الأسس الفكرية للحرية الاقتصادية دراسة مقارنة بين المذاهب الاقتصادية

مقدمة:

 أطّرت حياة الناس على مر العصور في جانب الكسب والمعيشة أنظمة اقتصادية عديدة، وكل نظام اقتصادي اتصف بخصائص وسمات حددت طبيعته وميزته عن باقي الأنظمة الأخرى.

وهذه الخصائص والسمات نابعة من تصور فكري ونظرة مذهبية لأهم ركائز الاقتصاد وقضاياه الرئيسة، من قبيل:

طبيعة الملكية، وأسلوب التوزيع، ودوافع الإنتاج وموجهاته، وطبيعة العمل، ومقدار تدخل الدولة.

وبناء على تلك النظرة المذهبية للنظام الاقتصادي يمكننا التمييز بين ثلاثة أنظمة اقتصادية كبرى، وهي:

النظام الاقتصادي الرأسمالي، والنظام الاقتصادي الاشتراكي، والنظام الاقتصادي الإسلامي.

ويعتبر مبدأ الحرية من المبادئ الرئيسة التي شغلت بال الاقتصادين واستفردت بنصيب وافر من الرؤى والأطروحات، نظرا لمحورية المبدأ وصلته الوثيقة بالفعل والفاعل الاقتصاديين.

وقد اختلفت وجهات نظر منظري الفكر الاقتصادي حول مبدأ الحرية تبعا لاختلاف وتباين مرجعياتهم الفكرية وتصوراتهم للكون والحياة والإنسان.

ويعتبر موضوع الحرية من المواضيع المثيرة التي استرعت الاهتمام قديما وحديثا، وتناولها أهل الفكر من زوايا متعددة وفي حقول معرفية مختلفة.

وسنركز في هذه الورقة البحثية على مبدأ الحرية في صلتها بالحياة الاقتصادية، ونتناول في دراسة مقارنة بين المذاهب الاقتصادية الوضعية والمذهب الاقتصادي الإسلامي تمثلات المذاهب الاقتصادية لمبدأ الحرية، وأهم الأسس الفكرية التي أطرت المفهوم وصاغته وتأسست وفقه رؤى مختلفة وصلت بعض الأحيان حدّ التناقض.

وستكون البداية ببيان الأسس الفكرية للحرية الاقتصادية في المذاهب الوضعية. ونقصد بالمذاهب الاقتصادية الوضعية تحديدا المذهبين الرأسمالي والاشتراكي.

ثم نثني ببيان الأسس الفكرية للحرية الاقتصادية في المذهب الاقتصادي الإسلامي.

وقد قصدنا في كل ذلك التركيز والاختصار ما أمكن.

  • الأسس الفكرية للحرية الاقتصادية في المذاهب الاقتصادية الوضعية:

وأقصد بالمذاهب الاقتصادية الوضعية مذهبين اثنين، هما: المذهب الاقتصادي الرأسمالي أو الاقتصاد الحر، والمذهب الاقتصادي الاشتراكي أو الاقتصاد الموجّه. وسأبدأ بالمذهب الرأسمالي وأثني بالمذهب الاشتراكي.

يُعرَّف النظام الاقتصادي الرأسمالي بأنه:

” النظام الاقتصادي الذي يمتلك فيه الأفراد آحاداً أو جماعات الموارد الإنتاجية ملكية خاصة، كما أن لهم الحق في استخدام مواردهم بأية طريقة يرونها مناسبة”[1].

ويعتبر هذا النظام من أقدم النظم الاقتصادية الوضعية ظهورا، وقد مرّ بمراحل كثيرة تطورت فيها أفكاره ونظرته للاقتصاد، بدءاً بالمرحلة التجارية، ووصولا إلى المرحلة الصناعية مع الثورة الصناعية الكبرى في منتصف القرن الثامن عشر.

وتعتبر الحرية الاقتصادية حجز الزاوية والأساس الذي تنبثق منه كل الحقوق والقيم التي تنادي بها الرأسمالية.

فللفرد الحرية المطلقة في النشاط الاقتصادي الذي يزاوله، وفي الاستهلاك الذي يرغبه، وفي الإنفاق أو الاستثمار الذي يناسبه[2].

وتستند الحرية في التفكير الرأسمالي على عدة أفكار وقيم تستمد منها وجودها و”مشروعيتها”، ويمكن إجمال الأسس الفكرية للحرية في المذهب الرأسمالي في ثلاثة أسس[3]، وهي كالتالي:

  • الحرية وسيلة لتحقيق المصالح العامة:

يرتكز هذا الأساس على فكرة التوافق بين مصالح الفرد ومصالح المجتمع، فالرأسمالية تعتقد بأن الفرد الحرّ تقوده دوافعه الذاتية إلى تحقيق مصالحه الخاصة، وهذه الأخيرة تؤدي بصورة آلية إلى توفير المصالح العامة، فتغدو الحرية أداة تخدم الصالح العام وتضمن ما يتطلبه المجتمع من خير ورفاه وسعادة.

ولا حاجة للقيم الروحية والخلقية لضمان سعادة المجتمع ومصالحه، لأن الحرية الاقتصادية عندما تفتح مجال التنافس الحر بين مختلف مشاريع الإنتاج تجعل الفرد ملزما بالبحث الدائم عن الجديد النافع للمجتمع، والضامن للتنافسية والاستمرارية، لأن الشعار الذي سيتبناه المجتمع هو “البقاء للأصلح”، وبالتالي سيحقق المجتمع مصالحه ويلبي حاجاته بالشكل الذي يرضيه.

والمتأمل في تاريخ المجتمعات الرأسمالية سيقف على حجم التناقضات الصارخة بين المصالح الخاصة والعامة، ويرى البؤس الشديد الذي عانت وتعاني منه طبقات كثيرة، مما يؤكد عدم صحة الفكرة التي انبنى عليها هذا الأساس الفكري للحرية عند الرأسمالية.

ونظرا لتفاوت الناس في حظوظهم ومواهبهم ومقدراتهم فلن تعدو الحرية بهذا المعنى إلا أن تصبح تعبيرا قانونيا عن حق القوي في كل شيء.

  • الحرية سبب لتنمية الإنتاج:

لا يختلف اثنان في كون الحرية الاقتصادية قوة دافعة للإنتاج، ووسيلة كفؤة لتفجير الطاقات وتجنيدها، وبالتالي مضاعفة الثروة الاجتماعية التي تخدم الصالح العام. لكن خلوّ الحرية من كل قيمة ووازع خلقي يجعل التنافس حول الإنتاج صراعا عنيفا يأكل فيه القوي الضعيف، ويفتح الباب واسعا للاحتكار والاستحواذ، ويقضي على التنافس الشريف. وثمة منقصة أخرى تضعف هذا الأساس الرأسمالي وتتجلى في كون سعادة المجتمع لا تتعلق بكمية الناتج العام فقط، بل هي رهينة كذلك بالكيفية التي يوزع بها هذا الناتج ومدى توخيها للعدالة الاجتماعية. فالرأسمالية عندما تعتمد على جهاز الثمن في التوزيع فإنها تعلن بأن من لا يملك ثمن السلعة لسبب من الأسباب فلا حق له في العيش والحياة.

  • الحرية تعبير أصيل عن الكرامة الإنسانية:

تقرر الرأسمالية أن الحرية بوجه عام هي حق إنساني أصيل، وتعبير عملي عن الكرامة البشرية فهي ليست أداة لسعادة المجتمع فقط، بل هي تحقيق لإنسانية الإنسان ووجوده الطبيعي الصحيح. وهنا تخلط الرأسمالية بين الحرية الطبيعية والحرية الاجتماعية، بينما لكل منهما صفاته وخصائصه.

فالحرية الطبيعة عنصر جوهري في كيان الإنسان، وظاهرة أساسية تشترك فيها الكائنات الحية بدرجات مختلفة تبعا لمدى حيويتها، وقد نال الإنسان الحظ الأوفر من هذه الحرية. فالحرية الطبيعية هي منحة الله سبحانه للإنسان.

أما الحرية الاجتماعية فهي تلك الحرية التي يكسبها الإنسان من المجتمع، وهي نوعان:

حرية اجتماعية جوهرية وهي تلك القدرة التي يكسبها الإنسان من المجتمع على القيام بفعل شيء معين. بمعنى أن المجتمع يوفر للشخص كل الوسائل والشروط التي يتطلبها القيام بذلك الفعل.

حرية اجتماعية شكلية وتعني امتلاك مبدأ الحرية دون القدرة الفعلية للاستفادة منها في واقع الحال.

والحق أن الرأسمالية تؤمن بالحرية الاجتماعية الشكلية فقط دون الحرية الاجتماعية الجوهرية، فهي تعطي للفرد الحق في الحرية ولا تعطيه القدرة على الاستفادة من الحرية، وتعلل ذلك بمبررين اثنين:

أولهما: استحالة ضمان أي مذهب اجتماعي للحرية الاجتماعية الجوهرية لكل أفراده.

وثانيهما: تشجيع الأفراد على النشاط واستثمار أقصى طاقاتهم التنافسية والإنتاجية. وهذان المبرران وجيهان إلى حدّ ما، لكنهما لا ينفيان مسؤولية المذهب الاجتماعي في توفير حدّ مقبول من الحرية الجوهرية، وإعطاء ضمانات كافية لمستوى معين من المعيشة لجميع أفراده مهما كانت فرصهم وشروطهم.

تدخل الدولة:

إن موقف الرأسمالية من الحرية في المجال الاقتصادي نابع من الإطار العام والموقف الكلي للمذهب الفكري الوضعي الذي يستبعد كل تدخل لأي سلطة خارجية سواء كانت دينية أم اجتماعية في حريات الأفراد إلا بقدر محدود وفي نطاق محسوب جدا.

وهكذا نادى منظر الاقتصاد الحر آدم سميث(1723‑ 1790) بضرورة إبعاد النشاط الاقتصادي عن كل تدخل خارجي وإخضاعه فقط لحرية الأفراد ومنطق السوق(قانون العرض والطلب)، وكان شعار المرحلة:

“دعه يعمل، دعه يمر  Laisser travailler. Laisser passer”.

ولا شك أن هذه الدعوات كانت ردّة فعل عنيفة اتجاه الظلم الفظيع الذي عانى منه الإنسان الغربي عموما والأوروبي تحديدا من السلطتين المقيتتين الروحية والزمنية، سلطة الكنيسة والإقطاع.

لكن، ونظرا لعدم واقعية الطرح الرأسمالي في مسألة الحرية الاقتصادية، وما شهده الاقتصاد الحر من أزمات متكررة سُمِح أخيرا للدولة بالتدخل على خلاف الأصل، وحددت مجالات تدخلها أو إشرافها طلبا لقدر من الاستقرار والتوازن في مجال يعد صلب حياة الناس ومربط الفرس فيها.

كما تكفلت الدولة بتوفير قدر كاف من الضمان لكل الأفراد يعينهم على العيش الكريم مهما كان جهدهم وحظوظهم في الإسهام في الناتج العام للدولة.

فهذه أهم الأسس الفكرية التي اعتمدها المذهب الاقتصادي الرأسمالي في تعاطيه مع مسألة الحرية الاقتصادية.

أما المذهب الاقتصادي الاشتراكي فقد تبنى أطروحات نقيضة لأطروحات الاقتصاد الرأسمالي، ووجّه منظّره كارل ماركس (1818‑ 1883) انتقاد لاذعا للمذهب الرأسمالي وكشف سوءاته، لكنه لم يوفق في البديل، حيث انبنى مذهبه على رؤية غير علمية[4]تنكرت للفطرة والغريزة فألغت حرية الأفراد الاقتصادية، وأخضعت الجميع للتخطيط الحديدي الصارم الذي يحدد كل شيء، فعزف الناس عن العمل، وتفشت المكتبية والبيروقراطية.

  • الأسس الفكرية للحرية الاقتصادية في الإسلام:

الإسلام هو الرسالة الخاتمة والدّين المرتضى والشريعة الكاملة، ونظامه الاقتصادي يختلف منهجا وأسلوبا وغاية عن الأنظمة البشرية الوضعية، وإن ظهرت بعض التشابهات والتوافقات هنا وهناك. فللإسلام مذهبه الخاص في قضايا الملكية والإنتاج والتوزيع…وله أدواته التي يعالج بها الاقتصاد وهي عبارة عن معايير كمية مادية، وأخرى قانونية شرعية، وثالثة نفسية تربوية.

  • أصول هادية للحرية الاقتصادية في الإسلام:

تحكم علاقة المسلم بالمال ومتاع الدنيا أصول ثلاثة:

1‑ أن يملك الدنيا ولا تملكه:

فالاقتصاد وسيلة لغاية، ولا بد للمؤمن في رحلته الدنيوية من زاد مادي، وسعي لكسبه، وتصرف حكيم في إنفاقه. وعلى الدولة المسلمة مسؤولية تحقيق الكفاية والعيش الكريم لأفرادها كي لا يشغلهم هم الرزق والمعيشة عن غايتهم الكبرى التي خُلقوا من أجلها ” تحقيق العبودية الكاملة لله “، استعدادا للنعيم المقيم والسعادة الأبدية في دار الخلد.

2‑ أن يتسبّب لكسب المعاش لتحقيق النفع الخاص والعام:

فيجتهد لكسب معاشه ومعاش أهله حيث أقامه الله، ويجدّ لينفع بنشاطه الاقتصادي أمّته، فالعمل الصالح عبادة، والسعي الاقتصادي من جملة العمل. و” أخوه أعبد منه “[5] ميزان عمري حكيم.

ولا ينفصل في ذهن المؤمن هم كفايته وسعادته عن هم كفاية الأمة وعزتها وأمنها وقوتها.

3‑ أن يكسب من حل وينفق في حل:

فلا يحتكر ولا يبذر ولا يكنز، ويلتزم بضوابط الشريعة في المال، تملكا وإنتاجا وتوزيعا…

  • حرية مسؤولة:

أعطت الرأسمالية للأفراد حرية مطلقة لا رقيب عليها ولا حسيب، لا تخضع إلا لنوازع الأنانية المستعلية والجشع والهلع الذي يميز الإنسان الذي نفض يده من تراب القيم الأخلاقية والروحية، فأصبح وحشا كاسرا يحركه الربح والربح وحده.

وبالمقابل صادرت الاشتراكية حريات الجميع وتنكرت للغريزة والفطرة، وألغت المبادرة الحرة وعطّلت دوافع التدافع الذي به يكون العمران في الأرض.

ولما كان الإسلام رسالة خالق الإنسان وفاطره الخبير العليم سبحانه، فقد كانت نظرته إلى الموضوع نظرة ثاقبة متكاملة، فلم ينكر جانب الغريزة ولم يكبتها ولم يقمعها، بل اعترف بها وعمل على توجيهها لتكون دافعا نحو العمل والعطاء والعمران، فحث على التنافس والتسابق والمسارعة إلى الخيرات. فهذه نظرة الإسلام إلى الغرائز على اختلاف أنواعها.

والإسلام عندما يقر بحرية الفرد في الاقتصاد يتبع ذلك ببيان دوائر ونطاق ممارسة تلك الحرية، وعموما فالحرية تمارس داخل دائرتين اثنتين، وهما:

الدائرة الأولى:

هي حدود الله المتمثلة في أحكام الواجب والمحرم، في البواعث الحافظة لمقاصد الشريعة من جانب الوجود، وفي الروادع الحافظة لها من جانب العدم كما يعبر الشاطبي رحمه الله.

الدائرة الأولى التي تحدد مسؤولية الأفراد أمام الدولة هي دائرة الأحكام الشرعية التي يسهر على تطبيقها المحتسب، ويطالب بها المسلمون بعضهم بعضا تآمرا بالمعروف وتناهيا عن المنكر، ويفصل في نوازل خرقها القاضي، وتنفذ أحكامه على الجاني يد الدولة.

فهذه الدائرة تجسد الرقابة الخارجية، وقد تجلت في ضبط شريعة الإسلام للنشاط الاقتصادي من خلال بيان ما يحل وما لا يحل من المعاملات.

والمتأمل في هذا الجانب من الفقه الإسلامي يجد تنصيصا واضحا صريحا دقيقا في حظر أو إباحة عدد من المعاملات والتصرفات، كما يجد بالمقابل تركيزا على الكليات والمقاصد الهادية المسددة للنشاط الاقتصادي دون تفصيل وتفريع، تركا للباب مفتوحا لاستيعاب الجديد الطارئ وتكييفه من الناحية الشرعية.

فقد نصت الشريعة على تحريم الربا بنوعيه، والغش، والقمار، والكسب الخبيث، وأكل أموال الناس بالباطل…

كما استثنت السنة من عموم حلية البيع النهي عن بيع الغرر، وبيع الدين بالدين، وبيع المعدوم، وبيع ما لا يملك، وبيعتين في بيعة، وسلف وبيع، وربح ما لم يضمن…

 

الدائرة الثانية:

أما الدائرة الثانية التي لا تخنق الحرية لكن تصعدها لتستعلي على الأنانية، فهي دائرة الإحسان، وهو أن يعبد المومن الله تعالى كأنه يراه، أي: أن يراعي وجهه الكريم في كل ما يأتي وما يذر من أعمال ليكون سعيه في الأرض ابتغاء وجه الله عز وجل خالصا.

فالدولة المسلمة يمكنها أن تقيم صلب الكيان الاجتماعي بواسطة القسمة العادلة، لكنها قد تعجز عن التوسعة المادية والمعنوية التي تريد أن يعيش المسلمون بعضهم قريبا من بعض، وبعضهم حانيا على بعض، مستمعا لشكواه مسرعا لمساعدته، مما يستوجب تدخل الإحسان الفردي.

وقد حرص الإسلام على تنمية هذه الرقابة الداخلية في أتباعه من خلال أصول عقدية وتوجيهات تربوية تكشف عن حقيقة المال ومقاصده.

فالقرآن الكريم يقرر حقائق واضحة تؤكد أن المال خَلقا وإيجادا وتسخيرا هو لله تبارك وتعالى ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾[6] وأن الإنسان مستخلف في هذا المال        ﴿ وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾[7].

وهذه الحقائق تسهم في إرساء مفهوم متميز للملكية والحيازة، بحيث يصبح الإنسان وكيلا فقط وليس مالكا حقيقيا للمال، ويصبح المال الذي بيده مجرد وديعة وعارية.

كما تسهم في إرساء مفهوم التصرف المقيد، فما دام الإنسان مجرد وكيل فعليه أن يخضع في تصرفاته لإرادة المالك الحقيقي ويلتزم بأوامره ونواهيه.

فعندما ترسخ تلك الحقائق في فكر المؤمن ووجدانه تثمر نظرة جميلة لعنصر المال، فيصبح المال وسيلة لا غاية، وسيلة للنفع الشخصي وأيضا للنفع العام، فيسعى المومن لنيل رضا ربه بكفالة اليتيم، وإطعام الجائع، ومواساة الأرملة، ومساعدة المحتاج…

تدخل الدولة:

تعتبر عملية التخطيط محاولة لعقلنة الاقتصاد، بمعنى إخضاعه لمنطق العقل الذي لا مجال فيه لاحتمالات الرفض، وتردد الإرادة، ونزوة العاطفة، وتحرك الغريزة.

فالعقلنة الاقتصادية محاولة لمحاربة الفوضى الناشئة عن التناقضات بين نفس الإنسان وعقله، بين اتجاه الفرد واتجاه الجماعة، بين المطالب الاقتصادية المتزاحمة على باب التنفيذ.

وفي المذهب الاقتصادي الإسلامي تكون المبادرة الحرة هي الأساس، ويكون تدخل الدولة طارئا، ويكون التخطيط محدودا.

إن التخطيط المعتمد على هدي الشريعة والمدرك لنواميس الله في الكون يمكّن من إصلاح الوسائل والإمكانيات وتوجيهها لتحقيق الكفاية والكرامة، كما يمكّن من تنسيق الجهود الفردية صوب التكامل والانسجام، وبالتالي حماية المصالح العامة من نزعات الأنانية ونزغات الشيطان.

خاتمة:

إن الإسلام يتعامل مع الحرية باعتبارها قيمة إنسانية كبرى، وقد نظر إليها نظرة متوازنة متكاملة، ووضع لها مرتكزات وضوابط وحدودا، لتؤدي وظيفتها وتحقق مقاصدها في السياقين الفردي والجماعي في تناغم وتكامل بعيدا عن التناقض والتنافي المؤديين للصراع والاحتراب، وهذا ما فشلت في تحقيقه المذاهب الاقتصادية الوضعية، فشتان بين تشريعات الناس وشريعة رب الناس، وشتان بين الثرى والثريا.

والحمد لله رب العالمين.

المصادر والمراجع:

القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.

محمد باقر الصدر، اقصادنا، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط13، 1400هـ/1980م

محمد حامد، النظم الاقتصادية المعاصرة.

محمد حمدي النشار، النظم الاقتصادية ، الناشر جامعة أسيوط، 1965م.

[1] محمد حامد، النظم الاقتصادية المعاصرة ص16.

[2] محمد حمدي النشار، النظم الاقتصادية ص33، الناشر جامعة أسيوط، 1965م.

[3] انظر: محمد باقر الصدر، اقصادنا ص270‑ 292، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط13، 1400هـ/1980م

[4] وإن كان أتباع المذهب يصرون على وصف اشتراكيتهم ب”العلمية”.

[5] كلمات قالها عمر رضي الله عنه لرجل اعتزل في المسجد للعبادة وترك “السعي” واعتمد على سعي أخيه.

[6] سورة النور، الآية:33

[7] سورة الحديد، الآية:7

اظهر المزيد

د. محمد الجعواني

حاصل على الدكتوراه في فقه الأموال، خريج دار الحديث الحسنية، وباحث في المالية الاسلامية، وأستاذ التربية الاسلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: