البعد الإصلاحي في تفسير ابن باديس

كان ابن باديس رحمه الله (1308هـ/1889م-1359هـ/1940م) مفسرا ممتازا، له استقلاليته في الفهم والرأي، كما اشتغل بالسياسة، وخاض حقلها في براعة وذكاء، وناهض الاستعمار. وكان يحتج باسمه الخاص في أحرج المواقف، وباسم جمعية العلماء في المواقف العادية، حفظا للجمعية، وتفاديا لها من الغلق والكيد والبطش. أسس جمعية التجار المسلمين، والجمعيات الاقتصادية لإنعاش الاقتصاد ودعا أبناء الوطن إلى ولوج باب التجارة، والميتم الإسلامي ( جمعية رعاية الأيتام )، والجمعيات الخيرية لإنقاذ الطفولة والنشء من التشرد والضياع. وكل هذه الأعمال المجتمعية والإصلاحية انعكست بصورة جلية في تفسيره للقرآن الكريم الذي عكف طيلة خمس وعشرين سنة، فاعتبر تفسيره بحق تفسيرا إصلاحيا. فما هي معالم هذا البعد الإصلاحي في تفسيره ؟

1- العمل الجماعي المنظم عند ابن باديس من خلال تفسيره

أكد القرآن الكريم والسنة النبوية أهمية العمل الجماعي في التغيير، فخاطب القرآن المؤمنين بقوله: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}[1]. والأمة من معانيها: “الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم، ووحدة يكونون بها كالأعضاء في بنية الشخص”[2].

كما أن السيرة النبوية تبين بجلاء أن الدعوة الإسلامية لم تقم بجهد الرسول صلى الله عليه وسلم الفردي، بل كانت مبنية منذ انطلاقتها على الجماعة التي كونها النبي الكريم، واختار عناصرها بعناية فائقة، لتقوم على كاهلها مهمة تغيير المجتمع الجاهلي، مما يوحي بأن الانتصارات العظيمة والتحولات الكبرى في حياة الأمم، لا تتم إلا عن طريق العمل الجماعي المنظم، التي تتظافر في إطاره الجهود وتتكتل القوى.

وقد استطاع ابن باديس ـ من خلال معايشته للواقع المحلي والعالمي ـ أن يدرك أن الجهود الفردية التي تتولى عملية التغيير، لن تثمر شيئا ذا بال، في عالم شهد تطورا مذهلا على جميع الأصعدة، وأن العمل المؤسساتي أصبح هو الطريقة المثلى[3] التي تمكن العاملين من تحقيق الانجازات الكبرى، يقول في تفسيره: “إنّما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله إذا كانت لهم قوّة، وإنّما تكون لهم قوّة إذا كانت لهم جماعة منظّمة تفكر وتدبّر وتتشاور وتتآزر وتنهض لجلب المصلحة ولدفع المضرّة، متساندة في العمل عن فكر وعزيمة؛ ولهذا قرن الله في هذه الآية بين الإيمان بالله ورسوله، والحديث عن الجماعة وما يتعلّق بالاجتماع، فيرشدنا هذا إلى خطر أمر الاجتماع ونظامه، ولزوم الحرص والمحافظة عليه، كأصل لازم للقيام بمقتضيات الإيمان وحفظ عموم الإسلام”[4].

ثم إن تجربة التغييير الفردية في الجزائر، التي خاضها جيل المصلحين الأوائل من أمثال الشيخ عبد القادر المجاوي(1848م ـ1913م)، والشيخ عبد الحليم بن سماية(1866م ـ1933م)، والشيخ أبو القاسم الحفناوي(1852م ـ1942م)، والشيخ مصطفى بن الخوجة(1865م ـ1915م) وغيرهم ـ في بداية هذا القرن ـ أدت إلى نتائج جزئية وثمرات محدودة، يتأكد من خلالها أكثر أن الجهود الفردية مهما أخلص أصحابها نياتهم، وصدقوا في عزائمهم، وتسلحوا لها بالعلم والعمل، لا تستطيع أن تغير المجتمعات وأن تحدث فيها تحولات كبرى[5].

حاولت هذه الثلة من العلماء أن تبعث يقظة فكرية في الجزائر عن طريق التدريس في المساجد والمدارس، وتأليف الكتب في مختلف علوم اللغة والدين، إلا أن جهودها ـ التي كانت تتسم في أغلبها بالفردية ـ لم تتمكن من إحداث أثر مهم في المجتمع الجزائري، ولم يكن لها صدى بعيد في أوساط الشعب الغارق في ظلمات الجهل والأمية.

يقول الدكتور عمار الطالبي: “إن المحاولات التي سبقت الشيخ ابن باديس كلها جزئية فردية غير شاملة للوطن كله، وتاريخ الثورات في الجزائر كان على هذا النحو حتى جاءت ثورة نوفمبر1954م فعمت، والثورة الفكرية إنما حاولت أن تكتسب الصبغة العامة في عهد ابن باديس، ففترته فترة ذهبية خصبة من فترات الصراع الفكري، والعمل على تغيير المجتمع في تاريخ الجزائر المعاصر، فابن باديس هو الذي أدخل الجزائر في حركة النهضة الإسلامية العامة”[6].

وكان هذا الاقتناع رائده ابن باديس منذ عودته من البقاع المقدسة، عام1913م، يدل على ذلك ما ذكره الإبراهيمي عن الاجتماعات المتواصلة التي عقدها مع ابن باديس لمدة ثلاثة أشهر بالمدينة المنورة، والتي وضعا خلالها التدابير اللازمة والبرامج المسطرة المفصلة لبعث نهضة شاملة بالجزائر. يقول البشير الإبراهيمي بهذا الصدد: “وأشهد الله على أن تلك الليالي من سنة1913ميلادية هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز للوجود إلا في سنة1931م”[7].

غير أن إحجام ابن باديس عن المبادرة بتأسيس عمل جماعي منظم إنما كان صادرا عن إيمانه بأن الظروف المناسبة لوجود هذا الشكل التنظيمي لم تتوفر بعد، ولا بد من توفيرها، خاصة وأن الجزائر كانت تعيش أجواء الحرب العالمية الأولى التي كانت تفرض التزام الهدوء ومهادنة الإدارة الاستعمارية.

ثم أعيد طرح هذه الفكرة مرة ثانية عام1924م بمدينة سطيف 71عندما اجتمع ابن باديس مع الإبراهيمي، واتفقا على جمع وتوحيد علماء الجزائر في إطار”جمعية الإخاء العلمي” التي يكون مقرها بمدينة قسنطينية، وقد كلف الإبراهيمي بصياغة قانونها الأساسي والداخلي[8].

وعندما صدرت جريدة الشهاب عام1925م، وجه ابن باديس على صفحاتها نداء إلى العلماء والمتعلمين في جميع أنحاء الجزائر أن يتجمعوا في(حزب ديني محض)يهدف إلى تجديد الدين وتطهيره، والرجوع به إلى مصادره الأصلية الكتاب والسنة، وناشد كل جزائري مثقف مناصر لفكرة الإصلاح أن يكتب للجريدة عن رأيه، حتى إذا رأى أن عدد الموافقين على هذا المشروع كاف باشر بتأسيس هذا الحزب[9].

لكن الظروف حالت ـ مرة أخرى ـ دون ظهور هذا العمل الجماعي المنظم بصفة رسمية على الرغم مما لقيته الفكرة من ترحيب واستجابة من طرف العلماء والمفكرين آنذاك إلى أن خرجت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى الوجود عام1931م.

إن المشاركة الفعالة لابن باديس في التفكير والإعداد، والتأسيس والقيادة لجمعية العلماء دليل عملي حي على إيمانه بضرورة العمل الجماعي المنظم لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية الخطيرة التي كانت تعاني منها الأمة الجزائرية آنذاك.

وإن قراءة متأنية لتاريخ الجزائر الحديث، تكشف لنا أن جمعية العلماء كانت ـ بحق ـ نموذجا رائعا للعمل الجماعي المنظم، وذلك بما وفر لها من قيادة حكيمة من العلماء المخلصين الذين استطاعوا أن يضبطوا لها التحديات الداخلية والخارجية، وأن يحددوا لها الأولويات، وأن يرسموا لها الأهداف المرحلية والاستراتيجية، وأن يضعوا لها البرامج والخطط وأن يعدوا لها الوسائل والآليات، وأن يفجروا طاقات الأمة الكامنة ويسيروا بها نحو الخلاص[10].

وقد كان العمل الجماعي المنظم ميزة اختصت بها الحركة الإصلاحية في الجزائر، وكان لذلك آثاره الحميدة في نجاح الحركة وتغلغلها في الأوساط الشعبية. وقد أشار الإبراهيمي إلى ذلك قائلا: “فلا يوجد قطر من أقطار الإسلام تأثر أهله بالفكرة الإصلاحية الدينية كما تأثر مسلمو الجزائر، ولا يوجد في علماء الإسلام جماعة قاموا بهذه الدعوة الجريئة متساندين مجتمعين، يجمعهم نظام وانسجام، كما قام رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، على كثرة اللدد في الخصم وقوة اللجاج في المعارض”[11].

2- معاني الإصلاح عند ابن باديس

يلح ابن باديس على ضرورة الرجوع في الإصلاح إلى هدي القرآن، ويدعو المسلمين إلى العودة إلى رحابه، والاجتماع على مائدته إذ يقول في تفسيره: “لا نجاة لنا من هذا التيه الذي نحن فيه والعذاب المنوع الذي نذوقه ونقاسيه، إلا بالرجوع إلى القرآن؛ إلى علمه وهديه، وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه”[12].

ولما كان ابن باديس لا يعنيه إلا فهم روح القرآن، والوقوف على معانيه العامة دون التمسك بحرفية الكتاب، فقد كان حريصا منذ البداية على التوسع في أمور أغفلها الآخرون، فالمواضيع التي تطرق إليها في تفسيره مختارة بصورة توافق جوانب الحياة المختلفة، وتتناسب مع متطلبات الواقع.

وهكذا أصبح التفسير في منظور ابن باديس مادة أساسية للنشاط الإصلاحي، وأصبحت دروسه في التفسير مجالا خصبا لعرض الأفكار الجديدة، وميدانا جديدا للتوجيه السياسي والثقافي. لذلك اتجه إلى لفت نظر قرائه ومستمعيه إلى مصيرهم الديني و السياسي، وإلى الوقوف بإلحاح على مواطن الخلل في المجتمع.

ولنؤكد ذلك بعرض نماذج من تفسيره:

أولا: في سلسلة من الدروس المخصصة لتفسير ثماني عشرة آية من سورة الإسراء، جرب ابن باديس أن يضع الأصول الصحيحة لحياة إسلامية سلفية، فيقول: “هذه ثمان عشرة آية من سورة الإسراء قد أتت في إيجاز ووضوح على أصول الهداية الاسلامية كلها. وأحاطت بأسباب السعادة في الدارين من جميع وجوهها”[13].

يتضح من خلال ما سبق أن هذه الأيات أتت بالأصول التالية: التوحيد، بر الوالدين، صلاح النفوس وإصلاحها، إيتاء الحقوق لأربابها، العدل في الإنفاق، حفظ النفوس، الوفاء بالعهد، إيفاء الحقوق عند التعامل، العلم والأخلاق. ويضيف ابن باديس أن هذه الآيات قد تضمنت” الأصول التي تتوقف عليها حياة النوع البشري وسعادته من حفظ النفوس والعقول والأنساب و الأموال والحقوق والدين الذي هو عمدة ذلك كله”[14].

ثانيا: من خلال تفسير قوله تعالى:{وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}[15]، يوجه ابن باديس الأنظار إلى مظاهر الخلل بالمجتمع، فيقول:”حالة وطننا في الأعم الأغلب في الولائم والمآتم لا تخلو من السرف فيها، الذي يؤدي إلى التقتير من بعدها فيكون الإثم قد أصاب صاحبها بنوعيه، وأحاط به من ناحيتيه، والشر يجر إلى الشر، و الإثم يهدي إلى مثله …”[16].

ثالثا: عند تفسير قوله سبحانه:{وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً}[17]، تحدث ابن باديس عن ظاهرة هجر القرآن ومظاهرها، حيث عرض لخمسة من أبرز مظاهر هذا الهجر، هي:

1ـ الهجر على المستوى العقدي:

  “بَسَط القرآن عقائد الإيمان بأدلّتها العقلية القريبة القاطعة، فهجرناها بذريعة أنّها أدلّة سمعية لا تورث اليقين وأخذنا بدلاً منها”الطرائق الكلامية المعقدة وإشكالاتها المتعدّدة، واصطلاحاتها المحدثة، ممّا يصعب أمره على الطلبة فضلاً عن العامّة”[18].

2ـ الهجر على المستوى الفقهي:

يقوم أسلوب القرآن على بيان أصول الأحكام وأمهات مسائل الحلال والحرام مع”بيان حِكم الأحكام وفوائدها في الصالح الخاص والعام، فهجرنا، واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، محجبة وراء أسوار من الألفاظ المختصرة، تفنى الأعمار قبل الوصول إليها”[19].

3 ـ الهجر على المستوى الأخلاقي:

للقرآن الكريم منهاجه الخاص في بيان مكارم الأخلاق والتربية المعنوية والإعداد الروحي، وتزكية النفس. وقد صُمّمت المناهج في هذا الصدد، بعيداً عن أجواء القرآن وعناصره لتتورط بالهجر. وبتعبير ابن باديس نفسه: “فهجرنا ذلك كلّه، ووضعنا أوضاعاً من عند أنفسنا، واصطلاحات من اختراعاتنا”[20].

4ـ الهجر على مستوى التأمّل الكوني ونظام الخليقة والتكوين:

يقول في بيان هذا الضرب من الهجر: “عرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه، ونبّهنا على ما فيه من عجائب الحكمة ومصادر النعمة، لننظر ونستفيد ونعمل. فهجرنا ذلك كلّه إلى خريدة العجائب، وبدائع الزهور، والحوت والصخرة، وقرن الثور!”[21].

5 ـ هجر التدبّر بالقرآن، وفهمه، والتفكير فيه:

ينتقد ابن باديس مناهج التعليم وطرق التدريس في المعاهد الإسلامية المختلفة، ويأخذ عليها أنها تستهلك جهد الطالب في العلوم الآلية، ولا تُبقي له وقتاً أو رغبةً بالعودة إلى القرآن، فيقول: “دعانا القرآن إلى تدبّره وتفهمه والتفكّر في آياته، ولا يتمّ ذلك إلا بتفسيره وتبيينه، فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبيينه، فترى الطالب يفني حصّة كبيرة من عمره في العلوم الآلية، دون أن يكون طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير كتفسير الجلالين مثلاً، بل ويصير مدرساً متصدراً ولم يفعل ذلك”. ثمَّ ينتقل لاستعراض واقع الدرس القرآني في جامع الزيتونة الذي كان يؤمّه طلاب العلوم الإسلامية من مختلف بلدان المغرب العربي وبعض بلدان أفريقيا، ليصف حال القرآن فيه على نحو حزين مفجع، فيقول: “وفي جامع الزيتونة عمّره الله تعالى، إذا حضر الطالب بعد تحصيل التطويع في درس التفسير، فإنَّه ويا للمصيبة يقع في خصومات لفظية، بين الشيخ عبد الحكيم وأصحابه، في القواعد التي كان يحسب أنّه فرغ منها من قبل، فيقضي في خصومة من الخصومات أياماً أو شهوراً، فتنتهي السنة وهو لا يزال حيث ابتدأ أو ما تجاوزه إلا قليلاً دون أن يحصل على شيء من حقيقة التفسير. وإنّما قضى سنته في المماحكات بدعوى أنّها تطبيقات للقواعد على الآيات، كأنَّ التفسير إنّما يُقرأ لأجل تطبيق القواعد الآلية، لا لأجل فهم الشرائع والأحكام الإلهية. فهذا هجر آخر للقرآن، مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن!”[22].

رابعا: في تفسير الآية الكريمة: {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}[23]، يورد ابن باديس كلاما نفيسا في التوجيه السياسي، فيقول في”هذه نملة وفت لقومها، وأدت نحوهم واجبها!! فكيف بالإنسان العاقل فيما يجب عليه نحو قومه؟!.

هذه عظة بالغة لمن لا يهتم بأمور قومه، ولا يؤدي الواجب نحوهم، ولمن يرى الخطر داهما لقومه، فيسكت ويتعامى، ولمن يقود الخطر إليهم ويصبه بيده عليهم. آه ما أحوجنا – معشر المسلمين – إلى أمثال هذه النملة!”[24].

خامسا: من خلال تفسيرقوله تعالى:{فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}[25]، ينبه ابن باديس الصوفية  إلى أخطار التواكل، وتعطيلهم كثيرا من طاقاتهم، ويدعوهم إلى الإقبال على العمل المثمر الجاد، فيقول: “ليس المقصود من الفرار من الدنيا ترك السعي والعمل، وتعاطي الأسباب المشروعة لتحصيل القوت، ورغد العيش، وتوسيع العمران، وتشييد المدينة، بل المقصود الفرار من شرورها وفتنتها”[26]. ثم يوضح ثانية معنى الفرار فيقول: “وقد ضل قوم فزعموا ذلك طاعة وعبادة، فعطلوا الأسباب، وخالفوا الشريعة، وحادوا عما ثبت من السنة، وفيهم سئل إمام الحديث والسنة أحمد بن حنبل رحمه الله، سئل عن القائل: أجلس لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي؟ فقال: “هذا رجل العلم: أما سمع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي”؟ وقوله: “تغدو خماصا وتروح بطانا”. وكان الصحابة يتجرون في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم وبهم القدوة”[27].

وهكذا اتخذ ابن باديس أهم وسيلة لإصلاح العقيدة وهداية الناس تفسير القرآن، يدرسه في المساجد ويلقيه في الساحات والأماكن العامة، وغرضه من ذلك تبسيط المبادئ القرآنية، وتقريب معانيه ومفاهيمه إلى الإنسان المسلم، ومن هنا كانت دعوته من خلال تفسيره دعوة عمل وتطبيق، تنأى عن التفلسف والتنظير، وتقوم في أساسها على الفكر والعمل الذي يمثل خلاصة تجاربه ومشاهده وثقافته.

3- معالم المجتمع الصالح في منظور ابن باديس

وإذا كان تفسير ابن باديس توجيه أو إرشاد أو بيان لصرح المجتمع الأمثل، فما معالم هذا المجتمع القرآني؟وما هي صفاته؟ ذلك ما يفصح المفسر عنه في عدة مواضع من تفسيره، نذكر بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر، ونسوقها ضمن النقاط الآتية:

1 ـ أن يكون قدوة لغيره:

لا يقبل ابن باديس بمجتمع ينتسب للإسلام ويفتقد في نفس الوقت لمقومات المجتمع النموذجي الذي يراد له أن يخلص البشرية من الانحدار والفساد الذي تتخبط فيه، يقول رحمه الله: “ومن الدعوة إلى الله ظهور المسلمين ـ أفرادا وجماعات ـ بما في دينهم من عفة وفضيلة، وإحسان ورحمة، وعلم وعمل، وصدق وأمانة. فذلك أعظم مرغب للأجانب في الإسلام، كما كان ضده أعظم منفر لهم عنه”[28].

ويستشهد كذلك بما كان عليه المسلمون في تاريخهم الأول؛ وهم يبشرون بدين الله بأخلاقهم وأعمالهم الصالحة، فدانت لهم كثير من أمم الأرض طواعية واقتناعا، فيقول: “وما انتشر الإسلام أول أمره بين الأمم إلا لأن الداعين إليه كانوا يدعون بالأعمال كما يدعون بالقول، وما زالت الأعمال عيارا على الأقوال”[29].

2 ـ أن يقتدي بالرسل والأنبياء:

يصور ابن باديس مجتمع القرآن على أنه مجتمع مقبل على كتاب الله، عامل بما تضمنه من تعاليم وأحكام، متدبر لمعانيه، مستجيب للدعاة إليه من رسل وأنبياء وعلماء وصالحين فيقول: “حق على حزب الله الداعين إليه، أن يقتدوا بالأنبياء والمرسلين في الصبر على الدعوة والمضي فيها، والثبات عليها، وأن يداووا أنفسهم عند ألمها واضطرابها بالتأسي بأولئك السادة الأخيار”.

ويقول داعيا إلى التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم والأخذ بما جاء به من عند الله: “وعلمنا القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، وأن عليهم أن يأخذوا ما أتاهم وينتهوا عما نهاهم عنه، فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن”.

3 ـ أن يغلب المصلحة العامة :

وعنده أن هداية القرى تقتضي اضطلاع جميع أفراد المجتمع بمسؤولياتهم في الحفاظ على مصالح الأمة. فعند تفسيره لقوله تعالى من سورة النمل: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [30]، يقول ما نصه: “كل واحد في قومه أو في جماعته هو المسؤول عنهم من ناحيته، مما يقوم به من عمل حسب كفاءته واستطاعته، فعليه أن يحفظ مركزه ولا يدع الخطر يدخل، ولا الخلل يقع من جهته؛ فإنه إذا قصر في ذلك وترك مكانه فتح ثغرة الفساد على قومه وجماعته، وأوجد السبيل لتسرب الهلاك إليهم. وزوال حجر صغير من السد المقام لصد السيل يفضي إلى خراب السد بتمامه.

فإخلال أي أحد بمركزه ـ ولو كان أصغر المراكز ـ مؤد إلى الضرر العام.

وثبات كل واحد في مركزه وقيامه بحراسته هو مظهر النظام والتضامن وهما أساس القوة“.

إن الشعور بالمسؤولية الجماعية، هو قوام النظام الاجتماعي في الإسلام، حث عليه القرآن، وأكدته السنة المطهرة[31].

4 ـ أن يأخذ بأسباب الرقي:

  ولا يستقيم حال المجتمع إلا إذا أخذ بمنهج القرآن في ضرورة الأخذ بأسباب القوة والتقدم. وتكاد تكون هذه الخاصية ركيزة أساسية في تفسير ابن باديس، حيث لا يفتأ مع كل آية يدعو لاستنهاض العزائم، ونفض غبار الكسل والضعف، والعمل لأجل مواكبة الأمم الصناعية المتقدمة، فيقول: “فلا يُفتنن المسلمون بعد علم هذا ما يرونه من حالهم وحال من لا يدين دينهم. فإنّه لم يكن تأخّرهم لإيمانهم، بل بترك الأخذ بالأسباب الذي هو سبب تأخرنا، من ضعف إيمانهم. ولم يتقدّم غيرهم بعدم إيمانهم، بل بأخذهم بأسباب التقدّم في الحياة”[32].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر هذا البحث في مجلة “منار الهدى”، العدد 14، خريف 2009، من ص 56 إلى ص68.

[1] ـ سورة آل عمران، الآية104.

[2] ـ تفسير المراغي، 4/21.

[3] ـ ينظر:مقال”من معالم التغيير الحضاري عند ابن باديس”د. محمد رزمان، مجلة الموافقات:العدد السادس ـ السنة السادسة 1418هـ/1997م، ص469.

[4] ـ مجالس التذكير، ص335.

[5] ـ ينظر:مقال”من معالم التغيير الحضاري عند ابن باديس”، ص469.

[6] ـ ابن باديس حياته وآثاره، جمع ودراسة د.عمار الطالبي ج1/.

[7] ـ الإبراهيمي” أنا ” الثقافة، ع87/ماي ـ جوان1985م،ص19.

[8] ـ مقال:من معالم التغيير الحضاري عند ابن باديس، ص470، مجلة الموافقات ، العدد السادس، السنة السادسة،1997م.

[9] ـ المرجع نفسه، ص470.

[10] ـ مقال:من معالم التغيير الحضاري عند ابن باديس، ص471.

[11] ـ عيون البصائر، الإبراهيمي، ص315.

[12] ـ مجالس التذكير ، ص175.

[13] ـ المرجع نفسه، ص61.

[14] ـ مجالس التذكير، ص112.

[15] ـ سورة الفرقان، الآية67.

[16] ـ المرجع نفسه، ص218.

[17] ـ سورة الفرقان، الآية30.

[18] ـ مجالس التذكير، ص173.

[19] ـ مجالس التذكير، ص173.

[20] ـ المرجع نفسه، ص174.

[21] ـ المرجع نفسه، ص174.

[22]ـ مجالس التذكير، ص174.

[23] ـ سورة النمل، الآية18.

[24] ـ مجالس التذكير، ص263.

[25] ـ سورة الذاريات، الآية50.

[26] ـ مجالس التذكير، ص362.

[27] ـ مجالس التذكير، ص 362ـ 363.

[28] ـ المرجع نفسه، ص315.

[29] ـ مجالس التذكير، ص315.

[30] ـ سورة النمل، الآية21.

[31] ـ إشارة إلى الحديث النبوي الذي رواه مسلم عن النعمان بن بشير:”مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. الجزء 4، ص1999 باب:تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم.

[32] ـ مجالس التذكير، ص51.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: