الحلم زينة العلم

إن الصلة وكيدة بين الحلم والعلم، والأصل فيهما اتصالهما واتصاف العالم بهما؛ لما في ذلك من إعانة على توصيل بلاغ القرآن، وتأثير في إصلاح المجتمع، وأن انفصال أحدهما عن الآخر سببه سوء فهم للإسلام وتعاليمه، بدافع أنانية مستعلية، يرتفع صاحبها عن الناس بعلمه، في غير تواضع ولا ذلة على المؤمنين، بل بعزة وعلو واستعلاء ناتج عن سلطة العلم غير الموصول بالقيم والأخلاق.

فالعالم الرباني المتصدر للفتوى وتعليم الناس الخير حري بأن يقترن علمه بحلمه حتى يكون نافعا لنفسه وغيره.يقول ابن القيم :”فَلَيْسَ صَاحِبُ الْعِلْمِ وَالْفُتْيَا إلَى شَيْءٍ أَحْوَجَ مِنْهُ إلَى الْحِلْمِ وَالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ؛ فَإِنَّهَا كِسْوَةُ عِلْمِهِ وَجَمَالِهِ ، وَإِذَا فَقَدَهَا كَانَ عِلْمُهُ كَالْبَدَنِ الْعَارِي مِنْ اللِّبَاسِ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : مَا قُرِنَ شَيْءٌ إلَى شَيْءٍ أَحْسَنُ مِنْ عِلْمٍ إلَى حِلْمٍ…فَالْحَلِيمُ لَا يَسْتَفِزُّهُ الْبَدَوَاتُ، وَلَا يَسْتَخِفُّهُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، وَلَا يُقْلِقُهُ أَهْلُ الطَّيْشِ وَالْخِفَّةِ وَالْجَهْلِ .بَلْ هُوَ وَقُورٌ ثَابِتٌ ذُو أَنَاةٍ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ وُرُودِ أَوَائِلِ الْأُمُورِ عَلَيْهِ وَلَا تَمْلِكُهُ أَوَائِلُهَا، وَمُلَاحَظَتُهُ لِلْعَوَاقِبِ تَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ تَسْتَخِفَّهُ دَوَاعِي الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ؛ فَبِالْعِلْمِ تَنْكَشِفُ لَهُ مَوَاقِعُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ، وَبِالْحِلْمِ يَتَمَكَّنُ مِنْ تَثْبِيتِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْخَيْرِ فَيُؤْثِرُهُ وَيَصِيرُ عَلَيْهِ وَعِنْدَ الشَّرِّ فَيَصْبِرُ عَنْهُ ؛ فَالْعِلْمُ يُعَرِّفُهُ رُشْدَهُ وَالْحِلْمُ يُثَبِّتُهُ عَلَيْهِ”[1]

وهذا مدركه طلب وجه الله تعالى والقرب منه، وعدم إرضاء المخلوق بما يسخط الخالق سبحانه، فمتى افتقر العالم إلى ملهم الصواب، أُلهم الصواب وأُتي الحكمة، ومتى عوّل على عقله واستعلى بعلمه خاب وخسر.

ومتى اشتبه عليه الأمر بادر إلى التوبة والإنابة والاستغفار والإكثار من ذكر الله تعالى، فهذا ابن القيم يروي عن شيخه ابن تيمية  أنه رحمه الله تعالى كان “إذَا أَعْيَتْهُ الْمَسَائِلُ وَاسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ فَرَّ مِنْهَا إلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَالِاسْتِغَاثَةِ بِاَللَّهِ وَاللَّجَأِ إلَيْهِ، وَاسْتِنْزَالِ الصَّوَابِ مِنْ عِنْدِهِ، وَالِاسْتِفْتَاحِ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ، فَقَلَّمَا يَلْبَثُ الْمَدَدُ الْإِلَهِيُّ أَنْ يَتَتَابَعَ عَلَيْهِ مَدًّا، وَتَزْدَلِفُ الْفُتُوحَاتُ الْإِلَهِيَّةُ إلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ وُفِّقَ هَذَا الِافْتِقَارَ عِلْمًا وَحَالًا، وَسَارَ قَلْبُهُ فِي مَيَادِينِهِ بِحَقِيقَةٍ وَقَصْدٍ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظُّهُ مِنْ التَّوْفِيقِ، وَمَنْ حُرِمَهُ فَقَدْ مُنِعَ الطَّرِيقَ وَالرَّفِيقَ، فَمَتَى أُعِينَ مَعَ هَذَا الِافْتِقَارِ بِبَذْلِ الْجَهْدِ فِي دَرْكِ الْحَقِّ فَقَدْ سَلَكَ بِهِ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ”[2].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – إعلام الموقعين 4/200

[2] -إعلام الموقعين 4/172

الوسوم
اظهر المزيد

د.عبد العلي المسؤول

أستاذ بجامعة محمد بن عبد الله بفاس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: