله جميعا- يكون قد قطع الطريق أمام كل رأي مخالف، يستشهد بما قال هؤلاء، فينتزعه عن سياقه التاريخي وواقعه المجتمعي، فيجعل منه كلاما مطلقا صالحا لكل زمان ومكان، يعطي لهؤلاء الأفذاذ قدسية ما تنبغي لغير الوحي المنزل الذي لا يجوز التعبد إلا به. يورثون للأمة عادة النظر إلى المستقبل من تحت كلكل التاريخ لا من أعاليه.

بل نتعبد بالوحي الرباني:

كانت الدعوة والدولة في توافق تام في عهد النبوة الرحيمة والخلافة الراشدة، ثم دارت رحى الإسلام فافترق السلطان عن الكتاب كما أخبر بذلك الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، دار رجال الدعوة مع الكتاب حيث دار، ودار ملوك العض مع السلطان حيث دار، اغتال رجال الدولة رجال الدعوة في مواقع شتى أبرزها الحرة وكربلاء، فان الكرب والبلاء على الأمة المسلمة، صار الخروج على ولاة الجور “مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى ما أشد منه”. أصبح على العلماء أن يتعايشوا مع الواقع الذي لا يمكن أن يعلى عليه، فأصبحت النظرية الفقهية في الخلافة تتناقض وواقع الحال، يذكر الغزالي في كتابه “فضائح الباطنية” إن علماء الإسلام على عهده عدوا من صفات الإمامة عشر صفات هي: البلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، ونسب قريش، وسلامة الحواس، والنجدة، والكفاية، والورع، والعلم؛ كفاءات فكرية وروحية وحركية، كذا نجد الشروط المعتبرة في أهل الإمامة عند الماوردي سبعة تتمثل في: العدالة والعلم وسلامة الحواس وسلامة الأعضاء والرأي، والنجدة والنسب القرشي[14]، فإن عدنا إلى واقع الحال، وجدنا ممن تقلد منصب الخلافة خليع بني مروان، الوليد بن يزيد، سمع قوله تعالى: (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد، من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد)، فدعا بالمصحف، فنصبه غرضا فأقبل يرميه وهو يقول:

أتوعد كل جبار عنيد × فها أنذا جبار عنيد

إذا ما جئت ربك يوم حشر × فقل: يا رب مزقني الوليد[15]

ويصف المسعودي في كتابه “التنبيه والإشراف” بعض ملوك الانحلال، فيقول عن المعتمد: “أهمل أمور رعيته، وتشاغل بلهوه ولذاته، حتى أشفى الملك على الذهاب”، ويقول عن المعتز: “يؤثر اللذات ويعدم الرأي … وغلب على أمره وقهر في سلطانه” وغيرهم كثير ممن تسموا بالخلفاء، سمى الرسول صلى الله عليه وسلم مرحلة حكمهم بالملك العضوض، وسماهم المؤرخون بالخلفاء، أي المسميات نبقي ونعتمد !!؟ ما وجد الفقهاء من مخرج من الشروط المعتبرة في الخليفة إلا بالقول بجواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل. وأنَّى لهم أن يشترطوا الشروط الواجبة توفرها في الخليفة والأمر قد غدا وراثيا، قضي الأمر الذي كانوا فيه يتشاورون، وأية أفضلية للسكارى الظالمين وقد قال الله عز وجل: (قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي، قال لا ينال عهدي الظالمين)[16]. قال مجاهد: “إنه أراد أن الظالم لا يكون إماما” قال الرازي في تفسيره: “احتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية” قال الجصاص في أحكام القرآن: “فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق وإنه لا يكون خليفة”. قال ابن عيينة: “لا يكون الظالم إماما قط، وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة، والإمام إنما هو لكف الظلمة فإذا نصب من كان ظالما في نفسه فقد جاء المثل السائر: من استرعى الذئب ظلم”. قال القرطبي في تفسيره: “ولا خلاف بين الأمة في أنه لا يجوز أن تعقد الخلافة لفاسق”.

لكن نظرة العلماء والفقهاء أصبحت بعد قرني القومات نظرة ومذهبا واقعيا، أو ما يمكن تسميته باللفظ العصري بأن “السياسة فن الممكن”، ولم يكن بالإمكان بعد تجارب مريرة النهوض للانتصار لمبادئ الحكم الإسلامية بولاية الأمة على نفسها لتختار من يلي أمرها بعقد بيعة تستوجب من الخليفة العمل بكتاب الله وسنة رسوله، وحفظ حقوق الأمة على أن له عليها السمع والطاعة، فإن اجتهد واجتهد غيره فرد الأمر إلى الله ورسوله أولى، وئدت مؤسسات الخلافة الراشدة مبكرا، ضاعت الشورى وحل محلها حكم السيف المستقوي بالعصبية القبلية، أصبحت البيعة طقسا من الطقوس يلتزم بعقدها المحكوم دون الحاكم، تراجع فهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى فقه الآحاد عوض فقه النهوض الجماعي للحفاظ على كل عرى الإسلام، يذكر أبو بكر الجصاص عن أبي حنيفة، يروي بنفسه لعبد الله بن المبارك تفاصيل الحديث الذي دار بينه وبين إبراهيم الصائغ فقيه خراسان، الذي جاءه بعد أن بلغ أبو مسلم الخراساني – في عهد أول ملك عباسي – شأوا بعيدا في الظلم والجور، جاءه ليناقشه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: “فاتفقنا على أنه فريضة من الله تعالى، فقال لي: مد يدك حتى أبايعك، فأظلمت الدنيا بيني وبينه، قال ابن المبارك: “ولم” قال (أبو حنيفة): دعاني إلى حق من حقوق الله، فامتنعت عليه، وقلت له: إن قام به رجل وحده قتل ولم يصلح للناس أمر، ولكن إن وجد عليه أعوانا صالحين، ورجلا يرأس عليهم مأمونا على دين الله لا يحول[17]، أصبح بعدها المقال السائر أن “أطع الأمير في طاعة الله وأعصه في معصية الله”، كذا فعل الإمام الأحمد بن حنبل الذي أبتلي بدعوة الملك المأمون الفقهاء والمحدثين إلى القول بخلق القرآن كما يقول أصحابه من المعتزلة، فصبر في البأساء والضراء وحين البأس، كُبل بالحديد، وحبس وأوذي إيذاء شديدا في عهد المأمون حتى مات، وفي عهد المعتصم حتى مات، وأُبعد عن حلقات الدرس حتى مات هذا الأخير أيضا، صبر صبر الربيين، ومع ذلك كان يوصي الجماعة أن لا تنزع يدا من طاعة، فقد عصا أمر الأمراء في معصية الله، ولم يأذن باجتماع أهل الإيمان للنهوض للطلب بسلطة تنصر الدعوة، بدولة في كنف الدعوة.

توارثت أجيال المسلمين السنيين عادة التعايش مع جور الحكام، وانصرف العلماء إلى الأمة ينفعونها بعلمهم بعد أن يئسوا من حكامهم، انصرف العلماء إلى تأصيل علم الحديث، والتقعيد لأصول الفقه، والتصدر لمجالس الفتوى، والانشغال بتربية الأمة على يد رجال التصوف؛ رجال الإحسان، تعايش العلماء مع سلطة اعتبروها شرا لا مفر منه، وتوالى نقض عرا الإسلام عروة عروة كما خبرنا بذلك الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “لتنقضن عرا الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبت الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة”[18] يأتي اليوم من رجال الدعوة من يستشهد بكلام هذا الفارس من العلماء أو ذاك، يجعل لكلامه السبق على ما قال الله تعالى وقال رسوله، وإنما لا قداسة لما قال الله وقال رسوله، أما ما قال هذا أو ذاك فاجتهاد لذاك وذاك المصر، وليس القول الفصل نقول فيه المقالة الأصولية: “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب” فإنما ذلك لآيات الكتاب التي تنص على:

  • (إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) سورة يوسف /40.
  • (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا) سورة النساء/60.
  • (ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون) سورة الشعراء/ 151-152.
  • (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) … سورة النساء /59.

مؤسسات الدعوة ومؤسسات الدولة:

لم يكتب للخلافة الراشدة أن تعمر طويلا لتؤسس لطبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة الوليدة الفتية بين “مواطنيها”، فهي لم تستمر أكثر من ثلاثين سنة، لم يعرف الاستقرار فيها إلا في ثماني عشرة منها مدة خلافة أبي بكر وعمر والنصف من خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنهم أجمعين، ثم أقبلت الفتن كقطع ليل مظلم، تسلط بعدها الملك العاض على رقاب المسلمين فأجهز على الأنوية الأولى لمجالس الشورى، ليحل بعدها الاستبداد السلطوي الذي احتكر بيت مال المسلمين، واعتبر الفتوحات الإسلامية مصدرا للجباية بعد أن كانت هداية للأنام، سكت العلماء بعد قومات عدة عن مسألة الحكم، وابتعدوا عن السلطة التي رأوا فيها شرا يجب أن يتقى، فلم “يشاءوا أن توكل لها الأدوار الخطيرة لتطوير التشريع الإسلامي والأحكام الإسلامية. جعلوا الإجماع بعد ذلك إجماع الفقهاء، وجعلوا إنفاذ رأي الفقهاء ينبغي لمذاهب معينة يجتمع عليها الشعب. في أدب الاقتصاد أيضا، غفلت الدولة عن بعض المهام التي كانت تؤدى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلافة الراشدة، مثل التخطيط والإحصاء والرقابة ووضع السياسات التي تراقب معاملات المجتمع وتوجه المناشط الاقتصادية فيه. غفلت الدولة، وتواضع الفقهاء على أن يبعدوها أيضا في مجال المال العام حتى لا تسيء استغلاله، ففيما سوى الزكاة أنكروا لها أي حق في أموال الناس. هاتان السلطتان: سلطة التشريع، وسلطة المال، سلطتان ذات خطر”[19]، حفظ العلماء للأمة أمر سيادة الشريعة، فما كان للحكام قدرة على إلغائها، بقيت الشريعة سائدة في حياة الناس: عبادتهم وتجارتهم وجهادهم وقضاءهم وتعليمهم … حفظ العلماء وحدة الأمة من أن ينفرط عقدها بالحفاظ على وحدة سلطة جبروتية اجتهادا منهم، وحفظوا الشريعة بالاجتهاد والاستنباط ليساير الفقه ما جد في عالم الناس …

اليوم، ماذا يحفظ رجال الدعوة؟ وحدة المسلمين أم الشريعة السائدة السيدة في أقطارهم؟ أضاع الملك الجبري المتسلط على الرقاب بعد هجمة الاستعمار الغربي ما أبقاه الملك العضوض، فهل يتحرك رجال الدعوة بالذهنية الحافظية أم بالذهنية المطالبية؟ كيف القعود والبشرى النبوية تطرق أسماع الدعاة أن بعد الجبر خلافة على منهاج النبوة.

يفتح المسلمون أبصارهم اليوم على كتاب العالم، فيرون ما حققه الغرب بفضل آليات الديمقراطية المنزلة على واقعهم، أمن المواطن الغربي على نفسه عنف الدولة، فله هناك حقوق لا يطالها المنع والقمع، وله قانون يعلو على كل السلطات يحتكم إليه، وأمن “جهاز الدولة” على نفسه من رجات الانقلابات ومخاضات الثورات، فالأمر قد غدا تعددية سياسية: أحزاب نقابات ولوبيات ومنظمات … ويفزع الناس إلى صناديق الاقتراع ليختاروا من يشاؤون، استقرت الأوضاع عندهم بعد نضالات وثورات دامية، فمؤسساتهم تنمو وتترعرع، والديمقراطية العجوز تضفي على نفسها من مساحيق التجميل كلما تحسست في جسمها خرما، وما أكثر خرومها، يرى رجال الدعوة ما يبصره المسلمون اليوم من واقع الديمقراطية في جغرافيا الغرب، وما تمثله من تحد معنوي يصول يتفوق نموذجها، بينما دوننا ودون الشورى تقليب صفحات مئات السنين – الا ما ندر – من حكم الجبر والعض لنصل إلى النماذج البسيطة بتمثلها في واقع بسيط عهد الخلافة الراشدة، “تقع (الديمقراطية – الواقع) من (الشورى – المطلب) في رياض القرطاس وفي تأملات الكاتب موقع التحدي الفكري. لكنها في حياة الأمة تحد حيوي، يضيع الدين وتضيع الأمة إن استمر الاستبداد العاض. ويطلق الناس الدين لاعتناق دين الديمقراطية لأن في معاني “الحريات العامة” ضمان كرامة الفرد وتحلله من كل قيد يكبح شهواته. تحد قاتل، فإما ديمقراطية إنسانية دوابية إباحية وإما شورى يكون بها أمرنا على جادة الدين”[20]، كيف يجمع رجال الدعوة في غد الخلافة بين المؤمن الرباني والدولة الرسالية؟ كيف تهيمن الدعوة على جهاز الدولة دونما تسلط؟ كيف يبسط رجال الدعوة أمر الدين على الناس فيفشو بينهم دونما تسلط أو قمع، حتى يتقرب العباد إلى رب العباد سرا وجهرا، لا التقرب إلى رجال الدعوة – القابضين بأزمة الأمور – نفاقا ورياء؟ كيف نعيد للمسجد دوره في إحياء القلوب وتنوير العقول وتحرير الإرادات؟ أي تعليم يكون للأمة يمكنها من قراءة الكتابين: كتاب الله المقروء وكتاب الله المنظور؟ كيف تكون مؤسسات دولة الشورى السياسية؟ وما الموقف من المعارضة؟ وكيف، ومن، وبأي…؟ أسئلة تترى، فإن استنجدنا بالفقه لم نجد إلا فقهاء اهتموا بفتاوى الأفراد “لأنه قضية بسيطة جدا ويمكن أن ترى فيها وجه الحق، وقد لا تستدعي الفتوى فيها إلا إعمال نص واحد، ولكن في قضية عامة تتوارد مئات النصوص من ورائها مئات التقديرات، وتتناسخ قوة وضعفا في نفس الموضع، ولابد من فقه مركب جدا واجتهاد مركب جدا، تستطيع كل هذه التقديرات أن تضمن للدولة الإسلامية في تأسيسها عناصر فيها صلابة الإيمان، وفيها صواب الفقه، وفيها إخلاص الذي يقاوم فتنة السلط، وأن يراعى فيها كذلك أن يكون وقعها على المجتمع لا وقع فتنة يدعو الآخرين للمجابهة لأنهم لم يعطوا منها، لا بد أن يكون لهم فيها نصيب (…) ولا نحرم المجتمع من أدنى نصيب من رجالات الإسلام والدعوة الإسلامية حتى يقوموا عليه ويقودوا شعابه، وحتى يتأهل لأداء وظائفه، ولا نحرم الدولة كذلك من أدنى نصيب من هذه الاعتبارات، وعندها لا بد أن توفق – ونحن نتحدث نظريا – ولكن يجب أن نلاحظ الواقع”[21]. أي اجتهاد ينتظر رجال الدعوة غدا، فهل يبقى الاجتهاد منوطا بالآحاد من الفقهاء؟ أم أن مؤسسة الفتوى والاجتهاد هي من أولى مؤسسات الدعوة لغد الخلافة القريب لأن المجتهد الفرد لا يستطيع أن ينهض لذلك وحده مهما كان تمكنه من علوم الشريعة. لا بد من إشراك ذوي الاختصاصات المتنوعة، لا بد من معاهد ترعاها الدولة الإسلامية يوم لا تكون الدولة جانية على الدين بل ناهضة بالدين، حافظة للدين، ألا إن الدين عند الله هو الإسلام.

والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – سورة الأنبياء /93.

[2] – سورة الفتح/10.

[3] – ابن جرير الطبري: “تاريخ الأمم والملوك”، دار الفكر، 1979، الجزء3/ص203.

[4] – سورة الشورى/ 33..36.

[5] – تاريخ الطبري: 4/51.

[6] – تاريخ الطبري: ص51.

[7] – علاء الدين الهندي: كنز العمال، الجزء 5، حديث 228 نقلا عن: أبو الأعلى المودودي: “الخلافة والملك”، تعريب أحمد إدريس، دار القلم، الكويت، ط 1، 1978، ص52.

[8] – أبو الأعلى المودودي: “الخلافة والملك”، تعريب أحمد إدريس، دار القلم، الكويت، ط 1، 1978، ص58.

 

[9] – ابن الأثير: “الكامل في التاريخ”، الجزء الثالث، القاهرة، ص 250.

[10] – تاريخ الطبري، 6/191.

[11] – ابن الأثير، “الكامل في التاريخ”، الجزء الرابع، ص48.

[12] – ابن كثير، “البداية والنهاية”، 10/84.

[13] – ابن تيمية، “منهاج السنة”، 2/247.

[14] – علي بن محمد الماوردي، “الأحكام السلطانية”، دار الكتب العلمية، بيروت، ص6.

[15] – ابن عماد الدين الحنبلي: “شذرات الذهب”، 1/168.

[16] – سورة البقرة، 124.

[17] – أبو بكر الجصاص: “أحكام القرآن” مصر 1947هـ، ج1/ص39.

[18] – رواه الإمام أحمد في مسنده.

[19] – حسن الترابي، “مجلة قراءات سياسية”، السنة الثانية، ع 3، 1992، ص7.

[20] – عبد السلام ياسين، “نظرات في الفقه والتاريخ”، ط1، يونيو 1989، مطبعة فضالة، ص69.

[21] – حسن الترابي، “مجلة قراءات سياسية”، ص15.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: