منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاجتهاد في السياسة الشرعية في المنظور الحداثي

0
اشترك في النشرة البريدية

قد يبدو من هذا العنوان نوع من الغرابة، إذ كيف يجمع بين الاجتهاد والسياسة الشرعية في الوقت الذي يشكل الاجتهاد العمود الفقري للسياسة الشرعية من جهة، ومن جهة أخرى كيف يمكن أن نرى الاجتهاد في علاقته بالسياسة الشرعية من وجهة نظر حداثية، وهي – الحداثة – الغريبة عن سياق السياسة الشرعية، وهو الوحي أصلا ومنبتا؟

نعم، لم نكن لنتيه في العناوين وتراكيبها لولا هذا الواقع المتشاكس الذي يحفل بكل المتناقضات، حتى تاه الإنسان وضاعت القيم… فإذا كان الاجتهاد قديما واجب العلماء لا يمكن لأحد التطاول عليه ما لم يتمكن من أدواته وشروطه، فإنه اليوم يراد له أن يصير حقا مشاعا للعالم والمثقف والمتعلم والجاهل، كان حظه من أدوات النظر والاجتهاد كثيرا أو قليلا، بل ومنعدما. وهذا ما يجعل العلاقة بين الدين والسياسة مضطربة في كثير من الأحول، بل في أحسنها، أو تبتلع الدعوةَ الدولةُ…

الاجتهاد والسياسة الشرعية:

يعتبر باب الاجتهاد من الأبواب الأساسية الثابتة في كتب أصول فقه المذاهب على اختلاف أصولها. وقد تختلف نظرتها باختلاف اعتبار الاجتهاد وتعريفاته.

المزيد من المشاركات
1 من 15

والاجتهاد في اصطلاح الأصوليين: “هو بذل الجهد للتوصل إلى الحكم الشرعي العملي من دليله التفصيلي”[1].

إذن، فلا نسمي عملية ما اجتهادا إلا إذا:

  • بدل فيها الجهد والوسع بدرجة قصوى.
  • كانت الغاية منها التوصل إلى حكم شرعي، والمقصود بالشرعية هنا مطابقة دين الله عز وجل وعدم منافاة روحه ومقاصده.
  • وكان مرجع العملية دليلا تفصيليا، قرآنا أو سنة …
  • ولا ينبغي الاجتهاد فيما علم من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ضرورة كالصلوات المفروضة والزكوات الواجبة وتحريم الزنا وشرب الخمر وغير ذلك، وما لم يعلم من دين الرسول ضرورة كالأحكام التي تثبت بإجماع الصحابة وفقهاء الأمصار …

وقد تكلم الأصوليون في باب الاجتهاد عن شروط المجتهد، فكان أغلبها – إن لم نقل كلها – متعلقا بالحكم والنص، ربما أن المجتهد في تلك العصور كان واحدا من المجتمع المسلم منخرطا فيه، معايشا لآمال الناس وآلامهم، فكانت الاجتهادات ضمنيا منبعثة من أعماق الواقع الإنساني. ولكن بعد أن سد باب الاجتهاد وسيطر الجمود وابتعد المسلمون في واقعهم عن شريعة الإسلام. واستمر الكلام عن الاجتهاد وشروطه ومجاله بعيدا عما يجب أن يكون، محلقا في أجواء النظر فقط، بعيدا عن هموم الأمة وحقوقها، وانغلق المسلمون في دائرة النص، فانفصل الدين عن سياسة الناس سياسة شرعية، فكانت النتيجة أن حلت السياسة الجاهلية محل السياسة الشرعية…

ولكن، ما السياسة الشرعية؟

يعلق المرحوم عبد الوهاب خلاف قائلا: “فالسياسة الشرعية على هذا هي العمل بالمصالح المرسلة التي لم يقم من الشارع دليل على اعتبارها أو إلغائها”[2].

قال المقريزي في الخطط:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

“هي القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأموال”[3].

والملاحظ أن السياسة الشرعية لم تعرف على كونها علما إلا في العصور المتأخرة. وهذا في نظرنا راجع إلى:

  • الجمود الذي عرفه الاجتهاد والتقليد الذي ساد بعد سد بابه.
  • فصل ما بين الدعوة والدولة، حيث أصبح الفقهاء يهتمون فقط بالأمور التعبدية الخاصة بالفرد، تاركين مجال الشأن العام وسياسة الأمة للحكام الذين لم يكن ليردعهم في أغلب الأحوال، رادع الدين…

ونشير إلى أن السياسة الشرعية عرفت أوج ازدهارها، ليس في عصر الاجتهاد المزدهر كما يرى ذلك البعض، وإنما قبل ذلك، حين كانت الدعوة تحضن الدولة، وتسير هذه الأخيرة وفق مقتضيات الأولى، في عهد الحلافة الراشدة.

فعن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي حاطب أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتي بهم عمر فأقروا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء، فقال له: “إن غلمان حاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة وأقروا على أنفسهم. فقال عمر: يا كثير بن الصلت، اذهب فاقطع أيديهم. فلما ولى بهم ردهم عمر ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له، لقطعت يدهم. وأيم الله، وإذ لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك. ثم قال: يا مزني، بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربعمائة. قال عمر: اذهب فاعطه ثمانمائة”[4].

وعن وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر رضي الله عنه، فأتيته وهو في المسجد معه عثمان بن عفان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن الزبير رضي الله عنهم، متكئ معهم في المسجد، فقلت إن خالد بن الوليد أرسلني إليك، وهو يقرأ عليك السلام، ويقول: إن الناس انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة، فقال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم. فقال علي رضي الله عنه: نراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون. فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال … فجلد ثمانين، وجلد عمر ثمانين. وكان عمر إذا أتي بالرجل القوي المنهمك في الشراب جلده ثمانين، وإذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة جلد أربعين، ثم جلد عثمان ثمانين أو أربعين[5].

لقد كان الصحابة رضي الله عنهم يدركون مقاصد الشرع، وعنها يصدرون في مجالات شتى: في القضاء والتشريع والتنفيذ، وفي غير ذلك مما تقوم عليه الدولة الإسلامية.

لكن، بعد هذا العهد ـ عهد الخلافة الراشدة ـ وبعد أن انفصلت الدولة عن الدعوة، أصبح المجتمع الإسلامي يعرف نوعين من الفقه:

  • فقه الأحكام الشرعية الخاصة بالفرد، يهتم بها أهل الفقه.
  • الفقه السياسي الذي كان من تدبير الولاة والحكام، وهو ما يعرف بالسياسة الشرعية. وقد يكون للفقيه أو العالم إسهامات في ذلك، لكن لا تعدو نظرا يحتاج إلى دولة تخدم الدعوة لتنفيذه.

السياسة الشرعية في المنظور الحداثي:

بعد ذلك الانفصال الذي حدث بين الدولة والدعوة واستئثار الجهاز الحاكم بمجال السياسة الشرعية، وبعدما انفصل الواقع عن الفكر، عرفت الأمة الإسلامية تدهورا كبيرا على جميع المستويات، ومنها السياسي كان مدخلا للاستعمار …

ومع أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ظهرت في العالم الإسلامي طائفة اختارت لنفسها اسم العلمانية تارة، والتنوير تارة أخرى، ليستقر فيما بعد على الحداثة، وانبنى مشروعها على:

  • اللحاق بالغرب، فهو المتقدم في جميع المجالات.
  • الليبرالية، من حيث إنها تحرير للفرد من أي سلطة إلا سلطة العقل.
  • اللائكية، بما هي فصل الدين عن الدولة.

والحداثيون، من حيث كونهم جزءا من المجتمع الإسلامي، فهم يريدون أن يقولوا كلمتهم في الفقه السياسي الإسلامي من وجهة نظر ما يعتقدون أنه الأصلح، وعلى ضوء المحددات السابقة. وهكذا يرى هؤلاء القوم أن الوحي غير قادر على الاستجابة لمتطلبات الحياة لما يسود الواقع من ظروف معقدة ومتشابكة، فضلا عن كونه إجابات دينية لوقائع مشخصة في الزمان والمكان حيث نزل.

فهذا حسن حنفي متزعم اليسار الإسلامي يرى أن “خطأنا نحن أننا نأخذ نفس الاختيار بالرغم من تغير حاجات العصر”[6]. إذ مع تغير الأنماط الحضارية والمحطات التاريخية يتغير كل شيء، تحصيلا للمصالح. وهذه هي “الحقيقة التي يشهد لها التاريخ ـ في نظر محمد النويهي ـ وهي أن القيم الأخلاقية ليست قوالب ثابتة لا يطرأ عليها التغيير، بل هي في تطور دائم وتبدل مستمر، وسر هذا أنها ليست اعتبارات نظرية، بل هي أمور حيوية جدا، متصلة أشد الاتصال بضرورات المجتمع وظروفه، مرتبطة بنظمه السياسية وبأحواله المادية وأوضاعه الاقتصادية وطرق تحصيله للرزق، فهي تتغير ـ أو ينبغي أن تتغيرـ كلما تغيرت هذه الظروف واختلفت هذه الضرورات”[7].

ويستغرب النويهي كيف أن هؤلاء يلتمسون لوجهات نظرهم تبريرات دينية، ويردون كل جديد لمخالفته للدين، يقول: “ولا تزال وجهة النظر الأولى التي ينظرون بها إلى كل جديد يعلن عليهم، أو مذهب جديد يدعون إليه، هي وجهة النظر الدينية. هم لا يسألون: هل هذا الرأي في ذاته صحيح أو خاطئ، وهل هذا المذهب في ذاته نافع أو ضار، بل يسألون أولا: هو مطابق للدين أم مخالف له”[8].

مما سبق، نخلص إلى أن الرؤية الحداثية لعلاقة الاجتهاد بالسياسة الشرعية تتمثل في:

تاريخية الوحي:

فالوحي في نظر هؤلاء نزل في زمان معين، له ميزاته وخصائصه التي تختلف كليا عن زماننا، فمن زمن الجمل والصحراء إلى زمن الطائرات والتكنولوجيا المذهلة، ومن العقيدة البسيطة الساذجة ـ في نظر نصر حامد أبي زيد ـ التي كانت تستجيب لتلك الظروف والخصائص والعقليات، إلى عقيدة الحداثية اللائكية التي يمكنها وحدها أن تساير العصر. وفي نظر جارودي، “فالقرآن الكريم والسنة النبوية لم يشرعا في المطلق، إنهما أدليا بإجابات إلهية، ولكنها دائما تبقى تاريخية، ومشخصة لمشكلات مجتمع أقل تعقيدا من مجتمعنا”[9].

أما النويهي، فيرى أن “كل التشريعات التي تخص أمور المعاش الدنيوي والعلاقات الاجتماعية بين الناس والتي يحتويها القرآن والسنة، دعك من سائر مراجع التشريع الإسلامي، لم يقصد لها الدوام وعدم التغير، ولم تكن إلا حلولا مؤقتة احتاج لها المسلمون الأوائل وكانت صالحة وكافية لزمانهم ومكانهم وبيئتهم، فليست بالضرورة ملزمة لنا، ومن حقنا، بل من واجبنا أن ندخل عليها من الإضافة والحذف والتعديل والتغيير ما نعتقد أن تغير الأحوال يستلزمه، وما نعتقد أنه الأكفل بتحقيق الغايات الإسلامية العليا”[10].

العقل والواقع أساس التشريع:

إذا كان الوحي في نظر الحداثة مجرد إجابات تاريخية لحوادث معينة في الزمان والمكان فإن أساس التشريع ومصدر الاجتهاد عندهم هو العقل الذي يعمل وفق متطلبات الواقع وتوجيهاته الذي “له أولوية على كل نص”[11]. ويؤصل لذلك بعلم أسباب النزول الذي “ليس سوى أسبقية الواقع على الفكر ومناداته له”[12].

ويسعى هذا الاتجاه إلى الإقناع بأن الأحكام والقيم تتغير بتغير الظروف والأحوال والمصالح، والواقع هو الذي ينبغي أن يقود المبادئ والقيم والأحكام؛ فتكيف طبقا له أو تبدل بما يناسبه. “فالقانون الإلهي ـ الشريعة ـ يوحد المؤمنين كلهم، في حين أن الزعم بفرض تشريع القرن السابع الميلادي والجزيرة العربية على الناس جميعهم في القرن العشرين، إنما هو عمل يعطي صورة مزيفة رافضة للقرآن الكريم. إنها جريمة ضد الإسلام”[13].

المصلحة غاية التشريع

يرى الفكر الحداثي أن المصلحة غاية التشريع، فحيثما كانت المصلحة فثم شرع الله. فهذه المصلحة عندهم مبنية على الواقع كما رأينا. فأي مصلحة اقتضاها الواقع فهي مطلوبة. حجتهم في ذلك قول الرسول صلى لله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار“.

ويعضد هؤلاء منهجهم هذا باجتهادات بعض الصحابة رضوان الله عليهم التي رأوا فيها تعارضا مع بعض النصوص الصريحة. فحتى “تلك الأحكام القرآنية التي كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ملزمة، جرؤ الخليفة الراشد عمر بن الخطاب على أن يوقف تطبيق بعضها أو يلغيه إلغاء تاما، حين رأى أن تغيير الأحوال في عصره لا يجعلها صالحة للتطبيق، ولا يجعلها مؤدية إلى تحقيق الغايات السامية التي نصبها القرآن”[14].

يجد هؤلاء في نظرية الطوفي ملاذا لهم وملجأ يلجؤون إليه عند مواجهة مخالفيهم. فالطوفي يرى في المعاملات اتباع مصلحة الناس. “فالمصلحة وباقي أدلة الشرع إما أن يتفقا فبها ونعمت. وإن اختلفا، فإن أمكن الجمع فاجمع بينهما … وإن تعذر الجمع بينهما قدمت المصلحة على غيرها لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار“. وهو خاص في نفي الضرر المستلزم لرعاية المصالح، فيجب تقييمه؛ ولأن المصلحة هي المقصودة من سياسة المكلفين بإثبات الأحكام وباقي الأدلة كالوسائل، والمقاصد واجبة التقديم على الوسائل”[15].

 مهمة الاجتهاد:

سبق للأئمة أن ذكروا شروط الاجتهاد حتى يحق للمجتهد أن يقول في كذا وكذا. ويرى أهل الحداثة أن الاجتهاد حق لكل الناس من دون حاجة إلى شروط وضوابط وضعها غيره. “ففقه القرن العشرين ليس مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المسلمين فحسب، بل تقع كما يقول القرآن الكريم على عاتق رجال الإيمان جميعهم، الذين تلقوا رسالة الأنبياء جميعهم رسل الله ذاتهم”[16]. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن باب الاجتهاد والنظر في الأحكام الخاصة والعامة يجب أن يكون مفتوحا للجميع، فهو “حق غير مقصور على عمر أو سواه من الخلفاء الراشدين والصحابة رضي الله عنهم، بل نعتقد أنه مفتوح لنا أيضا إذا اقتنعنا بضرورة تطبيقه في أي مسألة في مسائلنا الدنيوية”[17].

مناقشة:

بعدما تعرفنا على نماذج حداثية في علاقة الاجتهاد بالسياسة الشرعية نورد هنا بعض الملاحظات:

  1. إن رواد التغيير ومنظريه يرون أن التغيير لا يكون في المثال، بل يكون فيما هو مخالف له. ومن ثم لا ينبغي أن يكون همنا مقاومة كل خلق أو قيمة بحجة العصر والظروف … ثم لا يمكن أن يكون التغيير محكوما بواقع الفساد والانحراف منقادا له.
  2. يستشهد هؤلاء ـ كما أشرنا ـ باجتهادات عمر رضي الله عنه، و”الحق أن عمر رضي الله عنه لم يكن في الواقع ناشئا من تطور الأمة إلى حالة تستدعي وضع أحكام جديدة تلغي النصوص وتحل محلها، بل تنشأ من عدم تحقق شروط العمل بتلك النصوص أو هو من قبيل استثناء جزئيات من النص العام لمصلحة ـ شرعية ـ عارضة”[18].
  3. القرآن منه ما نزل إثر واقعة أو سؤال، هو ما يدخل في أسباب النزول ومنه ما نزل ابتداء، لا لواقعة ولا لسؤال.

يرى الحداثيون أن أسباب النزول دليل على أسبقية الواقع على الفكر، كما في تعبيرهم … ونقول: إن ما عرف بأسباب النزول إنما يدلنا على إجابات الوحي عن أسئلة الواقع وقضاياه، يرشدها ويقومها، ولا يدل على أن الوحي في فترة نزوله كان يساير الواقع ويتكيف وفقه أو يخضع له.

  • أما الزعم أن كثيرا من الأخلاق والقيم تغير بمجيء الإسلام، فإنما تغير من السلب إلى الإيجاب، من الظلم إلى العدل، من الشر إلى الخير، من ظلم الجاهلية إلى نور الإسلام، في حين أن الأخلاق المراد تغييرها اليوم إنما هي من أجل جلب المصالح المادية، والتي لا تهم الإنسان في مصيره. بهذا ـ حسب زعمهم ـ يصبح الربا حلالا، والزنا مشروعا، والسرقة حقا، وهلم جرا.
  • إن وصف المصلحة لا يتم إلا إذا كان النفع أو الضر محققا مطردا، غالبا واضحا، تنساق إليه عقول العقلاء والحكماء، بحيث لا يقاومه ضده عند التأمل، ولا يمكن الاجتزاء عنه في تحصيل الصلاح وحصول الفساد[19].

وجلب المصالح ودرء المفاسد لا يكون اعتباطا، وإنما عن دراسة شاملة وبحث مستفيض، وفهم عميق لهذه المصلحة أو المفسدة وللمجال أو الواقع المستهدف، لا اتباعا للهوى والأغراض النفسية. فهذا لا يتوافق مع ما جاءت من أجله الشريعة الإسلامية، التي جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله. وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس وطلب منافعها العاجلة كيف كانت. وقد قال ربنا سبحانه وتعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن)(المؤمنون:71).

  • إن مهمة الاجتهاد ليست مهمة أي كان، بل لا بد من توفر شرطي التقوى والعلم في كل فرد يريد أن يتصدى له. أما من لا يعرف من الشريعة إلا اسمها، بعيد عن أداء الفرائض والنوافل فكيف له أن يجتهد لسياسة المسلمين؟ نعم، قد يمكن الاستعانة به إن كان خبيرا في مجاله. وهذا نجد له مسوغا في الاجتهاد الجماعي الذي تشكل صورته الحل المناسب لما يتخبط فيه المسلمون، ولسياسة المسلمين وفق مقتضيات الشرع دون الابتعاد عن مقاصده، يجمع إلى جانب علماء الشريعة وفقهائها علماء وخبراء بالواقع المعيش، في السياسة والاقتصاد والاجتماع وغير ذلك …

خلاصة:

 إن الحداثة في إقصائها للوحي من سياسة المسلمين بمقتضياته لا يعدو أن يكون أحد أمرين:

الأول: أن يكون ناشئا عن اختلاف بين أهل الحداثة وعلماء الشريعة في الأصول المحققة لمقاصد الشارع. وهذا يقتضي ندوات وحوارا من أجل تقريب وجهات النظر وتصحيح المغالطات عند هذا الطرف أو ذاك.

الثاني: أن يكون الخلاف في أصل الشريعة وعدم التسليم بسيادته على البشر وسياسته لهم. وهذا أمر خطير يطعن في إيمان هؤلاء. فلا تكفي معهم الحوارات والندوات، بل يقتضي الأمر عند ذلك العودة إلى نقطة الصفر للتعريف بالإسلام وبيان مزاياه حتى يقبلوا عليه ويسلسلوا له القياد.


[1] – عبد الوهاب خلاف، أصول التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه، ص 7.

[2] – عبد الوهاب خلاف، السياسة الشرعية، ص6.

[3] – البحر الرائق، 5/76.

[4] – ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين، 3/8.

[5] – الحاكم، المستدرك، 8131.

[6] – حسن حنفي، التراث والتجديد، ص 20.

[7] – محمد النويهي، نحو ثورة في الفكر الديني، ص 64.

[8] – نفسه، ص 185.

[9] – روجي جارودي، الإسلام، ص 126.

[10] – نحو ثورة في الفكر الديني، ص 152.

[11] – حسن حنفي، التراث والتجديد، ص88.

[12] – نفسه، ص 13.

[13] – الإسلام، ص 126.

[14] – محمد النويهي، نحو ثورة في الفكر الديني، ص 151.

[15] – مصادر التشريع فيما لا نص فيه، ص 101.

[16] – الإسلام، ص 104.

[17] – نحو ثورة في الفكر الديني، ص 151.

[18] – علي حسب الله، أصول التشريع الإسلامي، ص 189.

[19] – محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 67.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.