الآثار الاستعمارية لمحاولة محو الهوية الإسلامية في غرب إفريقيا

لما توغل الاستعمار الأروبي في غرب إفريقيا، وجد اللغة العربية هي لغة التعامل والثقافة، وتحرير الأحكام الصادرة عن القضاء الأهلي، وفي المراسلات الرسمية مع الرؤساء والأعيان، وفي كل المعاملات الإدارية تقريبا… وهي اللغة المقدسة في نظر السود؛ مما اضطر السلطات الاستعمارية إلى استعمالها في بداية سيطرتها على تلك البقاع، من خلال المراسلات وعقد الاتفاقيات مع السلطات المحلية.  كما كانت بعض المدن تمثل مراكز تعليم الدين الإسلامي واللغة العربية في البلاد مثل: ساي، وزندر، وأغاديس، ومنطقة أزواغ وآير، وسِنْدَرْ.

وعندما استكمل الاستعمار سيطرته على البلاد ورأى ما للعربية من الشيوع في المجتمع منذ رسوخ قدم الإسلام في البلاد، اعتبرها من الأسباب المعرقلة لحكام المناطق الفرنسيين؛ فكثفت السلطات الاستعمارية جهودها لمكافحة تعليم اللغة العربية في النيجر وغيرها من المستعمرات الفرنسية ذات الأغلبية الإسلامية في غرب إفريقيا، واستخدمت لذلك وسائل عدة، منها فرض قيود صارمة على استيراد الكتب العربية من البلدان الإسلامية؛ وحتى الحجاج منعوا من حمل الكتب الدينية والعربية معهم عند رجوعهم من الحج، وواجهوا صعوبات كبيرة في القيام بهذه الرسالة. كما تم منع افتتاح المدارس العربية إلا بإذن من السلطات الاستعمارية، مع التشديد في شروط الحصول عليه، وإحصاء كتب العلماء بغرض فرض الرقابة عليها مثلما فعلوا مع الشيخ حسن سليمان، وأحمد كيار في مدينة زندر، وتمت محاصرة المدارس القرآنية ومُدرسيها في طول البلاد وعرضها؛ لكن ذلك لم يوهن عزائم علماء العربية وطلابها في النيجر وغيرها، بل زادهم إصرارا في المحافظة على الإسلام ولغته.

ويجدر بنا أن نذكر بعض الكتب التي كانت مقررة في الحلقات العلمية بالنيجر في تلك الفترة، وما تزال تدرس إلى اليوم في الحلقات. لقد تألقت الحضارة العربية الإسلامية في العصور الماضية في المشرق العربي تألقًا لا نظير له في العالم، وازدهرت وزخرت، فأمكن أغلب المسلمين الغيورين على دينهم أن يفدوا على البلاد العربية المشرقية التي تناسبهم لينهلوا منها العلم والأدب والشريعة الإسلامية. وفي هذا الإطار خرج كثير من النيجريين إلى الحجاز وبغداد والشام وإفريقية بغية أداء فريضة الحج والدراسة، فمكثوا مدة طويلة هناك؛ حيث درسوا العلوم الشرعية واللغة العربية وأتقنوها، وهكذا أقبل المسلمون النيجريون على طلب العلم في المشرق وأرسلوا أبناءهم إليه للغرض نفسه.

هناك العديد من القصص لرحلات الحج والطرق المؤدية إليه، وكذلك وسائل النقل المستعملة، وقد وثّقت هذه الرحلات لعادات الناس والثقافات المتنوعة، وطرق الاستعداد للحج، والآثار الاجتماعية السياسية والثقافية والاقتصادية لهذه الشعيرة على الحجاج وعلى أوطانهم الإفريقية. كما بينت خضوع الحجاج لتأثير الظروف الأمنية والسياسية.

وتثبت بعض الوثائق أيضا جانبا من الصراع الاقتصادي والفكري بين العالم العربي والأوروبي؛ حيث كان هناك تخوف من عمليات توسع الخلافة العثمانية، والأفكار التي كان يحملها القادمون من الحج معهم. وممن يذهبون للحج، تحدث المشاركون القادمون من عدة دول أن الوثائق المتوفرة توضح أن جزءًا منهم كانوا من الأوروبيين الذين دخلوا الإسلام بحكم تواصلهم مع العالم الإسلامي، وجزء آخر من شرق وغرب إفريقيا، وكان جزء منهم يتنقلون عبر السفن التجارية المتجهة من وإلى العالم العربي.

لقد بدأ الاستعمار الفرنسي لبلاد النيجر في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، واستهل مهمته بإرسال البعثات الاستكشافية للمنطقة بذريعة استكشاف منبع نهر النيجر ومصبه، وارتكز في سياسته التغلغلية على بث الشقاق بين أفراد الوطن الواحد وجماعـاته، ليسهل التحكم فيهم.

حين نتتبع انتشار الأدب العربي وازدهاره ومصادره في غرب إفريقيا عامة، نستشف التأثر الكبير للنيجر خاصة بالثقافة الإسلامية العربية، وبروح الكتابة والتدوين التي ارتبطت بقراءة القرآن وتدريسه. فمنذ قيام إمبراطورية مالي (1238-1488م)، حتى القرن السابع عشر الميلادي، كانت اللغة العربية لغة العلم والأدب، وبها صنفت أهم المؤلفات التاريخية والفكرية لهذه البلاد، وقد حررها في معظم الأحيان كتاب محليون اكتسبوا هذه اللغة وسبروا أغورها.

لقد صنف أحمد بابا التمبكتي (1553-1627م) في القرن السادس عشر الميلادي كتاب “نيل الابتهاج في تطريز الديباج” الذي يعطي صورة ناصعة عن تاريخ الحركة الثقافية في السودان الغربي خلال هذه الفترة، وفي القرن السابع عشر ألّف عبد الرحمن بن عبد الله السعدي (1596-1657م) كتاب: “تاريخ السودان”. وفيه تناول عدة قضايا سياسية وثقافية، وكذا انتقال السلطة في عهد ملوك سنغاي. وصنف محمود كعت التمبكتي كتاب: “تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس” بطريقة قريبة من السعدي. وفي القرن التاسع عشر الميلادي، ظهرت حركة الخلافة الإسلامية مع الشيخ عثمان بن محمد بن فودي في غوبر، وازدهرت حركة التأليف على منوال مناهج التأصيل الإسلامي. ومن أروع مؤلفات هذه الحقبة كتاب: “إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور” للسلطان محمد بلو.

لقد ارتقت اللغة العربية إبان هذه الخلافة الإسلامية وأصبحت لغة الأدب الراقي، وبخاصة في مجال الشعر، فها هو الشيخ عبد الله يمدح أخاه الشيخ عثمان دان فودي بعدما تمكنت دولة الإسلام وسادت تعاليم الدين الحنيف.

إن قصة الاستعمار في النيجر، هي نفس قصة الاستعمار التقليدية في مالي وبينين وإفريقيا الغربية عامة، بدأت خيوطها بصور استكشافية؛ حيث يذكر أن البرتغاليين هم أول من وصلوا بسفنهم إلى الخليج الغيني سنة1485م، ودخلوا مدينة “بنين”، واتصلوا بملكها، وعقدوا معه معاهدة ودية. وفي سنة1553م وصلت أول حملة إنجليزية إلى هذه الشواطئ بقصد التجارة، لكنها لم تنجح في مهمتها، ومات معظم أفرادها. وبعد منتصف القرن التاسع عشر، استكملت الخيوط الاستعمارية التفافها على المنطقة، وبلغت أوج عنفوانها منذ سنة1871م؛ حيث انتشرت القوات الفرنسية داخل إفريقيا قادمة من الشمال، ورفعت العلم المثلث الألوان على مساحات واسعة، شملت الشطر الغربي للقارة، وامتدت جنوبا حتى أطلت على خليج غينيا.

لقد أثبتت الشواهد التاريخية أن النيجر بقيت على هامش المحاولات الاستكشافية الأوروبية الاستعمارية مدة طويلة، وذلك لأسباب عدة منها: أنها دولة قارية، بعيدة عن البحار، ويصعب على المستعمر الأوروبي المغامرة فيها، ثم إسلامها العميق؛ حيث تُقدر نسبة المسلمين في النيجر بحوالي 98%، وأن الزوايا والمرابيع القرآنية منتشرة في أنحاء البلاد منذ فترة مبكرة، وهي التي وقفت أمام كل محاولة لطمس العقيدة الإسلامية، وبخاصة إذا كانت هذه المحاولات خارجية أو غربية عدوانية.

ويذكر أن أول مستكشف وصل إليها هو: منغوبارك (Mango Parck) الإيكوسي  (Ecossais)الذي زار نهر النيجر سنة1805م، وبعد عام فقط، تم القبض عليه في مدينة بوسو؛ حيث قتل في عام1806م من قبل السكان دون أن يحقق غرضه الاستعماري. وفي سنة1822م وصل الإنجليزيان: دان هام وستا يرنون إلى منطقة بلما عاصمة كاوار. وقد وصل الألماني بارت (Barth) فيما بين (1850-1855) إلى برنو قادمًا من طرابلس، ومن برنو توجه إلى مدينة ساي الإسلامية، مرورًا بآير من تشاد، وبعد أن مكث مدة يسيرة في مدينة ساي، توجه إلى تمبكتو، وعند رجوعه سلك نفس الطريق: ساي، آير، تشاد، طرابلس.

وقد أثبتت الشواهد التاريخية أن التدخل الاستعماري بالقوة والسلاح والتخويف والتهديد والقتل والتخريب من قبل الفرنسيين في النيجر، بدأ بالفعل بعد مهمة هورست بمدينة غاو (جمهورية مالي حاليًا)، وهي عندئذ تابعة للنيجر. ومن تم، انتشرت البربرية الفرنسية في جميع أنحاء النيجر، وكثرت الاستكشافات الأوروبية في إفريقيا عامة، وفي السودان الغربي خاصة، في فترات ما بين (1805-1898)، فتضاربت مصالح تلك الدول الأوروبية، كما اختلفت أيضا في المناهج والأساليب نظرا لاختلاف استعداداتهم، وقواتهم العسكرية.

وهذه بعض الاقتراحات بمنظور تربوي من شأنها تيسير تدريس اللّغة العربية في المدارس العربية بغرب أفريقيا:

– بناء مناهج اللّغة العربية في ضوء الاتجاه التّكاملي المهاري لتعليم اللّغة وتعلّمها، مع إلغاء فكرة تفريع منهج اللّغة العربية إلى فروع لغويّة مستقلة من نحو وصرف، وأدب ونصوص، وبلاغة، وعروض، ومطالعة، وغيرها، واعتماد فكرة تكامل تعليم اللّغة وتعلّمها متكاملة وفقًا لطبيعتها المتكاملة، لأنّ تفريعها إلى هذه الفروع المستقلة لا طائل من ورائه سوى تفتيت الخبرة اللّغوية.
– يمكن اختيار النّصوص اللّغوية من نصوص القرآن الكريم، وجعلها محورًا رئيسًا في تعليم اللّغة دون إغفال نصوص الأحاديث النّبوية الشّريفة، وتراث العرب القديم والحديث، المنظوم منه والمنثور، لأنّ اتخاذ النّص اللّغوي منطلقًا منها لتعليم اللّغة العربية في ضوء مهاراتها الأساسية، ممّا يحفظ للغة وحدتها وتكاملها. مع الاهتمام بالخبرة المربية المتكاملة ذات الأنشطة المتعددة، والمنظمة للمعارف اللّغوية، ومهاراتها والتي تساعد المتعلّم على النّمو بطريقة متكاملة، وإكساب المتعلّمين المعارف اللّغوية ومهاراتها بصورة كلّية شاملة، باتخاذ موضوع واحد محورًا رئيسًا، وإحاطته بكلّ المعارف، والمهارات اللّغوية المرتبطة به، ليتسنى للمتعلّمين الإلمام بها، والسّعي إلى بناء شخصية متكاملة للمتعلّم، وتنمية الثّروة اللّغوية لديه، وإنماء قدراته على استعمال اللّغة بشكل صحيح. إضافة إلى الانطلاق من الواقع اللّغوي للمتعلّمين عبر تحديد المهارات اللّغوية اللّازمة لهم، والتّركيز عليها في كلّ مرحلة تعليمية، لأنّ التّركيز على المهارات اللّغوية، والنّظر إليها نظرة متوازنة في تعليم اللّغة يساعد على تنمية لغة المتعلّمين نموًّا متوازنًا.

– توجيه تعليم اللّغة العربية في التّعليم العامّ نحو سدّ حاجات المتعلّمين اللّغوية، باختيار المحتوى اللّغوي الّذي يلبّي تلك الحاجات، ويأخذ في الاعتبار المتغيرات الثّقافية، والحضارية، وما يتطلّع إليه المجتمع من مشاركة أبنائه في حلّ مشكلاته، والارتقاء به إلى مصاف المجتمعات المتقدّمة. وإعداد معلّم اللّغة العربية إعدادًا متكاملّا، قبل الخدمة وأثنائها، ليكون ذا قدرة أكاديمية تمكّنه من معالجة اللّغة وحدة واحدة، ومؤهّلًا تربويًّا على مستوى النّظرية والتّطبيق الميداني، ومقتنعًا بجدوى التّكامل اللّغوي في عمليات بناء المنهج، وتنفيذه، وتقويمه، وتطويره. وكذا تدريب المشرف التّربوي على تعليم اللّغة العربية بشكل دوري.

– يجب النّظر إلى اللّغة على أنّها مهارات أكثر منها محتوى، ويجب استخدام الوسائل التّعليمية وتقنياتها في عمليات تنفيذ المناهج التي تدعّم نجاح تطبيق المنهج التّكاملي كمصادر التّعلم، والإنترنت، وأجهزة الحاسوب وبرمجياته، مع تدريب معلّمي اللّغة العربية تدريبًا شاملًا يمكّنهم من استخدام طرائق التّدريس النّشطة، والوسائل التّعليمية وتقنياتها في مختلف الأنشطة اللّغوية على ضوء المنهج التّكاملي.

– ينبغي على القائمين بتعليم اللّغة العربية في المدارس العربية بغرب إفريقيا الاستفادة من المنهج التكاملي للحاق بركب التّقدّم والتّطور في ميدان تعليم اللّغات وتعلّمها، وتكييفًا لطبيعة اللّغة العربية نفسها. وأبرز ما تتّسم به اللّغة، كونها وحدة متكاملة، وهذا التّكامل يعود إلى كون اللّغة مجموعة من النّظم المتكاملة فيما بينها.

– ضرورة عودة البعثات العلمية للدراسات الجامعية في اللغة العربية والإسلامية من البلاد العربية علما بأن هذه البعثات نوعان: الرسمية وغير الرسمية، الأولى هي التي تنظمها الحكومة، وتبعثها للدراسة، وهي في يومنا هذا تكاد تكون منعدمة؛ بينما صارت اللغة الفرنسية في النيجر تحتل المرتبة الأولى؛ لكنها تشعر باستمرار بالمنافسة الشديدة من قبل اللغة العربية.

– العودة لتشجيع الطلاب الأفارقة أثناء دراستهم في البلاد العربية، بأن يفتح لهم الباب للمشاركة في المطارحات والمسابقات الأدبية الشعرية وغيرها من التظاهرات الأدبية في بعض الجامعات، مثل: قار يونس، وكلية الدعوة الإسلامية، والمدينة المنورة، والجامعة الإسلامية بالنيجر، وجامعة الأزهر الشريف بمصر.

– إعادة دور رحلات الحج في جلب الكثير من كتب الأدب العربي الجيدة من العصر الحديث، شعرا ونثرا، إلى النيجر ومكتباتها التجارية، مع نشر التعليم النظامي العربي الإسلامي، مثل الجامعة الإسلامية بالنيجر، وكلية البنات للدراسات الإسلامية والعربية، ومعاهد عليا، علما بأنه في جميع أقسام اللغة العربية تدرس مادة الأدب العربي الإفريقي، فظهرت عند الأدباء في النيجر والطلاب موجات قوية للاهتمام بالأدب الإسلامي الإفريقي والتخصص فيه في مستويات الماجستير والدكتوراه.
– وجود وسائل حديثة للنشر منها: الصحف العربية كالواحة والتواصل والسلام، يديرها ويكتب فيها مثقفون نيجريون، مشبعون بالثقافة العربية الإسلامية، وأهميتها في تكوين وعي إسلامي صحيح.

في النهاية، أقول بأن القرآن الكريم يمثل المنبع الأول والأهم للإفريقي المسلم، ويمثل غذاءه الروحي، ومصدره الشرعي، ونفس الشيء ينطبق على الحديث النبوي الشريف. وبناء عليه، فمواسم ورحلات الحج والعمرة إلى الأراضي الحجازية ما زالت تمثل فرصة سانحة لتنمية رصيد اللغة عند هذه الشعوب، تستوجب استثمارها على الوجه الأمثل.

 

الوسوم
اظهر المزيد

د. محمد عريف

كاتب وباحث في التاريخ الاقتصادي الحديث والمعاصر وتاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، عضو الاتحاد الدولي للمؤرخين والجمعية المصرية للدراسات التاريخية. مشارك في عشرات المؤتمرات والندوات بدراسات سياسية واقتصادية وقانونية وتاريخية. كاتب لدى القدس العربي والحياة اللندنية والعربي الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: