التطرف وأزمة العقل المسلم

تمهيد

إن المتأمل في واقع المسلمين اليوم ليصاب بالدهشة والاستغراب، حيث يجد جملة من التناقضات يمكن اختزالها في مظهرين كبيرين:

الأول: إعراض عن دين الله تعالى والغفلة عنه وعدم الامتثال له…

الثاني: غلو وتطرف في الأخذ بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف إلى حد الخروج عن مقاصده وروحه.

وهذان مظهران سلبيان لا يقرهما الإسلام، لا في نصوصه ولا في مقاصده. ولعل المظهر الثاني يشكل أكبر خطر على الإسلام، لأنه يلصق به ما ليس منه، وينفر منه، ويقدم صورة مشوهة ورهيبة للناس، ويجلب على الإسلام والمسلمين الويلات ويضاعف من أزماته، خاصة ونحن في وقت يحتاج فيه الإسلام إلى تعزيز وجوده وبسط رحمته للعالمين.

وإنه من الظلم أن ننسب هذه الظاهرة إلى الإسلام وهو منها بريء، أو نجعل لها أصلا فيه، وهو منها خال، كما أنه من الخطأ الفادح أن نبرر ذلك بمبررات الوقت والواقع المعاصر وضغوطه. إن البحث في هذه الظاهرة يقتضي البحث عن جذورها ومعرفة المسار الذي قطعته بتعرف مواطن الخلل التي أفضت إلى فشو هذه الظاهرة واستفحالها. ولعل من الصواب القول إن ظاهرة التطرف تتعلق أساسا بخلل في فهم الدين ومقاصده وبتصور الناس له، مع عدم إغفال ما كان للعامل السياسي من تأثير واضح فيه. وبجملة واحدة: إن هذه الظاهرة تشكل أكبر مظهر من مظاهر أزمة العقل الإسلامي !

إن الانحراف عن الفهم السليم للإسلام انحرف بالناس عن فهم مقاصده وروحه، فأصبحت الشريعة مجرد رسوم والعبادة رياضة وحركات، كما أصبح الإيمان والتقوى مجرد أفكار بعيدة عن الأسرار لا ينتج عنها عمل، وهكذا غابت الرحمة عن معاملات المسلمين فيما بينهم، ناهيك عن معاملاتهم مع غيرهم، مناقضين ما دعا إليه ديننا. يضاف إلى هذا قلة فهم للواقع الذي يعيشه المسلمون وما أوصلهم إليه.

الجذور الأولى للتطرف

قد لا نجانب الصواب إذا ما قلنا إن التطرف الذي تكتوي بناره المجتمعات الإسلامية ليس وليد اليوم، وإنما هو ذو جذور ضاربة في القدم، حيث ظهرت بوادره الأولى في مجتمع النبوة، كما في الحديث الذي يرويه عبد الرحمن بن أبي نعم قال: “سمعت أبا سعيد الخدري يقول: بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه  إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر وأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء. قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال: يا رسول الله، اتق الله. قال: ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله. قال: ثم ولى الرجل. قال خالد بن الوليد: يا رسول الله، أضرب عنقه. قال: لا، لعله أن يكون يصلي، فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم. قال: ثم نظر إليه وهو مقف. فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم السهم من الرمية[1].

فانظر هنا إلى ذلك الرجل الذي جاء يغلظ القول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثائرا على القسمة التي قسمها رسول الله… ويخبرنا الحبيب صلى الله عليه بأن بذرة الثورة والتطرف لن تقف عند هذه الحد، بل ستتلوها مواقف أخرى من قبل ناس يتلون كتاب الله تعالى رطبا، لكن ينقصهم فهم الدين وفقه مقاصده.

ومع هذا، نجد الحلم الذي قابل به رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الثورة لكون الرجل من أهل القبلة يصلي، ولم ينقب عن قلبه ولا بطنه… يرد الأمر دائما إلى نصابه حرصا منه على عدم انجرار المسلمين وراء التطرف وما ينتج عنه مما يهدد آخرتهم.

وقد يعترض معترض بأن التطرف، وما ينتج عنه، هو أمر لم يخل منه مجتمع، وليس خاصا بمجتمع بعينه، أو ديانة بعينها، وأسارع إلى الجواب أن نعم، مع التأكيد على أن الدين الإسلامي إنما جاء رحمة للعالمين ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ))، وهو دين وسط وأمته أمة وسط (( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ))، فما ناقض هذين المبدأين استوجب الوقوف عنده ونبذه.

أزمة العقل الإسلامي

قبل سد باب الاجتهاد كان الاجتهاد الذي يصدر من المجتهدين يتميز بمميزات نجملها في:

أولا: كان اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم قائما على وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم الغالية: “تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين[2]. هذه الوصية إن كان أخذ بها الفقهاء الصحابة رضي الله عنهم، فإن بعد الانكسار التاريخي لا نجد لها ذكرا أو أثرا. ولئن كانت مهمة الجمع هذه من وظائف الحاكم، فإن الحكم كما رأينا قد انحرف عن منهاج النبوة، وافترقت الدولة عن الدعوة، وحصل شرخ بين مؤسسة العلماء ومؤسسة الحكم. والصواب أن تكون الدولة خادمة للدعوة وراعية لها.

وهكذا، ساد الاجتهاد الفردي الذي كان من العلماء الأفذاذ كما رأينا.

ثانيا: إن الناظر في اجتهاد العلماء بعد الانكسار التاريخي يجد غزارة في قضايا الزواج والطلاق والحنث والعبادات، مقابل نزر يسير في قضايا الأمة والمجتمع والعلاقة مع النظام الحاكم. ويعجب الشيخ محمد الخضري فيقول: “ومما يقضي بالعجب أنهم اتخذوا ثلاثة موضوعات أساسا لمئات المسائل التي كدوا في إبراز الجواب عنها، وهي الرقيق والتصرف فيه، والزوجة وطلاقها، والأيمان والحنث.

فأما الرقيق فيظهر أنه كثر في أيديهم كثرة وجهت أفكارهم إلى العناية بأحكامه فلا ترى بابا من أبواب المعاملات إلا وأكثر مسائله مبنية على عبد وجارية، ترى ذلك في البيع والإجارة والشركة والرهن والوصية والعتق وغير ذلك.

وأما طلاقها فقد أجهدت الفكر لعلي أصل إلى ما وجه أفكارهم إلى هذه المسائل التي وضعوها فلم أوفق، ولو كانت من المسائل التي يتصور وقوعها ولو من هذا لقلنا إنهم يهيئون للحوادث أجوبتها حتى لا يتوقف مفت أو قاض إذا سئل عنها، أما وهي مما يصعب تصور حصوله فإن العجب يزداد والأسف يشتد على زمن بذل فيها.

أما الأيمان والنذور فهي بحر لا ساحل له، ترى فيه تنويعا مدهشا كأنهم استحضروا كل ما يصوره الخيال من الأيمان فذكروه وذكروا جوابه، مع أن في ذلك أشياء كثيرة جدا يختلف العرف فيها باختلاف البلاد”[3].

وكان لسد باب الاجتهاد نتائج خطيرة كان لها أخطر الآثار وأسوأ العواقب على الفكر الإسلامي عامة، والفكر الفقهي خاصة. فلم نعد نلحظ ذلك التوقد والتوهج والحيوية في المنتوج الفكري اللاحق، وإنما بتنا نقرأ مؤلفات سمتها الأساسية التكرار والجمود… وهذا ليس مقصورا على كتب الفقه والأصول، بل شمل كل أجناس الفكر والإبداع. ورغم هذا، كان يظهر من حين لآخر منتوج فكري يحاول التمرد على الأعراف التقليدية السائدة والتخلص من موروثات الجمود التي أخذت تتحكم في الفكر والفقه…

تلك النتائج التي نجمت، في نظرنا، عن سد باب الاجتهاد نجملها في:

 1- استفحال القطيعة بين الدعوة والدولة: فبعد أن سُد باب الاجتهاد، والذي كان من نتائج فصل الدعوة عن الدولة، ازدادت الهوة اتساعا بين الدعوة والدولة، وتقوت القطيعة بين مؤسسة الحكم ومؤسسة العلماء، إلا ما كان من تدجين الأولى للثانية واحتضان غير شرعي لها.

ويتبين هذا الأمر من خلال السجون التي كانت تستقبل كل معارض للحكم، أو التعذيب الذي كان يطال كل عالم لا ينصاع للتوجه السياسي العام للنظام الحاكم، ولا أظن أن أحدا ينكر ذلك.

  2- الفجوة بين الشريعة والواقع: فتوقف الاجتهاد يعني تجاهل متطلبات الواقع من أحكام وفتاوى وآراء لينصلح بها أو ليواكب بها الإنسان موكب الشريعة التي إنما جاءت لتخرجه من ظلمات الشرك والظلم إلى نور التوحيد والعدل. لكن بعد سد باب الاجتهاد بدت آراء السابقين هي صاحبة الكلمة في واقع متغير مختلف تماما عن سابقه. من هنا أصبحت شريعة الله عز وجل مجرد أفكار نظرية لا تستطيع أن تؤثر في الناس أو تصلح واقعهم أو توجه حياتهم. بل حتى التنزيل مادام أنه يحتاج إلى اجتهاد فقد غدا ضربا من الخلط والتخبط.

وهذا ما دفع ابن القيم رحمه الله إلى الإعلان في كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين أن:

لا بد من “فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما… فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه، وكما توصل سليمان صلى الله عليه وسلم بقوله ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما إلى معرفة عين الأم…”[4]

_ الفتوى تتغير بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، والحكمة في ذلك أن الشريعة بنيت على مصالح العباد في المعاش والمعاد. قال: “هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به. فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها …”[5].

إن حدوث الفجوة بين الشريعة والواقع إنما هو بتوقف البحث في المسائل الفقهية والأصولية من جهة. ومن جهة أخرى باتباع وتقليد السابقين والتزام آرائهم وفتاواهم، كما هو الشأن في فتوى إمامة المستولي بالسيف.

ويحق لنا أن نتساءل: كيف عاش المسلمون طيلة عشرة قرون على نتاج القرون الأولى؟!

وفي القرن الثامن الهجري جاء الإمام الشاطبي رحمه الله (790هـ) ونادى منذرا ومحذرا بأعلى صوته: إن الشريعة في خطر، واستنهض الهمم من أجل الحفاظ عليها وعلى مقاصدها، لأن مخلفات سد باب الاجتهاد هددت الشريعة الإسلامية كما هددت وحدة المسلمين. فقام ينبه على أن “وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا”[6]، وأن “المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبد لله اضطرارًا”[7].

وما دامت شوكة الإسلام قائمة، وبيضة الإسلام لم تنكسر بعد، فإن الشاطبي رحمه الله، ومن سبقه، لم يتكلموا عن وحدة المسلمين، ذلك الأمر الجامع، فعبروا عن مقاصد الشريعة في صيغة حفاظية لا مطلبية. أما اليوم، فجدير بعلمائنا أن يسألوا: أين وحدة المسلمين ؟ أين هي شوكتهم ؟ أين هي شريعتهم ؟ وهذه خطوة أولى في حل أزمة العقل الإسلامي.

بوصولنا إلى هذه النقطة في التحليل نكون قد تبينا ملامح الفكر الموروث في القرن الرابع عشر عموما، والفقه خصوصا، فضلا عن الواقع السياسي للمجتمع الإسلامي. وهذا ما سيظهر بجلاء في البوادر الأولى للصحوة الإسلامية.

ففي دراسة حول مشاريع الإشهاد الحضاري[8] تناول الدكتور عبد المجيد النجار بالتقييم نتائج مجموعة من الحركات التي قامت على امتداد العالم الإسلامي: منذ محمد بن عبد الوهاب إلى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده إلى الإخوان المسلمين بمصر. والقارئ لهذه الدراسة يتبين مدى حاجة أي حركة تغييرية لمنهاج يقيها الزلل ومنزلقات تحيد بها عن غاياتها وأهدافها.

ونقتطف من هذه الدراسة بعض الملاحظات حول المنهج الذي صرف به المشروع التغييري.

ففيما يخص الحركة السلفية، يلاحظ النجار:

_ العنف الذي تراوح بين ما يشبه الإكراه المعنوي وبين الإكراه المسلح في إنفاذ رؤاها … وهذا كان حال الدعوة الوهابية خاصة، والدعوة المهدية…

_ الضعف في التربية الفكرية على الخصائص الأصلية للفكر الإسلامي، والميل إلى التربية التقليدية. وهذا، في نظر الكاتب، ما قصر بهذه الخطة عن بلوغ أبعد مدى في الإصلاح.

_ استحثاث الخطى والتعجيل فيها في سبيل  امتلاك السلطان السياسي أوقع الوهابية والمهدية في شيء من المحاذير بارتكاب المقاتل في صفوف المسلمين و تسويغها…

فانظر هنا كيف اجتمع العنف مع ضعف التربية الفكرية !

“الجاهلية”: تصور خاطئ وسوء فقه للواقع

إن من أعمى بصره عن واقعه وغفل عنه، فلا يعبد الله عز وجل تمام العبادة، ولا يوفيها حقها، كما أن من اعتبر نصوص القرآن وصحيح الحديث دون فهم حقيقة واقعه فإنه لا يقدر على الاجتهاد والتغيير. ذلك أن دراسة المجتمعات، وفهم واقعها، وتاريخها وثقافتها ومعادلاتها الاجتماعية، هو السبيل إلى معرفة كيفية التعامل معها، وإلى تقويم سلوكها بشرع الله. وإذا غفلت الحركة التغييرية عن الواقع في عملها فإن مصيرها أحد ثلاثة: التأخر، أو الفشل وهذا يوصل إلى العنف.

ويلخص لنا الشيخ القرضاوي أزمة التعامل مع الواقع فيقول: «رأينا فقهاء الأوراق يقاتلون على أشياء يـمكـن التسـامح فيـها، أو الاخـتلاف عليــها، أو تأجيلها إلى حين، ويغفلون قضايا حيوية مصيرية، تتعلق بالوجود الإسلامي كله، وهؤلاء قوم قد لا ينقصهم الفقه، ولئن جاز تسميتهم (علماء) فلا يجوز تسميتهم (فقهاء) لو كانوا يعلمون»[9].

هناك منطلقات “شرعية” ينطلق منها المتطرف في أعماله، سواء المتعلقة بالعنف أو التكفير وما إلى ذلك. وفي مقدمة هذه المنطلقات ذاك التصور الخاطئ الذي يصف المجتمع الإسلامي المعاصر والحياة الإسلامية المعاصرة بـ”الجاهلية”، ومطابقتها للجاهلية التي عاشها العرب قبل نزول الرسالة. ومن شأن هذا الحكم أن يجري على المسلمين المعاصرين ما أجري على الكفار والمشركين معاصري الوحي… فضلا عما يمكن أن يجري على غير المسلمين.

ولعل أول من أطلق هذا الوصف هو الشهيد سيد قطب رحمه الله الذي كان يرى أننا “اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية.. تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرا إسلاميا، هو كذلك من صنع الجاهلية !!

لذلك لا تستقيم قيم الإسلام في نفوسنا، ولا يتضح تصور الإسلام في عقولنا، ولا ينشأ فينا جيل ضخم من الناس من ذلك الطراز الذي أنشأه الإسلام أول مرة”[10].

إن وصف المجتمع والحياة بالجاهلية له انعكاسات خطيرة على المنهج المستخدم في التغيير؛ ذلك أن تشخيص الواقع هو الذي يدلنا على المنهج الممكن اتباعه. وما دام التشخيص بهذا الشكل، فإن المنهج سيكون في مستوى ما يغير هذه الجاهلية.  وهذا ما يتابع سيد قطب رحمه الله حديثه عنه قائلا: “إن أولى الخطوات في طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته. وألا نعدل نحن في قيمنا وتصوراتنا قليلا أو كثيرا لنلتقي معه في منتصف الطريق. كلا! إننا وإياه على مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق !”[11]. ومن هنا يبدأ التطرف.

وهكذا يدعو سيد قطب رحمه الله الحركة الإسلامية إلى “مواجهة هذا الواقع كله بما يكافئه.. تواجهه بالدعوة والبيان لتصحيح المعتقدات والتصورات، وتواجهه بالقوة والجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليها، تلك التي تحول بين جمهرة الناس وبين التصحيح بالبيان للمعتقدات والتصورات…”[12] ومن هنا يبدأ العنف.

إن الحكم بالجاهلية طريق سهل إلى التكفير والتطرف والعنف. ومعنى هذا “أن الناس كلهم على ضلال ما داموا لم يتبنوا ما أعتقده”.

لعله من سوء فقه للواقع أن نصف المجتمع الإسلامي المعاصر بالراشدي، أو بالمجتمع الإسلامي الخالص، لكن، من الظلم أيضا أن نصفه بالجاهلية؛ ذلك أن الحياة الإسلامية بها بقايا الخير والعقيدة الصالحة جذوة كامنة تتجلى في السلوك العام للمسلمين، وفي أخلاقهم وتضامنهم وتعاطفهم، وفي حبهم للخير، وفي غيرتهم على دينهم رغم عدم الوفاء بالتزاماتهم نحوه، وكذلك في خشيتهم من ربهم وتعظيمهم لنبيهم.

ولعل من حق السائل أن يسأل: إذا لم نصف المجتمع الإسلامي المعاصر بالجاهلية، فبماذا نصفه ؟ وهو غير خالص الإسلام ؟

أقتطف هنا كلاما للأستاذ عبد السلام ياسين يعطي وصفا قرآنيا نبويا لما عليه المسلمون اليوم حين يقول: “متى اختلط الحق بالباطل، ودخل الإسلام على الجاهلية فبقي منها رواسب، أو أعادت الجاهلية كرتها على الإسلام فعكرت صفوه، فتلك “الفتنة”. الفتنة مفهوم محوري، لفتنة حكم نبوي، الفتنة تحفّظ وحكمة ولزوم لجانب التحري والصواب”[13].

وقد وردت مادة “فتن” في القرآن الكريم ستين مرة. وقال الراغب الأصبهاني في تعريفها: “أًصل الفَتْن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل في إدخال الإنسان النار… وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء. وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا”[14].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر هذا البحث في مجلة “منار الهدى”، العدد 9.

[1] – صحيح البخاري، 4444.

[2] _ رواه الطبراني في الأوسط 11/ 371.

[3] _انظر تاريخ التشريع الإسلامي ص 273_274.

[4] _إعلام الموقعين 1/87.

[5] _المصدر نفسه  3 / 3.

[6] -الشاطبي، الموافقات في أصول الأحكام 2/6.

[7] -نفسه 2/ 168.

[8]– اعتمد ثلاثة مشاريع هي: المشروع السلفي، المشروع التحرري، مشروع الإحياء الإيماني الشامل. وكان منهجه في الدراسة: التعريف بالمشروع أولا، ثم عرض محتواه ومضمونه، فمنهج المشروع في التنفيذ. ويختم كل فصل بتعقيب يقيم فيه مدى تقدير المشروع للواقع وطبيعة المضمون، والمنهج الذي نفذ به هذا المضمون.

[9] – عمر عبيد حسنه، فقه الدعوة.. ملامح وآفاق 2 / 188.

[10] – سيد قطب، معالم في الطريق ص 21، دار الشروق بيروت1993.

[11] – نفسه ص 22.

[12] – نفسه ص 64.

[13] – عبد السلام ياسين، العدل.. الإسلاميون والحكم ص 488.

[14] – الراغب الأصفهاني، مفردات القر آن مادة “فتن”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: