الحرية الدينية في الإسلام

معنى الحرية الدينية

إذا كان معنى الحرية في لغة العرب يدور حول الخلوص، وأطيب ما في الشيء، وأنها ضد العبودية، فإن الحرية الدينية أو حرية العقيدة لم ترد في قواميس لغة العرب.

ويمكننا أن نعرفها بأنها: عقد القلب على الإيمان بشيء معين بكامل حريته وإرادته واختياره بعيدا عن الإكراه فيه أو الجبر عليه.

ولم يظهر معنى مصطلح “الحرية الدينية” أو “حرية العقيدة” اصطلاحا أيضا لدى علمائنا القدماء وإن كانوا مدركين لحق الإنسان في اختيار دينه تمام الإدراك، بل ظهر على أيدي العلماء المعاصرين مع الحديث عن حقوق الإنسان ووضع الحريات في العالم.

وتعريف الحرية الدينية لا يخرج كثيرا عن تعريفها في اللغة، فهي تعني اختيار الإنسان لدين يعتنقه ويؤمن به بناء على اقتناع تام دون إكراه أو جبر من أحد.

يقول العلامة محمد أبو زهرة: “احترم الإسلام حرية الاعتقاد، وجعل الأساس في الاعتقاد هو أن يختار الإنسان الدين الذي يرتضيه من غير إكراه، ولا حمل، وأن يجعل أساس اختياره التفكير السليم، وأن يحمي دينه الذي ارتضاه، فلا يكره على خلاف ما يقتضيه، وبذلك تتكون حرية الاعتقاد من عناصر ثلاثة:

أولها: تفكير حر غير مأسور بشيء سابق من جنسية أو تقليد.

وثانيها: منع الإكراه على عقيدة معينة، فلا يكره بتهديد من قتل أو نحوه.

وثالثها: العمل على مقتضى ما يعتقد ويتدين به”[1].

ويضيف العلامة ابن عاشور بعدا آخر لحرية الاعتقاد فيقول: الاعتقاد الذي أضيف إليه لفظ حرية يراد به الاعتقاد فيما وراء الحس وهو المعبر عنه في الإسلام بالإيمان بالغيب، ويعبر عنه الفلاسفة بما بعد الطبيعة أو ما وراء الطبيعة أو الإلهيات.

ويحوم هذا الاعتقاد حول وجود خالق العالم وما فيه وما معه، وفي ما يوصف به الخالق من الصفات مما دل عليه العقل ثم يتبع ذلك ما أخبرت به الرسل عن الله من إثبات عوالم مغيبة عن المحسوس في حياة الناس وبعد مماتهم مما لا يدل العقل على إثباته ولا يمنعه.

وهذه الحرية من أوسع الحريات دائرة؛ لأن صاحب الاعتقاد مطلق التفكير فيما يعتقده يجول منه حسب خواطره ولا يحددها له إلا الأدلة والحجج فهي له وازع يقف عند تحديده باختياره دون إكراه، فإذا بلغ الاعتقاد إلى حيث يصدر بمقتضاه قول أو فعل تعرضت حرية صاحبه ساعتئذ للتحديد[2].

مكانة الحرية الدينية في التشريع الإسلامي

إذا كانت الحرية منحة إلهية أوجدها الله مع خلق الإنسان، وجعل قيمتها تعدل قيمة الحياة حين قال تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [النساء: 92.]

فيقرر القرآن أن تحرير رقبة من العبودية هو بمثابة إحيائها من موات؛ لأنها توازي نفسا مؤمنة حرة ماتت بطريق الخطأ، فكأن القرآن يريد أن يقول: إن العبودية موت والحرية حياة، كما يقرر ذلك ـ بحق ـ الطاهر بن عاشور في تفسير هذه الآية فيقول: “وقد جعل هذا التحرير بَدلاً من تعطيل حقّ الله في ذات القتيل، فإنّ القتيل عبد من عباد الله ويرجى من نسله من يقوم بعبادة الله وطاعة دينه، فلم يَخْل القاتل من أن يكون فوّت بقتله هذا الوصف، وقد نَبهتْ الشريعة بهذا على أنّ الحرية حياة، وأنّ العبودية موت؛ فمن تسبّب في موت نفس حيّة كان عليه السعي في إحياء نفس كالميتة وهي المستعبَدة”[3].

أقول إذا كانت هذه هي قيمة الحرية بإطلاق فإن للحرية الدينية في الإسلام مكانة كبيرة، بل إن الإسلام لا يقف عند مجرد إقرار هذه الحرية فحسب، قال تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [البقرة: 272].

يقول سيد قطب في تفسير هذه الآية: “ومن هنا نطلع على بعض الآفاق السامية السمحة الوضيئة التي يرفع الإسلام قلوب المسلمين إليها، ويروضهم عليها. إن الإسلام لا يقرر مبدأ الحرية الدينية وحده؛ ولا ينهى عن الإكراه على الدين فحسب. إنما يقرر ما هو أبعد من ذلك كله. يقرر السماحة الإنسانية المستمدة من توجيه الله – سبحانه – يقرر حق المحتاجين جميعاً في أن ينالوا العون والمساعدة – ما داموا في غير حالة حرب مع الجماعة المسلمة – دون نظر إلى عقيدتهم . ويقرر أن ثواب المعطين محفوظ عند الله على كل حال، ما دام الإنفاق ابتغاء وجه الله. وهي وثبة بالبشرية لا ينهض بها إلا الإسلام؛ ولا يعرفها على حقيقتها إلا أهل الإسلام: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ)”[4].

ولقد قرر القرآن الكريم بأكثر الأساليب وضوحًا أن حرية اختيار الدين مكفولة للبشر فقال: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة: 256)، وقال: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس:99]،  وقال تعالى: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) (ق: 45)، وقال: (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (الأنعام: 107)، وقال: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: 29]. وقال: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) (الغاشية: 22)، وقال: (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) [فاطر: 23]، وقال نوح عليه السلام لقومه: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) (هود: 28)… إلخ.

هذه الآيات[5] تنص صراحة على أن الأنبياء – وأتباعهم بطريق أولى – لم يرسلوا لكي يلزموا الناس بتعاليم دينهم، أو يكرهوهم على شيء لا يعتقدون صحته؛ لأن ذلك مناقض لفلسفة الامتحان والابتلاء والحرية التي هي شرط لازم لبناء التكاليف وقبول الالتزامات وترتب الأحكام الدينية والدنيوية.

وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم الحرية الدينية في أول دستور للمدينة حينما اعترف لليهود بأنهم يشكلون مع المسلمين أمة واحدة.

ومن منطلق الحرية الدينية التي يضمنها الإسلام كان إعطاء الخليفة الثاني عمر بن الخطاب للمسيحيين من سكان القدس الأمان “على حياتهم وكنائسهم وصلبانهم، لا يضار أحد منهم ولا يرغم بسبب دينه “.

وكانت فترة الحكم الإسلامي للأندلس عصر ازدهار علمي وحضاري في مختلف الجوانب، وفيها ارتفع صوت الحرية الدينية والنقاش حول قضايا الأديان والعقائد، وقد استغل المنصِّرون ذلك فصنَّفوا مؤلفات جدلية كثيرة ضد الإسلام وتصدى لهم علماء الإسلام ردًّا وتفنيدًا، مثل: ابن حزم والقرطبي وأبو الوليد الباجي …. إلخ.

ومن شروط وضوابط الحرب في الإسلام: المحافظة على الحرية الدينية لأصحاب الصوامع والرهبان وعدم التعرض لهم.

ونص الفقهاء على أن الزوج المسلم يعامل زوجته غير المسلمة معاملة حسنة، فلا يعرض لها محاسن الإسلام في محاولة لإثنائها عن دينها بما يمثل نوعا من الإكراه، وألا يمنعها من أداء شعائرها، بل عليه أن يهيئ لها الذهاب إلى كنيستها أو معبدها..

مقتضيات القول بالحرية الدينية

والقول بالحرية الدينية وبيان مكانتها في الإسلام على النحو السابق يقتضي أمورا، ويترتب عليه حقوق نجملها فيما يلي:

أولا: إن القول بالحرية الدينية يقتضي ألا نكره غير المسلمين بالدخول في الإسلام.

ثانيا: يترك لغير المسلمين حرية تأدية شعائرهم.

ثالثا: يترك لهم حرية الدعوة إلى دينهم ما لم يؤد ذلك إلى إثارة الفتن والفوضى في المجتمع، كما أن المسلم يدعو لدينه، وبالضابط نفسه أيضا.

رابعا: إن ذلك يبيح للمسلم أن يتناقش مع إخوانه حول الأفكار الدينية، ما يبيح له أن يناقش غير المسلمين لكن بالحوار الهادئ والجدال الهادف كما قال القرآن: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)  [العنكبوت: 46].

خامسا: إن المجالات الأخرى للحرية مثل مجال القول أو العمل أو التعليم أو الفكر وغيرها من مجالات يجب أن تتمتع بالحرية من باب أولى؛ فإذا كان مجال العقيدة ـ وهو أخطر مجال ـ مقترنا بالحرية فأولى وأحرى أن تكون المجالات الأخرى مصاحبة لها ومقترنة بها.

ضوابط الحرية الدينية

والحرية الدينية ليست هكذا على إطلاقها، فكما قيل: ليست هناك حرية مطلقة في العالم كله، بل لابد من قيود حتى تستقيم الحياة، وتستمر الحرية، ويأخذ كل واحد حقه منها بالقسطاس المستقيم.

والحرية الدينية ليست بدعا من أنواع الحريات، فينطبق عليها ما ينطبق على باقي الحريات، والضابط الكبير لها والحاكم الأساسي فيها أن تكون في ظل الحفاظ على أمن المجتمع، والحرص على سلامة النسيج الوطني فيه.

ذلك أن الأمن الاجتماعي ـ كما سيأتي في مقاصد الحرية الدينية ـ من المقاصد الكبيرة للشريعة الإسلامية، فلا يجوز لأي أحد أيا كانت منزلته أن يهدد أمن المجتمع أو يزعزع استقراره حتى لو كان متعلقا بأمر له خطورته مثل الحرية الدينية.

فهذا الضابط الرئيس يحكم اختيار الدين ابتداء، ويضبط ممارسة الشعائر لأي فصيل ديني، وكذلك بناء دور العبادة، والدعوة أو التبشير إلى أي دين، فكل هذا مكفول ما لم يهدد كيان المجتمع ويبدد استقراره.

ولعل الحملة الدائرة اليوم في صحف الدانمارك وغيرها من البلاد هي أبرز مثال على مدى أثر الحرية الدينية المطلقة في زعزعة أمن المجتمعات، والتأثير على سلامتها، سواء على المستوى المحلي أو العالمي.

حتى إن كثيرا من العلماء المعاصرين ـ كما سيأتي بعد قليل ـ ذهبوا إلى أن هذا ضابط أيضا لاختيار دين غير الإسلام بعد الدخول فيه، أو ما يسمى بـ “الردة”، فلمن شاء ـ حسب رأيهم ـ أن يخرج من الإسلام ما دام هذا لا يؤثر في حالة المجتمع؛ لأن العقيدة شيء بين العبد وربه، ولا يقتل إلا حرابة عبر الخروج على جماعة المسلمين ومفارقته لهم.

الحرية الدينية ابتداء وانتهاء

ذهب من قال بحدّية القتل للمرتد إلى أن آيات القرآن التي ذكرت حرية العقيدة إنما هي محمولة على الحال قبل الدخول في الدين، فلكل إنسان أن يختار ما يشاء وفق الحرية الكاملة والتأمل والنظر الدقيقين المفضيين إلى القناعة التامة، وأما من دخل في الإسلام ثم ارتد فينطرد عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من بدل دينه فاقتلوه[6]، فقتل المرتد ثابت بالسنة القولية، وذلك لا يعارض النصوص القطعية للقرآن، بل يخصص عمومياته، وبخاصة أن السنة صحبها عمل الأمة وإجماعها النطقي والعملي طيلة أربعة عشر قرنا، ومن قال بذلك العلامة عبد الله بن بيه[7].

ويقول الشيخ عبد المتعال الصعيدي: “إن الإكراه في الدين كما يكون في الابتداء يكون في الدوام، وكما لا يصح الإكراه على الدين في الابتداء؛ لأن الإسلام الذي يحصل به يكون فاسداـ كذلك الإكراه على الدين في الدوام؛ لأن الإسلام الذي يحصل به يكون فاسدا”[8].

وقوة أدلة الفريقين هنا وسلامة منطقهما لا تزال ممتدة من الكلام السابق، فلكل أدلته التي تتميز بالمعقولية والقوة، وهي تفضي بنا في النهاية إلى أن القضية ليست محل اتفاق، ومن ثم يجوز أن نأخذ بالرأي الذي يتناسب مع العصر والمكان والحال.

مجالات الحرية الدينية

والحرية الدينية تنقسم باعتبار حال الشخص إلى قسمين أو مجالين أو جانبين: الأول جانب حظ المسلم منها، والثاني: جانب حظ غير المسلم ممن تظلهم دولة الإسلام.

فأما المسلم فقد أبطل الإسلام في حقه كل ما يخالف حرية الاعتقاد من تقليد الآباء والآلهة، ودعاه إلى النظر والتفكر في ملكوت السموات والأرض؛ حيث قال أئمة المتكلمين إن أول واجب على المكلف النظر ليحصل له الاعتقاد الصحيح بمعرفة الله وصفاته التي دل عليها صنعه والتي أثبتها دلائل الشريعة وببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه فيما جاء به بالأدلة العقلية والنقلية المتواترة على حسب أهلية المستدل واستطاعته[9].

وقد أوردنا الخلاف في مسألة الردة سواء قبل الدخول للإسلام أو بعده، فقبل الدخول يستوي الجميع في نصيبه من الحرية أما بعد الدخول في الإسلام فهناك الخلاف سابق الذكر.

وأما غير المسلم الخاضع لرعاية الحكومة المسلمة ففي حقه تأتي كل الآيات القرآنية التي تدعو لحرية العقيدة؛ ولهذا قرر الإسلام المساواة بين الذميين والمسلمين، فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، وكفل لهم حريتهم الدينية.

وتتمثل جوانب حريتهم الدينية فيما يأتي:

1ـ جانب الاعتقاد، فلا يجوز إكراه أحد منهم على ترك دينه أو إكراهه على عقيدة معينة، يقول الله سبحانه وتعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [البقرة: 256].

2ـ جانب العبادة، فمن حق أهل الكتاب أن يمارسوا شعائر دينهم، فلا تهدم لهم كنيسة، ولا يكسر لهم صليب، بل تسمح لهم الدولة ببناء دور العبادة الخاصة بهم، ومن حق زوجة المسلم ” اليهودية أو النصرانية ” أن تذهب إلى الكنيسة أو إلى المعبد، ولا حق لزوجها في منعها من ذلك، بل عليه أن يبلِّغها مكان عبادتها.

3ـ جانب التشريع: حيث كفل لهم الحرية في قضايا الزواج، والطلاق، والنفقة، ولهم أن يتصرفوا كما يشاءون فيها، دون أن توضع لهم قيود أو حدود، كما تقضي به قوانينهم، وتعرض قضاياهم في هذا الشأن على قضاة منهم، وسوى بينهم وبين المسلمين في العقوبات، في رأي بعض المذاهب، وفي الميراث سوى في الحرمان بين الذمي والمسلم، فلا يرث الذمي قريبه المسلم، ولا يرث المسلم قريبه الذمي.

4ـ جانب العادات من أكل وشرب ونحوه: حيث أباح لهم الإسلام ما أباحه لهم دينهم من الطعام وغيره، فلا يقتل لهم خنزير، ولا تراق لهم خمر، مادام ذلك جائزا عندهم، وهو بهذا وسع عليهم أكثر من توسعته على المسلمين الذين حرم عليهم الخمر والخنزير، و أحل الإسلام طعامهم، والأكل من ذبائحهم، والتزوج بنسائهم، يقول الله سبحانه: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) [المائدة:5].

5ـ جانب المعاملة؛ حيث حمى الإسلام كرامتهم، وصان حقوقهم، وجعل لهم الحرية في الجدل والمناقشة في حدود العقل والمنطق، مع التزام الأدب والبعد عن الخشونة والعنف. يقول الله تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)  [العنكبوت: 46]، وأباح الإسلام زيارتهم وعيادة مرضاهم، وتقديم الهدايا لهم، ومبادلتهم البيع والشراء ونحو ذلك من المعاملات، فمن الثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي في دين له عليه، وكان بعض الصحابة إذا ذبح شاة يقول لخادمه ابدأ بجارنا اليهودي.

قال الكاساني: “وَيُتْرَكُونَ أَنْ يَسْكُنُوا في أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ شُرِعَ لِيَكُونَ وَسِيلَةً لهم إلَى الْإِسْلَامِ وَتَمْكِينُهُمْ من الْمُقَامِ في أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَغُ إلَى هذا الْمَقْصُودِ وَفِيهِ أَيْضًا مَنْفَعَةُ الْمُسْلِمِينَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ”[10].

وهكذا يمكننا أن نقول باطمئنان: إن غير المسلم ـ في ظل الدولة الإسلامية ـ يتمتع بحظ من الحرية الدينية يفوق ما يتمتع به المسلم نفسه؛ إذ الدولة المسلمة مطالبة أن تحميه وأن توفر له البيئة المناسبة لتأدية شعائره وممارسة حياته، والحفاظ على ممتلكاته واحترام عاداته، حتى لو كان الإسلام لا يقر بهذا كله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر هذا البحث في مجلة “منار الهدى”، العدد 14، خريف 2009، من ص 128 إلى ص135.

([1]) تنظيم الإسلام للمجتمع. دارا لفكر العربي. القاهرة. ص:182

([2]) راجع أصول النظام الاجتماعي: 160.

([3]) تفسير التحرير والتنوير: 5/159، وانظر: 6/161-162.

([4])في ظلال القرآن: 1/315 .

([5])ذكر د. طه جابر العلواني أن القرآن ذكر حرية الاعتقاد وأحاطها بسائر الضمانات بما يقرب من مائتي آية. انظر كتابه: لا إكراه في الدين، إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم. مكتبة الشروق الدولية. والمعهد العالمي للفكر الإسلامي. ط ثانية. 1427هـ/2006م. ص: 99.

([6]) رواه البخاري: كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم. باب: حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم.

([7])انظر تعليقه على كتاب الدكتور العلواني في ملحق بكتاب لا إكراه في الدين: 191.

([8])انظر الحرية الدينية في الإسلام. دار الفكر العربي. القاهرة. ص: 103-104

([9])انظر أصول النظام الاجتماعي لابن عاشور: 160-161.

([10]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتاب العربي – بيروت – الطبعة : الثانية/1982م، ج 7 /113 . وراجع فقه السنة للسيد سابق: 2/604-605.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: